مباحث المجتهدين

مباحث المجتهدين

. نقولا يعقوب غبريل


List of Tables

1.

Bibliography

مباحث المجتهدين. نقولا يعقوب غبريل. الطبعة الأولى . 1971. الطبعة الثانية . 1994. English title: Themes for the Diligent. German title: Themen für Fleißige.

المقدمة

أما بعد فإنني قد قضيت حيناً من الدهر في عشرة كثيرين من إخواني المسلمين، وجلّهم من علماء هذا العصر، ودارت بيننا المباحث الدينية بطريقة حبية وإخلاص نيّة. ولما كنا طرقنا كل بحث وولجنا كل باب، جال في خاطري أن أدوّن خلاصة تلك المباحث لعلها تفيد وتهدي إلى صراط الحق أولئك الذين جعلوا الإنصاف وجهتهم والحقيقة ضالتهم، حتى إذا اتّضح لهم الحق اقتنوه وباعوا كل شيء عندهم واشتروه. أولئك يغبطهم العالمون، وأولئك هم المفلحون.

وقد اتخذت في البحث طريقة تلائم المسلم العاقل، ولا يستنكرها الباحث الفاضل، وهي إيراد البراهين من القرآن والأحاديث والتاريخ ما أمكن، لأنها أوقع في نفس المسلم وليس له عليها اعتراض، لذلك بها فصل الخطاب. لا جرم أنّ الحقيقة بنت البحث كما عرّفها العلماء، فطالبها لا يستنكف من الجولان في مضمار البحث حبّاً في الحصول عليها. وصاحبها لا يتقاعد عن البحث لأنّ البحث يزيده رسوخاً فيها. فلا تمتعض أيها الأخ المسلم من البحث بروح التقوى، لأنك إما أن تفيد أو تستفيد، فتخرج من ميدان البحث على الوجهين رابحاً. إنّ استشهادي بالقرآن والأحاديث لا يلزمني أن أعترف بصحتها، وقوانين البحث المنطقية والشرائع المدنية تجيز لي ذلك، ولا سيما أني مضطر إليها بحكم الضرورة، لأنّ أخي المسلم لا يعترف بادئ ذي بدء بصحة كتابي (التوراة والإنجيل)، وإلا لأوردت له منه البراهين المتعددة على صحة كل مبحث من مباحث هذه الرسالة، لتزيل من قلبه كل ريب مستحكم، وتستبدل بالشك اليقين.

إخواني المسلمين، أليس لنا ولكم قصد واحد في الدين؟ ألا وهو عبادة الخالق، والوصول إلى طريقة لمنال السعادة الدائمة بعد الموت؟ فأنتم تتخذون طريقاً للحصول على هذا، ونحن نتخذ طريقاً آخر. فما ضرّنا لو بحثنا في الأمر مليّاً بروح التواضع والتقوى والموضوعية، لأنّ الحقيقة واحدة لا تتجزأ، نسر معاً بالاتفاق فننال رضى خالقنا ونتمتع بجنات عدن خالدين. وما حملنا على تأليف هذه الرسالة ونظائرها إلاّ الحب الخالص، وقصدنا أن تسيروا معنا وتقاسمونا الخلاص الذي نلناه بالمسيح وتشاركونا في الحياة الأبدية. فإذا نحن تمنينا لكم من السعادة والفرح والخلاص ما نتمناه لنفوسنا، لا يمكن أن نكون لكم من الكارهين بل من المحبين المخلصين. فلا تسيئوا فينا الظن هداكم الله الصراط المستقيم.

ليس في البحث مجاملة، فلا يؤاخذني أخي المسلم إذا وجد في كلامي ما يثقل على مسمعه لأنني أقصد به تقرير الحقائق لا الحط من كرامة معتقده ولا يجوز أن أخالف معتقدي لأرضيه، لأن المقام مقام بحث، كما أنني لا أنتظر منه ذلك. بيد أني أعد القارئ الكريم أن أتجنب كل كلام يشتمّ منه رائحة الإغاظة أو التشفي أو الاحتقار. وأعترف أنني استعنت بتآليف السابقين في بعض فصول رسالتي هذه، جعلها الله نافعة ووسيلة للاتفاق، إنه يستجيب دعاء المخلصين، وهو حسبي وبه أستعين.

المبحث الأول

الفصل الأول: صحة التوراة والإنجيل

لمّا كان الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) ركن عقائد الدين المسيحي وأساسه، والحَكَم الوحيد الذي يرجع إليه المسيحيون في حل المشاكل، والقاضي العادل الذي لا يخاف في إظهار الحق وإزهاق الباطل لومة لائم، والشاهد الأمين في القضايا الشرعية، فقد جعلته فاتحة مباحثي حتى إذا أَثبتُّ صحته لأخي المسلم بالحجة الدامغة والبرهان المنطقي أمكننا كلينا أن نستفتيه في كل دعوى ونرجع إليه عند كل اختلاف، خاضعين لأحكامه ومستنيرين بمشكاة هداه، إنه نورٌ وهدىً للعالمين.

  1. ورد في القرآن في سورة آل عمران 3: 3 و4: «وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ».

    إن الله أنزل التوراة والإنجيل لهداية الناس.

  2. وفي سورة المائدة 5: 68: «قُلْ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ». وهذه تبيّن صحة التوراة والإنجيل، وإلا لما كان محمد يطلب إقامة حدودهما.

  3. وفي سورة المائدة أيضا 5: 47: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ» أي أنّ الإنجيل منزل من عند الله، وأنّ محمداً خاضع لأحكامه.

  4. وفي سورة النساء 4: 136: «يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَّزَلَ عَلَى رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً». إنها تحكم بضلال المسلم الذي لا يؤمن بالتوراة والإنجيل إيمانه بالقرآن.

  5. وفي سورة سبأ 34: 31: «وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ». فأهل مكة كانوا يعرفون التوراة والإنجيل كما كانوا يعرفون القرآن.

  6. وفي سورة القصص 28: 49: «قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا (القرآن والكتاب المقدس) أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ». تبيّن إقرار محمد بصحة التوراة والإنجيل ومساواتهما بالقرآن.

  7. وفي سورة المائدة 5: 43: «وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ». الإقرار صريح أنّ التوراة صحيحة، فيها حكم الله، وعلى متبعها أن لا يحكم سواها.

إنّ معاني الآيات السالفة الذكر واضحة غاية الوضوح، حتى أنها لا تحتاج إلى تأويل أو تفسير مما درج عليه السلف.

وخلاصة هذه الآيات أن الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) تنزيل الحكيم العليم، نور وهدى للعالمين، وأن أحكامه مرعية وواجبة الاتباع، وأنّ من لا يؤمن أو من يكفر به من المسلمين يكون دينه ناقصاً ويضلّ ضلالاً بعيداً. وأنّ أهل مكة كانوا يعرفونه كما كانوا يعرفون القرآن.

هل تُعرض بعد هذه الآيات الصريحة أيها الأخ المسلم عن الإيمان بهذا الكتاب وتحسب كأنه لم يكن شيئاً مذكوراً؟ بماذا تعتذر عن عصيانك أوامر الله يوم الحشر يوم تناقش الحساب؟ أنصح لك أن تقرأ هذا الكتاب (التوراة والإأنجيل) وتؤمن به وتعمل بأحكامه، فتجد فيه الوسيلة الوحيدة للتوفيق بين عدل الله ورحمته، والتطهير من الخطايا والحصول على السعادة الأبدية بالمسيح يسوع، الوجيه في الدنيا والآخرة.

ولربّ معترض من إخواني المسلمين يقول: «إن الآيات التي استشهدت بها حق، وما استنتجته منها حقيقة لا ريب فيها، ولكن التوراة والإنجيل اللذين تطلب مني الإيمان بهما، واللذين شهد بصحتهما القرآن، قد تغيّرا وتبدّلا، ولعبت بهما أيدي التحريف. وما تسمونه الآن بالتوراة والإنجيل يخالف الأصل الذي شهد له القرآن تمام المخالفة، لذلك ترى المسلمين معرضين عنهما ونابذين أحكامهما، ولا لوم عليهم بذلك ولا تثريب» فأجيب المعترض وأمثاله بما يأتي، راجياً، من القارئ الكريم أن ينعم النظر في جوابي وينصف في الحكم وله الفضل فأقول: قد علمت من الآيات القرآنية المذكورة آنفاً أن الكتاب (التوراة والإنجيل) كان في أيام محمد على غاية من الأحكام والصحة، وإلاّ لما كان محمد أمر بوجوب الإيمان به والخضوع لأحكامه وإقامة حدوده، أو وجب عليك أن تقرّ أنه كان يوماً ما على الأقل صحيحاً لا تغيير فيه ولاتبديل.

ثم أرجو منك أن تقرأ الآيات التالية، لترى بنفسك: هل يمكن أن يحصل هذا التغيير، وهل يستطيع البشر ذياك التبديل؟

«وَٱتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ» (سورة الكهف 18: 27).

«وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ» (سورة الأنعام 6: 34).

«لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ» (سورة الأنعام 6: 115).

«لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ» (سورة يونس 10: 64).

«وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً» (سورة الفتح 48: 23).

«لاَ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ» (سورة فصلت 41: 42).

«إِنَّا نَحْنُ نَّزَلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» (سورة الحجر 15: 9).

فترى مما تقدم أنه لا يقدر أحد أن يبدل كلام الله، لأن الله أنزل كتاباً ووعد بحفظه. فإذا قلت إن المقصود بالذكر هنا هو القرآن، قلت بل يعني أيضاً التوراة والإنجيل، بدليل قول القرآن: «فَٱسْأَلُوا أَهْلَ ٱلذِّكْرِ (التوراة والإنجيل) إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ» (سورة الأنبياء 21: 7) بل إن التوراة نفسها قد سميت القرآن «لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ» (سورة الأنبياء 21: 48). وإن قلت إن الآيات تدل على حفظ القرآن، قلتُ إن كل ما يصدق على القرآن يصدق على التوراة والإنجيل، فالتوراة والإنجيل كلام الله، والقرآن حسب اعتقادك كلام الله، وأنت تعتقد أن الله قال في القرآن أن لا مُبدِّل لكلماته، وأنه يحفظ ما أنزله من التبديل والتحريف والزيادة والنقص (كما أفاد الجلالين). فهل تستطيع بعد ذلك أن تحكم أن التوراة والإنجيل قد تغيّرا؟

فإذا سلَّمت بهذا، لزمك أن تسلّم بتغيير القرآن أيضاً، لأن ما جاز عليهما يجوز عليه. وإذا قدر الناس على تغيير كلام الله التوراة والإنجيل، فهم يقدرون على تغيير القرآن أيضاً لا محالة، كما صرح الإمام الرازي. وتغيير القرآن ما لا تسلم به. إذاً وجب عليك أن تقول باستحالة تغيير التوراة والإنجيل وتبديلهما، وتقرَّ بصحتهما وتعمل بأحكامهما وتتخذهما مرشداً إلى المسيح الطريق والحق والحياة. وأما التحريف الذي أشار إليه القرآن في سور المدنية فهو واقع بحق بعض اليهود فقط، والإنجيل خالص من تهمة القرآن هذه. والتحريف المشار إليه قد حصل في المعاني، أي في تفسير الآيات، إذ كان اليهود يفسرون الآيات خلافاً لما أراد محمد، كما أثبت هذا الرازي والبيضاوي عند تفسيرهما آيات التحريف، وإلا لكان كلام القرآن في السور المدنية مناقضاً لكلامه في السور المكية.

الفصل الثاني: إثبات صحة التوراة والإنجيل عقلياً

يعلم كل عاقل أن الله الذي أبدع الكائنات، السموات والأرضين وما بينهما، بكلمة قدرته الأزلية هو قادر. ويتحقق من إتقان صنع هذه المخلوقات وكمال شرائع الكون ونواميسه وسيرها مئات السنين على نظام واحد لا يتغير أن الله حكيم. وبما أن الله قادر وحكيم فلا بد أنه يضع دستوراً ويكتب شريعة لمخلوقاته الناطقة العاقلة كي تعلم نسبتها إلى خالقها، وواجباتها بعضها نحو بعض، وتعرف مصير العالمين وقصاص العصاة وثواب الطائعين المؤمنين. وإلا لأصبح الناس فوضى لا وازع لهم ولا مشترع كالأسماك التي يأكل كبيرها صغيرها، ويفني الناس بعضهم بعضاً كالأقوام المتوحشة التي بادت. وتستوي إذ ذاك الفضيلة والرذيلة بل لا يعرف لهما اسم أو مميز، وهذا ما لا يرضى به القادر الحكيم.

فإذا لم يكن ذاك الدستور وتلك الشريعة هما التوراة والإنجيل فقل لي إذاً: ما هما؟ هل من كتاب قديم مقدس يفي بالغرض المقصود كالتوراة والإنجيل؟ كلا!

ولا شك أن الله القدير الحكيم إذا نزَّل كتاباً دستوراً وهدىً للعالمين يحفظه من التلف والتغيير والزيادة والنقصان، وإلا لتمزق الدين كل ممزق، وأصبحت الكتب متعددة واختلفت الآراء وضاعت الحقيقة ووقع الناس في حيص بيص، وحاشا الله أن يفعل ذلك! لأنه قد حفظ كتابه التوراة والإنجيل قرناً بعد قرن من كل تغيير وتبديل، وأبقاه نبراساً يهدي به كل الضالين.

إن الإجماع على تغيير الكتاب (التوراة والإنجيل) مستحيل، لأن الديانة المسيحية والديانة اليهودية كانتا وقتئذ منتشرتين في الشرق والغرب، في الشام والأناضول ومصر والحبشة والهند وأوروبا، وكان الكتاب ولا سيما الإنجيل مترجماً إلى كل لغات الأقوام التي دخل بينهم، كالعبرية والأرمنية والحبشية والقبطية واللاتينية من اللغتين اليونانية والعبرانية الأصليتين - فكيف يعقل أن هؤلاء الألوف يجتمعون ويتفقون على تغييره مع اختلافهم في اللغة والعقيدة، ولا سيما أن المسيحيين كانوا شيعاً متعددة، كل واحدة تناظر الأخرى؟

ولا شك أن قول المسلمين بتغيير الكتاب هو دعوى دون دليل، وإلا فليخبرونا أين الآيات التي تغيرت، وما هي وما أصلها وما الغاية من تغييرها؟ فإن عجزوا، ولا مراء أنهم عاجزون، أسألهم: كيف جاز لكم هذا الادعاء، والعالِم الحكيم لا يُقدم على أمر إلا ولديه ما يثبت مدعاه؟ ترجم الإنجيل إلى العربية قبل ظهور الإسلام، لفائدة قبائل العرب المتنصرة كحِمْيَر وغسان وربيعة وأهل نجران والحيرة وغيرها. وإلا فكيف عرف هؤلاء النصرانية؟ ويؤيد هذا ما جاء في كتاب «الأغاني» أن ورقة بن نوفل (وهو أشهر كتبة العرب لزمن محمد) كان يكتب الكتاب، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء أن يكتب. فلو حصل تبديل في الإنجيل لكان المسلمون حفظوا الأصل إثباتاً لدعواهم.

وأما اليهود فقد ضُرب المثل بشدة حرصهم على كتابهم، فهم يعرفون عدد كلماته وحروفه، كما يعرف هذا كل من عاشر رؤساءهم. فالكتاب المقدس جميعه إذاً لم يعتره تغيير، ولن يعتوره تبديل، كما شهد لذلك النقل والعقل.

وإذا تعددت الكتب فلا يشتبه عليك الحق، فافحص وفتش وقابل، تتضح لك الحقيقة. فالكتاب الذي يضرب على أيدي الشهوات والأميال النفسية، وله اليد الطولى في تغيير القلوب الشريرة، وهو موافق لصفات الله الطاهرة، وصالح للعمران، وهو مصدر المحبة لله والناس على اختلاف أديانهم، والآمر بمحبة الأعداء ومسامحة المعتدين والذي يعتبر كل بني آدم إخوة، هو الكتاب الذي أنزله واجب الوجود للعمل به بين العباد في كل قطر.

الفصل الثالث: إثبات صحة الكتاب المقدس تاريخياً

إن قدم الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) وصحته أمر لا يقبل المراء، وليس لكتاب آخر في الكون ما له من البراهين على إثبات ذلك. ولما كان التاريخ أعدل شاهد وأصدق دليل، قصدت أن أستشهده في بحثنا هذا، كي يكشف النقاب ويوضح الحقيقة بأجلى بيان.

لا يخفى أن الكتاب المقدس يشتمل على قسم كبير من النبوات التي تمّ أكثرها، والباقي لا بد من أن يتمّ في حينه. وقد سبق الله فأنبأ بفم أنبيائه الكرام بحصول حوادث متعددة من قيام ملوك وسقوط آخرين، وخراب مدن عظيمة، وانقراض أمم شادت لنفسها عزاً باذخاً، ولم تكن لتحلم بما حل بها من الفناء قبل حصوله.

فناحوم النبي تنبأ بصراحة بخراب نينوى قصبة الأشوريين، المدينة العظيمة التي كان ارتفاع أسوارها مئة قدم، ومحيطها ستين ميلاً، وعليها ألف وخمس مئة برج، ارتفاع كل منها مئتا قدم في حالة عظمتها. وقد تم هذا حرفياً. وإشعياء وإرميا تنبأا بخراب بابل قصبة الكلدانيين، وهي في حال سمو مجدها وعظمة اقتدارها وزهوها، فلم يمض مئة وستون سنة من تاريخ النبوة حتى خربت بابل العظيمة حسب النبوءة. وقد ذكر هيرودتس وزنفون المؤرخان كيفية خرابها مما يطابق أشد المطابقة ما أنبأ به النبيان.

ومن النبوات الكتابية أيضاً نبؤة حزقيال عن مدينة صور حيث نرى الحقائق التالية التي أثبتها وشهد لها التاريخ.

في الأصحاح 26 عدد (8) يخرب نبوخذنصر هذه المدينة، وفي العدد (3) يقول النبي تقوم دول كثيرة عليها وفي (4) تصبح صخرة عارية وفي (25) يبسط الصيادون شباكهم على موقعها و(12) تلقى أنقاضها في البحر وفي (14) ولن تقوم للأبد و(21) تقرير وتأكيد زوالها.

وبعد نبوة حزقيال بثلاث سنوات حاصر ملك بابل صور مدة 13 سنة حتى استسلمت له وقبلت شروطه (585 - 573 ق.م) ولما اقتحمها اكتشف أن سكانها قد هجروها بالسفن إلى جزيرة جديدة في عرض البحر على بُعد نصف ميل من صور.. فقام بتخريب صور كما أشار النبي حزقيال في 26: 8.

وجاء الاسكندر الكبير. فحاصر المدينة الجديدة العاصية مستخدماً أنقاض القديمة كممر بحري إلى الجديدة بعد 60 متراً واستولى عليها. كما أشار حزقيال في 26: 3 و12 وأضحت صخرة عارية كما تقول النبوة في عددي 4 و5.

ومع أن تاريخ صور لم يتوقف نهائياً بعد حملة الاسكندر الرهيبة، إلا أن الهجمات المتتالية من انتيخوس (314 ق.م) إلى بطليموس فلادلفوس (285 - 247 ق.م) الذي موّت تجارتها وأهميتها البحرية حتى احتلها المسلمون وأخربوها تماماً سنة (1321 م) وأضحت كما يقول الرحالة العربي ابن بطوطة (كانت مضرب الأمثال... وهي الآن أثر بعد عين) تماماً كما تشير النبوة في 26: 14.

«لقد نظر حزقيال النبي إلى صور في أيامه. فإذا هي عظيمة بالغة قمة العظمة... بحيث أن أقوال نبوته كانت كهذيان لسامعه وهو يشهد غنى ومجد صور الجبارة. وحسب حكمة البشر تكون نسبة صحة نبواته خلال سبع سنوات على صور، لو أنها كانت محض صدفة، فرصة واحدة من 750 مليون فرصة. ولكن نبواته كلها تحققت بكل تفاصيلها».

هكذا قال السيد الرب: «هَئَنَذَا عَلَيْكِ يَا صُورُ فَأُصْعِدُ عَلَيْكِ أُمَماً كَثِيرَةً كَمَا يُعَلِّي ٱلْبَحْرُ أَمْوَاجَهُ. فَيَخْرِبُونَ أَسْوَارَ صُورَ وَيَهْدِمُونَ أَبْرَاجَهَا. وَأَسْحِي تُرَابَهَا عَنْهَا وَأُصَيِّرُهَا ضِحَّ ٱلصَّخْرِ» (حزقيال 26: 3 - 21).

الفصل الرابع: شهادة الآثار

إذا وجد التاريخ من يجرح شهادة له، فشهادة العاديات (الآثار القديمة) لا تُجرح.

كانت الأسفار المقدسة ولم تزل عرضة لسهام المنتقدين وغرضاً تلطمه نبال الكفرة الملحدين، لأنها تخالف أهواءهم الشهوانية وآراءهم الصبيانية وفلسفتهم الجهنمية. لذلك بحث كثير منهم في الآثار القديمة، في فلسطين وبابل وأشور ومصر، بغية أن يجدوا فيها ما يسفّه أقوال الوحي الإلهي إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، كي يبرهنوا للعالم أن الكتاب المقدس خلط أقاويل وتقاليد منحرفة. لكن الله أحبط مسعاهم فطاش سهمهم وخاب ظنهم، لأن ألسنة تلك العاديات التي اكتُشفت أعربت عن موافقة تامة لما جاء في أسفار الوحي، مع أن الذين كتبوها (الكتابات التي وُجدت على الآثار) هم من الوثنيين.

ولما وجد إخواننا المسلمون أن أسفار التوراة والإنجيل تخالف تعاليم قرآنهم الجوهرية، رشقوها بتهمة التحريف، وادعوا عدم صحتها. ولكن دعواهم لم يؤيدها البرهان الصحيح. وبما أن شهادة الآثار القديمة قد أقنعت كثيرين من الملاحدة الباحثين، قصدت أن أشير إلى بعض هذه الآثار، لعلها تفيد إخواننا المسلمين، كما أفادت أولئك من قبل.

إن انتقاد الكفرة للكتاب والريب فيه راجع إلى أمرين، أولهما الظن أن الكتابة كانت مجهولة، أو أنها كانت قليلة الاستعمال في فلسطين حتى قُبيْل الجلاء البابلي (نحو سنة 540 ق.م) ولذلك يظنون أنه لا يُعقل أن موسى وغيره كتبوا في ذلك الوقت. وثانيهما أن التوراة قد غالت بوصف حضارة الشرق القديم إلى حدٍّ يفوق التصديق، لمغايرته أقوال المؤرخين القدماء. على أن الاكتشافات الجديدة قد أيدت صحة أقوال الكتاب، وتمثل لدينا تمدن مصر وبابل وأشور بجلاء، وظهر لنا سنحاريب وتغلث فلاسر ونبوخذنصر يقصّون علينا أخبارهم وحضارتهم والمعارك التي اشتركوا فيها. وصار يمكننا أن نرى رسم الحروف التي كتب بها إشعياء وإرميا بل موسى، والحجارة قد نطقت شاهدة لأقوال الله. وقد أثبتت هذه الآثار أن صناعة الكتابة كانت متقنة في عهد حزقيال وموسى وإبرهيم منذ 2234 سنة ق.م كما هي متقنة في أيامنا هذه.

وها أنا أذكر الأشياء المهمة والحوادث العظيمة المذكورة في التوراة التي أثبتت صحتها الآثار القديمة كما ترى:

إن الصفائح الأشورية الأصلية المعروضة الآن في المتحف البريطاني، تثبت بأجلى بيان تفصيلاً قصة الخلق (المذكورة في بدء التوراة) بصورة مدهشة، ولولا الاختصار لنقلت للقارئ ترجمتها. وهي وإن كانت ممزوجة بالخرافات، فالحقيقة ظاهرة فيها، وقد أثبتت هذه الصفائح عينها وجود زوجين أصليين من البشر، إذ قيل فيها «أن يكون اثنان خلقهما الرب ذو الوجه الشريف» وترى في معرض المتحف المذكور آنفاً صورة على عمود بابلي قديم تمثل آدم وحواء أبوينا الأولين والشجرة بينهما والحية خلف حواء، طبقاً لما ذكر عن سقوطهما في الأصحاح الأول من التوراة.

حسب العلماء غير المؤمنين سابقاً أن قصة التوراة عن الطوفان ليست إلا خرافة من أساطير الأولين، وحادثة لا تقوى على معارضة الباحثين، وخبراً تزيفه براهين العلماء المدققين. ولكنهم بعد المباحث الطويلة رجعوا خاسرين، إذ دلت الآثار على غلطهم المبين، فاعترفوا بصحة الطوفان وعرفوا الحق اليقين، وأخصّ بالذكر منهم علماء الجيولوجيا، لأنه وجد في أشور صفائح معروضة الآن في المتحف البريطاني، كُتب عليها كيفية بناء الفلك، وحفظ أنواع الحيوانات والناس، ونزول الأمطار حتى غطّت وجه الأرض (حيث وجدت الأحياء) وأهلكت الإنسان والحيوان، مع تفاصيل القصة.

وقد وجد في كل قارة من قارات الأرض كميات عظيمة من الأصداف البحرية متجمعة أو متفرقة في طبقات اليابسة في رؤوس الجبال وأعماق الأودية، ومنها أصداف مختصة ببحار مخصوصة، ومنها أجسام أسماك وأنواع نباتات بحرية متحجرة في وسط طبقات الجبال، يمكن أن يطَّلع عليها كل إنسان في أي معرض كان. وهذه كلها تثبت صحة قصة الطوفان، وإلا كيف وصلت تلك الأصداف والنباتات والأسماك إلى تلك الأماكن التي هي ليست بمواطنها؟

وقد اكتشف السيد سمث في أخربة نينوى صحيفة تُرى في المتحف البريطاني، كُتب عليها ما يثبت بلبلة الألسنة في بناء برج بابل (تكوين 11) وقد وجد المذكور لوحاً في أخربة أشور يصف خراب سدوم وعمورة بالنار والكبريت، كما ذكر في التوراة (تكوين 19). والآثار قد أيدت صحة خبر غزوة كدرلعومر ملك عيلام وحلفائه لفلسطين، ومن جملتهم امرافل ملك شنعار وبابل الجنوبية المذكورة في الأصحاح الرابع عشر من سفر التكوين.

وقد أنكر هيرودتس وبولترك على موسى النبي وجود الخمر واستعمالها في مصر، ولكننا عرفنا من الأطلال المصرية أن المؤرخَينْ قد غلطا في زعمهما، وأن المشترع موسى النبي كان مصيباً، فقد وُجدت صور في قبور مصرية تصف عملية تدبير الكرم من غرسه إلى دوس العنب، ومن استخراج العصير إلى حفظه في أوعية. وقد وجد زجاجات كُتب عليها (إرب) التي معناها خمر. وقد ثبت من الآثار حصول الجوع المذكور في التوراة على عهد يوسف (تكوين 41: 30).

وقد أظهرت الكتابات المصرية أن رعمسيس الكبير استخدم غرباء في بناء مدينيتن هما فيثوم ورعمسيس، وهذا يطابق (خروج 1: 11) وقد ظهر من الآثار التي اكتشفها المنقبون في أحد مدافن طيبة اسم الإسرائيليين وعبوديتهم وتسخيرهم.

ومن الشهادات الصامتة لصحة الكتاب قطعة من المرمر المعروفة بين علماء الآثار بالحجر الموآبي، اكتشفها القس أوغسطس كلين (قس ألماني الأصل مكث مدة طويلة في فلسطين وقضى نحو عشر سنين في القاهرة وكيلاً للإرسالية الكنسية الإنكليزية، وكان معروفاً بغزارة علمه وإتقانه لغات متعددة) شرقي الأردن داخل موآب القديمة. وتاريخ هذا الحجر 890 ق.م. وهو الآن في متحف اللوفر بباريس، وهو يحتوي على ثلاثين سطراً من اللغة الفينيقية تخبر عن حروب ميشع ملك موآب مع عمري ملك إسرائيل والأدوميين، كما هو مذكور في (2 مل 3: 4 - 27) ويخبر عن أشياء أُخرى دقيقة موافقة للكتاب المقدس، ليس محل لذكرها.

واكتشاف الكتابة السلوامية مؤخراً في أورشليم أثبت صحة ما جاء في (2 مل 20: 20، 2أي 32: 30، اش 22: 9 و11). وهو أن حزقيا سد مخرج مياه جيحون الأعلى وأجراه تحت الأرض إلى الجهة الغربية من مدينة داود.

وقد وجد في أخربة نينوى أسطوانة كُتب عليها تاريخ حرب سرجون ملك أشور السنة 722 ق.م. مع أشوري ملك أشدود عندما كان حزقيا ملكاً (اش 2: 1) وهذه الأسطوانة الآن في لندن.

وقد وُجدت أسطوانة مسدسة الشكل كُتب عليها قصة حصار أورشليم. حاصرها سنحاريب ملك أشور سنة 705 ق.م. كما هو مذكور في (2 مل 18: 13 - 16) وهي الآن في لندن. والحجة الدامغة أيضاً على صحة الكتاب هو نُسَخُهُ القديمة المحفوظة إلى الآن في مكاتب أوروبا الشهيرة.

وهذه النسخ كُتبت على رقوق من الجلد باللغة اليونانية لغة الإنجيل الأصلية وغيرها. ومنها ما يشتمل على التوراة والإنجيل برمتهما، ومنها ما يحتوي على بعض أسفار منهما، وها أنا أذكر لك بعضاً منها. (الأولى) النسخة المعروفة بالفاتيكانية، تجدها الآن في قصر الفاتيكان في مدينة روما وقد نسخت قبل الهجرة بمئتين وخمسين سنة. (الثانية) النسخة السينائية نسبة إلى طور سيناء حيث وُجدت أولاً، وهي الآن في المتحف البريطاني في لندن، وهي تشتمل على التوراة والإنجيل، وقد نُسخت قبل الهجرة بمئتي سنة. (الثالثة) النسخة الإسكندرية وهي الآن في مدينة لندن في مكتبة دار التحف، وقد نُسخت قبل الهجرة بمئتي سنة وهي حاوية التوراة والإنجيل. (الرابعة) الأفرامية وهي الآن في باريس، نُسخت قبل الهجرة بمئة وخمسين سنة، وهي تحتوي على الإنجيل. هذا وفي عام 1947 أضحت القصة التالية من بين أهم الأحداث التاريخية: محمد الديب بدوي من التعامرة، كان يرعى أغنامه بجانب البحر الميت. ولما تسلقت إحداها الجبل رماها بحجر، فسمع الراعي صوت فخار يتهشم، فأعاد الكرَّة. ثم صعد الجبل ودلف من فجوة ضيقة إلى كهف عله يجد كنزاً. وكان ذلك. ولكن ليس له ولقبيلته وحسب بل للعالم أجمع.

فهذا الاكتشاف يحتوي على مجموعة حزم من الكتابات المقدسة من بينها كتاب لسفر إشعياء النبي أحد أسفار الكتاب المقدس الذي يعود تاريخه إلى 700 قبل المسيح. وقد جاء شهادة ناطقة بسلامة أسفار الكتاب المقدس لمطابقته للنسخ الموجودة بين أيدينا الآن مما يبطل تهمة التحريف ويسفه مثل هذه الاتهامات والتخرصات الباطلة.

لقد صار بهذا الاكتشاف الثمين واضحاً أن أمانة النسخ والنقل لكتاب الله المقدس شهادة حية لقيادة الروح القدس لكنيسة المسيح مستودع أسرار الله. والآن عند النصارى كثير من النسخ القديمة عدا ما ذكر، بعضها كُتب قبل الإسلام، وبعضها في عصره، وبعضها بعده، لم نذكرها حباً للاختصار. فإذا قابلنا النسخ المتداولة الآن بين أيدي اليهود والنصارى بلغات تزيد على 300 بتلك النسخ القديمة، نجدها مطابقة لها أشد المطابقة. وهي موجودة لفحص كل من يريد.

المبحث الثاني: هل نسخ القرآن التوراة والإنجيل؟

إذا كبا جواد العالِم المسلم في ميدان المناظرة، وخانه البرهان والدليل، ولم يجد بداً من التسليم بسلامة التوراة والإنجيل من التحريف والتبديل، علاوة على أنهما منزلان من عند الله الحكيم هدىً ونوراً للناس أجمعين، عمد إلى الدعوى بأن القرآن قد نسخ التوراة والإنجيل. ولكنها دعوى من غير بينة، وافتراء عظيم، لأن القرآن نفسه لم يدّعِ هذا، بل صرح على رؤوس الملأ بلسان عربي مبين أنه نزل مصدقاً للتوراة والإنجيل ومهيمناً عليهما، كما ترى من الآيات التالية:

«يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ» (سورة البقرة 2: 40 و41).

«مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ» (سورة البقرة 2: 97).

«ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ» (سورة آل عمران 3: 81).

«نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ» (سورة آل عمران 3: 3).

«يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ» (سورة النساء 4: 47).

«وَمَا كَانَ هَذَا ٱلْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ ٱللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ» (سورة يونس 10: 37).

«وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (سورة المائدة 5: 48).

«يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ» (سورة المائدة 5: 68).

إن العاقل لا يقدم على دعوى إلا إذا كان واثقاً من نفسه المقدرة على إثباتها بألف دليل، ولكن بعض إخواننا المسلمين يقدمون على هذا الأمر دون تروٍ. وإذا قلنا لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، جاءونا بأدلة واهية واهنة، مثل قولهم إن الخلف ينسخ السلف. وبعبارة أخرى أن القرآن نزل بعد التوراة والإنجيل لذلك قد نسخهما. وبعضهم يقولون بما أن القرآن قد حوى التوراة والإنجيل، لذلك لم يبق بعد لزوم لهما. وأراني غير محتاج مع ذكاء القارئ إلى إفساد هذه البراهين الواهية، وخصوصاً لأن القرآن قد كفاني مؤونة هذا التعب، لأن الآيات السبع السالفة مع عشرات مثلها تصرح صراحة لا تقبل التأويل أن القرآن نزل مصدقاً لصحة التوراة والإنجيل ومثبتاً إياهما ومهيمناً عليهما أي رقيباً وحافظاً، ولم يدّعِ قط أنه جاء ناسخاً لأحكامهما. ولا يشتم رائحة هذا من كلامه بل نستفيد منه عكس ذلك، لأنه زيادة على تصديقه وشهادته لهما، كان يطلب من اليهود والنصارى علناً قائلاً «يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل».

فلو كان أمر النسخ صحيحاً لما رأينا محمداً يحث اليهود والنصارى على إقامة حدود التوراة والإنجيل، ولما رأيناه يطلب من المسلمين أن يؤمنوا بهما. ولم يذكر القرآن قط أنه حوى التوراة والإنجيل لكي يقول المسلم إنه قد صار في غنى عنهما، بل إن القرآن صرح بعكس هذا كما ترى في سورة الشعراء 26: 193 - 196 «نَزَلَ بِهِ (بالقرآن) ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِّيٍ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَّوَلِينَن» (كتب الأولين أي التوراة والإنجيل) فترى أن الآية الأخيرة تثبت أن التوراة والإنجيل قد حوت القرآن «إنه لفي زُبر الأولين» فما بال أصحابنا المسلمين يدعون أن القرآن قد حواهما دون دليل؟

وافرض أن القرآن ضرب صفحاً عن القول بتصديقه للتوراة والإنجيل فلا يُستدل من سكوته أنه قد نسخهما إلا إذا جاهر بالقول الصراح إنه نسخهما وإنه لم يبق بعد من حاجة إليهما. والحمد لله أنه لم يفعل ذلك، بل كثيراً ما كان يحاول إثبات صحة أقواله من موافقته لهما ووضع نفسه بإزائهما «فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا» (سورة القصص 28: 49). وكثيراً ما كان يحاول إقناع العرب بصحة أقواله والحاجة الماسة إليه بقوله إن التوراة والإنجيل قد نزلا بلغات أجنبية لقوم أجانب «وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» (سورة الرعد 13: 7) ولما كنتم أيها العرب لا تفهمون تلك اللغات أنزل الله القرآن من نوع تلك (التوراة والإنجيل) بلغتكم بلسان عربي مبين «وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ» (سورة الأحقاف 46: 12).

ألا تزحزح هذه الآيات اعتقادك أيها المسلم بالدعوى أن القرآن قد نسخ التوراة والإنجيل؟ ألم تر أن دعوى النسخ لا يقوم على صحتها دليل؟ هلاّ تؤمن إذاً بثبوت أحكامهما إلى يوم الدين وتقيم حدودهما فتحصل على السعادة والخلاص الثمين؟

المبحث الثالث: الجميع أخطأوا حتى الأنبياء

خلق الله الإنسان طاهراً، وأسكنه سعيداً في جنة عدن، لا شيء يلهيه عن العبادة. ولكنه عصى أمر ربه وأكل من الممنوع عنه، فخسر كل شيء. وكان آدم نائباً عن ذريته فأخذ الله عليه العهد والميثاق فنكثه بمعصيته، فنقضته ذريته لنيابته عنهم. تجاوب آدم مع التجربة فسقط في الخطيئة. ولما كنا نحن البشر ذريته، ورثنا عنه هذا الضعف وذلك الميل حسب نواميس الوراثة، ولكنا لا نعاقب على خطيئته، وسقطنا في المعاصي مع علمنا أن الله نهى عنها، وارتكبنا المنكرات فعلياً كما فعل هو. وما يدل على صحة هذا الحديث الآتي: «فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فأكل من الشجرة، فنسيت ذريته، وخطىء آدم فخطئت ذريته» أخرجه الترمذي وغيره، وقال حديث حسن صحيح. والخلاصة أن نيابة آدم عن ذريته حقيقة لا ريب فيها عند علماء المسلمين. وقد كتب الشيخ محيي الدين ابن العربي مقالة على هذا الحديث في الباب 305 من كتابه.

وإذا كان آدم الذي خلقه الله طاهراً قد خالف أوامر مولاه، فكم بالحري ذريته الضعيفة، فالجميع إذاً أخطأوا وأعوزهم مجد الله ورحمته.

إن التاريخ والاختبار يعلماننا أن قلب الإنسان شرير، وقلوبنا توحي لنا «إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوءِ» (سورة يوسف 12: 53) فإذا وجدت لسد شهواتها سبيلاً ولجته، ما لم يكن لها رادع من صانعها يردعها. فإننا مع علمنا أن الخطيئة أو المنكر محرم نخالف ضمائرنا ونطيع أميالنا الفاسدة ونفعله. ألا ترى أن السكير مع علمه ضرر السكر صحياً ومادياً ودينياً يقدم عليه، وهو منجذب بعوامل داخلية، وهكذا الزاني والسارق والنّمام.

الاختبار الشخصي يعلمنا أن فينا أميالاً وشهوات منكرة ناتجة عن فساد طبيعي في الجنس البشري، تحارب ضمائرنا وأميالنا الصالحة، وتسبينا فنعمل ما يخالف إرادة الله بارئنا.

ولا نعرف شخصاً إلا ونحن قادرون أن نذكر له كثيراً أو قليلاً من السيئات الكبيرة. ولم يدَّع أحد الطهارة التامة من الناس أجمعين إلا يسوع، هذا كما سيأتي في محله.

وما يدل على فساد الناس أجمعين الآية الآتية المذكورة سابقاً إن النفس لأمارة بالسوء (سورة يوسف 12: 53). قال الرازي: «إن النفس لأمارة بالسوء، أي ميالة إلى القبائح، راغبة في المعصية، والطبيعة تواقة إلى الملذات. ولما كان الغالب انجذاب النفس إلى العالم الجسدي، وكان ميلها إلى الصعود إلى العالم الأعلى نادراً، حكم عليها بكونها أمارة بالسوء». انتهى كلام الرازي. ولا يخفى أن ال في كلمة النفس هي للجنس، لذلك يجوز لنا أن نقول إن كل نفس أمارة بالسوء. والكلمة (لأمارة) من صيغ المبالغة واللام فيها للتحقيق. إذاً الأمر مؤكد أن النفس في كل إنسان ميالة إلى القبائح وشديدة الرغبة في المعاصي.

ومما يدل على أن الجميع أخطأوا الآية الآتية أيضاً: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا وَنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً» (سورة مريم 19: 71 و72) قال الرازي ولا يجوز أن يقال (ثم ننجي الخ) إلا والكل واردون (النار) والأخبار المروية دالة على هذا القول. وعن جابر سُئل عن هذه الآية فقال: «سمعت رسول الله (ص) يقول الورود الدخول، لا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها». وجلال الدين يفسر كلمة «واردها» بالدخول والاحتراق، ويثبت هذا قول الرازي في تفسير آية «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ» (سورة الأعراف 7: 8) وأما العاصي المؤمن فإنه يُعفى عنه.

ألا يدل هذا دلالة واضحة على أن جميع الناس يرتكبون المعاصي، فمنهم من يُعذَّب قليلاً ثم يُعفى عنه، ومنهم من يخلد في النار؟

وما يدل على أن الجميع أخطأوا الآية الآتية: «وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ ٱلرَّحْمَانِ نَقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» (سورة الزخرف 43: 36) ولما كان ذكر الله دائماً ليس في طاقة البشر، فلا جرم أن الشيطان في جهاد دائم مع كل إنسان. ولما سئل محمد أي الجهاد أفضل؟ قال: «جهادك هواك». وسُمي هذا الجهاد الأكبر. وورد أيضاً «أعدى أعدائك إليك نفسك التي بين جنبيك». من هذا نرى فساد الطبيعة والشر الكامن في القلب والميل إلى فعل الكبائر والصغائر.

ويستدل أن الجميع أخطأوا من الآية التالية أيضاً: «وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ» (سورة النور 24: 21).

المعنى بيّن أن الإنسان فاسد خاطئ، ولولا فضل الله ورحمته لما تزكى أحد مطلقاً. وقد عدّ المسلمون اعتبار الإنسان نفسه سالماً من غضب الله من الكبائر، فها قد ثبت معنا بأدلة لا تُردّ أن الجميع أخطأوا، لذلك هم يحتاجون إلى ذبيحة المسيح للتكفير عن خطاياهم، وإلا زُجوا في جهنم لإتمام عدل الله. وبما أنهم ورثوا الميل إلى الخطيئة والضعف عن أبيهم آدم، فهم محتاجون أيضاً إلى الروح القدس، روح الله، لتقديس هذه القلوب، ونزع هذا الميل الباطل شيئاً فشيئاً، وتغيير الأفكار الباطلة والعواطف الفاسدة، وهذا ما يُعبّر عنه الكتاب المقدس بالولادة الجديدة أو الثانية.

يعتقد النصارى استناداً إلى كتابهم أن جميع الناس أخطأوا وعم الفساد الجنس البشري كله. وبما أن الأنبياء بشر، فهم إذاً خاطئون. ويقولون إن الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله، وأمرهم أن ينذروا الناس ويبلغوا الرسالة، عصمهم من الخطأ في تأدية الرسالة شفهاً وكتابة، وحفظهم من النسيان والزلل، إذ كان يهديهم بروحه القدوس إلى ما يجب أن يقولوه ويلقنهم ما يجب أن يبلغوه. ولكنهم (الأنبياء والرسل) غير معصومين في أعمالهم وتصرفاتهم الاعتيادية، دلالة على ضعف الطبيعة البشرية، وإثباتاً أن العصمة والكمال لله وحده ذي القدرة والجلال.

والخطيئة، صغيرة كانت أم كبيرة، تستحق غضب الله ونار الجحيم. فالقتل نوع والسرقة نوع آخر والشتم نوع آخر، ولكن العقاب واحد عند الله، لأن كلاً منها مخالفة وعصيان. وهذا مؤيد بآيات كثيرة من التوراة والإنجيل، «ٱلْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ» (رومية 3: 12) «إِذِ ٱلْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ ٱللّٰهِ» (رومية 3: 23). وقد ورد ما يثبت هذا في الحديث وهاك نصه: «من اقتطع حق امرء بيمينه أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال رجل يا رسول الله: وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال وإن كان قضيباً من أراك».

ولنأت الآن إلى خطايا الأنبياء.

اختلف المسلمون في عصمة الأنبياء، فمنهم من قال بعصمتهم من الخطايا مطلقاً، ومنهم من قال بعصمتهم بعد سن البلوغ ونسب إليهم الخطأ في الصغر، ومنهم من قال بعصمتهم في تبليغ الرسائل فقط وإمكان ارتكاب الخطأ في ما سوى ذلك. والرأي الأخير هو ما كان يعتقده المرحوم الشيخ محمد عبده، مع أن القرآن يدل دلالة واضحة على أن أكثر الأنبياء قد ارتكبوا المعاصي، ليس الصغائر بل الكبائر، حسب تعليمهم كما سترى.

قال علماء المسلمين إن الخطيئة نوعان: كبيرة وصغيرة، وقالوا إن الله يغفر الصغائر دون الكبائر. والكبائر في عرفهم 17 (1) الكفر، (2) المداومة على ارتكاب الصغائر، (3) اليأس من رحمة الله، (4) اعتبار الإنسان نفسه سالماً من غضب الله، (5) شهادة الزور، (6) القذف بحق المسلم، (7) الحلف الكاذب، (8) السحر، (9) شرب المسكرات، (10) اغتصاب مال الأيتام، (11) الربا، (12) الزنا، (13) اللواط وما شابهه، (14) السرقة، (15) القتل، (16) الهرب من وجه الكافر في الحرب، (17) العصيان على الوالدين.

فكل مؤمن ارتكب إحدى هذه الكبائر حسب اعتقادهم ولم يتب، فلا بدّ من أنه يكفر في نار الجحيم. وما سوى هذه الكبائر فهو من الصغائر.

آدم أخطأ كما يستدل من سورة طه 20: 121 «وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى» قال المفسرون عصى ربه بأكل الشجرة «وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ» (سورة البقرة 2: 35) وقال البيضاوي: «فضلَّ عن المطلوب وخاب حيث طلب الخلد بأكل الشجرة، أو عن المأمورية أو عن الرشد، إذ اغترّ بقول العدو». وقد سلّم الرازي بخطيئة آدم، لكنه قال إنها حصلت قبل النبوءة، وقال إنه عصى وغوى ولكن في أكل الشجرة، وبما أنه تاب عنها فلا تحسب عليه. ولكن الرازي لم يثبت لنا حصول الخطيئة قبل النبوءة، ومن أين علم هذا. وقال إن آدم إذ تاب لم تحسب عليه الخطيئة، ونحن نوافقه على هذا الأخير، ولكن هذا لا ينفي أنه عصى وغوى.

والعصيان من الكبائر بدليل قوله «وَمَنْ يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ» (سورة الجن 72: 23). وقوله «فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى» (سورة طه 20: 122) يدل على أن آدم عصى وتاب. والتوبة هي الندم على الخطيئة والاعتراف بها والعزم على عدم العود إليها. والتوبة لا تكون إلا عن المعصية، وآدم نفسه قد اعترف بمعصيته بقوله «قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ» (سورة الأعراف 7: 23).

فهذا آدم من الأنبياء أولي العزم قد أطاع الشيطان وصدّقه وكذّب المولى تعالى وطمع في الخلود، فأخطأ، وخطيئته هذه تعدّ من الكبائر.

أخطأ نوح كما يستدل من سورة نوح 71: 24 - 29 إذ قال نوح: «وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً» وقال بعدها «رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً» ثم قال إذ تحقق أنه أخطأ «رب اغفر لي» فطلب الاستغفار لا يكون إلا عن شعور بارتكاب منكر. ومهما حاول المفسرون أن يلطفوا العبارة فلا تخرج عما ذكرناه.

أخطأ إبراهيم كما ورد في سورة الأنعام 6: 76 و77 «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ» وهذا حصل له إذ رأى الشمس. فإذا كان إبراهيم قال هذا وهو يعتقده فقد أشرك وإلا فقد كذب، وكلاهما من الكبائر.

وكما ورد في سورة إبراهيم 14: 41 «رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ». هنا طلب إبراهيم المغفرة صريحاً له ولوالديه وللمؤمنين.

وكما ورد في سورة البقرة 2: 260 «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي ٱلْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي».

هنا شك إبراهيم في قدرة الله، والشك في قدرة الله من الكبائر. وقد ورد في الحديث «نحن أولى بالشك من إبراهيم».

وفي سورة الأنبياء 21: 63 «قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا» كسَّر ابراهيم الأصنام، ولما سُئل كذب، وقال: إن كبير الأصنام كسَّر صغارها. وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، اثنتين منهم في ذات الله. قوله «إني سقيم» وقوله «فعله كبيرهم» وقوله إن سارة أخته حين أراد الجبار القرب منها» . رواه البخاري ومسلم.

أخطأ موسى كما ورد في سورة القصص 28: 15-17 «وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُّوِهِ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُّوِهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُّوٌ مُضِلٌّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ».

وفي سورة الشعراء 26: 20 «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ ٱلضَّالِّينَ» وفي سورة الأعراف 7: 150 و151 «وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ».

يظهر من هذه الآيات أن موسى ارتكب القتل وشعر أن خطيئته من الكبائر، فاعترف بها طالباً المغفرة. وكذلك أخطأ إذ غضب وطرح الألواح وأهان أخاه. ولما شعر بخطيئته استغفر لنفسه ولأخيه. وأما خطيئة هرون فهي عمل العجل الذهبي لبني إسرائيل كي يعبدوه.

أخطأ يوسف كما ورد في سورة يوسف 12: 24 عن يوسف وامرأة فوطيفار رئيس جيش فرعون «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوءَ وَٱلفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ» قال الجلالين همَّ بها قصد منها الجماع. والفخر الرازي قال: قال الواحدي في كتاب البسيط إن المفسرين الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم قالوا: إن يوسف همَّ بهذه المرأة هماً صحيحاً وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان رجع. وما يثبت هذا قوله: «لنصرف عنه السوء والفحشاء».

أخطأ داود كما ورد في سورة ص 38: 24 و25 «وَظَنَّ (تيقن) دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ» أخطأ داود إذ ارتكب خطيئة القتل والزنا كما هو مذكور بالتفصيل في التوراة في سفر صموئيل الثاني ص 11 و12 ولكنه عندما شعر بالجرم استغفر ربه فغفر له. وكل هذا صريح في التوراة يغنيك عن أقوال المفسرين الطويلة المتضاربة.

والأحاديث المتعددة تثبت وقوع داود في الخطأ، وتبين توبته ونوحه الطويل والغفران الذي ناله، كما ذكر أنس بن مالك وابن عباس ووهب بن منبه وغيرهم.

أخطأ سليمان كما ورد في سورة ص 38: 31-33 «إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ قَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ».

قد ذهب المفسرون مذاهب شتى في تفسير هذه الآيات، وسردوا روايات عديدة لإثبات آرائهم كما ترى في الكشاف والرازي وغيرهما. ولكن الخلاصة أن الخيل ألهته عن ذكر الله والصلاة، حتى قالوا إنه ذبحها.

والآية 34 و35 من سورة ص 38: «وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي» تبين أن سليمان أخطأ فعلاً، لأنه كيف يطلب المغفرة إن لم يكن قد شعر بذنب؟

أخطأ يونس (يونان) كما ورد في سورة الصافات 37: 139 - 144 «وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» الفعل أبق يدل على أن يونس عصى ربه، والغرابة أنه عصاه حالة كونه «من المرسلين» ومما يثبت عصيانه قوله «وهو مليم» ومما يؤكد هذا قوله إنه استحق لأجل عصيانه أن يبقى في بطن الحوت «إلى يوم يبعثون» لولا أنه كان من المسبحين أي طالبي المغفرة. وإلا فما هو معنى التسبيح في هذا المقام؟

أخطأ محمد كما يستدل من سورة الفتح 48: 2 «لِيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيما» ومن سورة محمد 47: 19 «وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ».

ومن سورة غافر 40: 55 «وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ»

ومن سورة النساء 4: 105 و106 «إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بِيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً».

فالآية الأولى تدل على أن محمداً أذنب من قبل هذه الآية، وأنه سيذنب من بعدها. وإذا قيل كما قال الرازي والكشاف وغيرهما إنه يستغفر لأمته، فالآية الثانية تُدحض هذا، وتبين أن المطلوب منه أن يستغفر لذنبه أولاً ولذنوب المؤمنين ذكوراً وإناثاً ثانياً.

يقول بعض العلماء المسلمين إن حسنات الأبرار تمحو سيئات المقربين، وإن الرجل التقي إذا خالف الله مخالفة طفيفة يحسبها من الكبائر. وكثيراً ما يعد ما ليس بذنب ذنباً إذا فعله فيطلب المغفرة من أجله. ويقولون هذا ما حصل لمحمد. ولكن فاتهم أن الله حسب اعتقادهم هو المتكلم القائل واستغفر (يا محمد) لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. فهل يتوهم الله ما ليس بإثم إثماً، ويطلب من محمد أن يلتمس المغفرة؟

ومن سورة الأحزاب 33: 37 «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَّوَجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً».

والخبر أن محمداً أعتق زيداً عبده وتبناه بعد أن آمن، وزوَّجه بشريفة اسمها زينب، ولكن محمداً أظهر لها يوماً ما بعدئذ ميله إليها بقوله: «سبحان مُقلّب القلوب». فذكرت زينب هذا لزوجها ففهم هو مراد محمد، فأتاه كأنما من تلقاء نفسه وقال: «أريد أن أفارق صاحبتي». فتجاهل محمد وقال: مالك؟ أرابك منها شيء؟ قال لا. ولكن لشرفها تتعظم عليّ، فقال له «أمسك عليك زوجك». (راجع ما قاله الكشاف في تفسير هذه الآية الصفحة 213 المجلد الثاني) وما قاله البيضاوي.

وكان في ذلك يخفي في نفسه ما الله مبديه، ويحاول أن يظهر للناس أنه لم يتزوج امرأة زيد إلا إطاعة لأمر الله. فترى من الآيات أن محمداً أخطأ بإخفاء ميله إلى زينب، وتظاهره بما ليس في قلبه، لذلك وُبّخ بقوله «وتخفي في نفسك ما الله مبديه».

قال الرازي تفسيراً لهذه الآية «من أنك تريد التزوج بزينب» لكن الرازي اعتذر بقوله إنه كان يخشى الله ويخشى الناس، فوبخه الله إذ قال «والله أحق أن تخشاه وحده» فمحمد إذاً أخطأ على هذا الوجه أيضاً وخشي الذي يجب أن لا يخشاه.

ومن سورة الإسراء 17: 74 «وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً» قال الرازي، قال الزجَّاج: «ولولا أن ثبتناك أي على الحق بعصمتنا إياك لقد كدت تركن إليهم، أي تميل إليهم، شيئاً قليلاً، أي ركوناً قليلاً». قال قتادة: «لما نزلت هذه الآية قال النبي: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين».

وورد في أحاديث مسلم والبخاري قال محمد: «ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». وعن أبي هريرة قال: سمعت الرسول يقول «لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة» وفي رواية أكثر من سبعين. وروي عن ابنة خالد وأبي هريرة - كان رسول الله يقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار» البخاري جزء أول.

قد اتضح من هذا الفصل وضوح الصبح لذي عينين أن أبانا آدم قد سقط في المعصية، وفسدت أفكار قلبه، وصار يميل إلى الشر، وأننا نحن ذريته قد ورثنا عنه طبيعياً هذا الفساد وذاك الميل إلى الخطيئة. وقد ثبت لنا هذا أيضاً من الاختبار الشخصي.

رأينا أن الأنبياء العظام ارتكبوا المعاصي، حتى محمد نبي المسلمين. لذلك احتاج الناس قاطبة إلى مخلص من العذاب المعد لمخالفي وصايا الله ومقترفي الآثام، وإلى كفارة لا عيب فيها لفداء تلك الأنفس وإظهار عدل الله ورحمته، الأمر الذي لا يتم إلا بصلب يسوع المسيح وموته ذبيحة عن العالمين، حتى أن كل من آمن به يغفر الله ذنوبه ويقدسه بروحه القدوس، ويُنيله الحياة الأبدية والسعادة الدائمة.

ولست أدري لماذا يحاول إخواننا المسلمون أن يبرئوا الأنبياء من وصمة الخطيئة، خلافاً لما صرحت به كل الكتب المعتبرة إنها منزلة، وخصوصاً أنه لم يدَّعِ أحد الأنبياء قط هذه العصمة، بل أن الجميع أقروا بالعجز والخطأ. لقد أنزل الله الكتب ودوَّن العقائد حسب حكمته الفائقة، وهو الحكيم بأعماله العليم باحتياجات الناس.

المبحث الرابع: تمهيد

صرّحت الشريعة الإسلامية وكذلك الشريعة المدنية أن عقاب الخطيئة أو الجرم يكون عظيماً أو زهيداً بالنسبة إلى الشخص الذي نخطئ إليه. فإذا شتم التلميذ رفيقه في المدرسة يُعاقب عقاباً جزئياً، وإذا شتم مدرّسه يُطرد من المدرسة. وإذا شتم الرجل صاحبه يُحسب ذنبه مخالفة في عرف المشترعين، وإذا شتم الرجل الحاكم فله قصاص أعظم، ولكنه إذا شتم الملك فلا بد من أن له عقاباً أعظم مما سبق. أما إذا أخطأ إلى الله غير المتناهي في العظمة والقداسة فماذا يكون عقابه؟ لا شك أنه يكون عذاباً أليماً غير متناه أبدياً.

ولما كان الله عادلاً فهو لا يترك مثقال ذرة، لذلك وجب علينا أن نسلّم أن كل الخاطئين إلى الله «إِذِ ٱلْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ ٱللّٰهِ» (رومية 3: 23) لا بد أن يقيموا في النار مخلدين عقاباً لهم. فإذا تم هذا فأين رحمة الله؟ وإذا رحم الله هؤلاء الخطاة وغفر لهم ولم يعذبهم، فأين عدله، لذلك دبر هو وسيلة للتوفيق بين عدله ورحمته.

الفصل الاول: غرض الله من الصلب

والجواب على هذا التوفيق: أن آدم عصى ربه (أي أخطأ) فطُرد من الجنة (تكوين 3) وصداه في (سورة البقرة 2: 36) «فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ» واستحق الموت الأبدي، وتولدت فيه الشهوات الرديئة، وتأصل الميل فيه إلى فعل المنكر. فورث بنوه هذا الميل وساروا في خطية أبيهم فامتلأت الأرض شراً وتحتم الهلاك على كل بشر إتماماً لعدل الله، إذ لم يكن لهم من سبيل لإصلاح هذا النقص والرجوع إلى الحالة الأصلية: حال الطهارة والقداسة اللائقة بالجنة التي لا يدخلها إلا المطهرون. والله لا يمكن أن يحيد عن القانون الذي سنَّه لأنه عادل، والعدل يقضي أن الخاطئ يموت وأن الشريعة تجري مجراها «اَلنَّفْسُ ٱلَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلٱِبْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ ٱلأَبِ وَٱلأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ ٱلٱِبْنِ. بِرُّ ٱلْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ وَشَرُّ ٱلشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ» (حزقيال 18: 20) وإذا كان المشترع لا يعمل بما سنه، فقُلْ على العدالة السلام.

وكما أن الله عادل هو رحيم أيضاً. والعدل والرحمة من صفات الله الأساسية، ولا يمكن اجتماعهما في غير الله. والفداء الذي أكمله المسيح على الصليب - وليس آخر - كفيل ببيان اجتماعهما في الله.

فالعدل لغوياً ضد الجور، ويعني الإنصاف والتقويم والمجازاة. والرحمة لغوياً رقة القلب والتفضل والإحسان والمغفرة. وقيل هي ترك عقوبة من يستحق العقوبة.

ولما كان الله رحيماً أحب أن يرحم الإنسان ويخلصه من عذاب النار (ولكن دون مخالفة العدل) لذلك دبّر منذ البدء عمل الفداء، مبتدئاً أولاً بالذبائح الدموية التي مدار أكثر الشريعة الموسوية عليها. فقدم أولاد آدم الذبائح قبل نزول الشريعة كتابة، وهكذا الذين بعدهم، إلى أن نزلت الشريعة على موسى الكليم ففصَّلت الأمر تفصيلاً. حيث ترى أن الله لكي يفهم الناس نجاسة الخطيئة وعقابها الأليم شرع يعلمهم كأطفال، فقسم الحيوانات إلى طاهرة ونجسة وعلمهم أن «بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ» (عبرانيين 9: 22) لذلك أمر الخاطئ أن يقدم ذبيحة عن خطيئته من الحيوانات الطاهرة التي لا عيب فيها، يذبحها ويضعها على النار كي يتذكر أن الخاطئ يستحق الذبح والموت، ولكنه بواسطة ذبيحة الفدية ينال المغفرة. وكل هذه الذبائح كانت تشير إلى ذبيحة المسيح العظمى، لأن الذبيحة بنفسها لا يمكن أن تفدي الإنسان إذ لا تساويه قيمة.

ولما حان ملء الزمان أرسل الله كلمته المسيح فاتخذ الجسد الإنساني وصار إنساناً مثلنا، وشاركنا في أمور كثيرة، إلا أنه لم يرتكب ذنباً ولم يكن في فمه غش (أنظر مبحث عصمة المسيح في هذا الكتاب) وهذا «الكلمة» المسيح قدَّم نفسه على الصليب ضحية وفدية عن أنفس البشر، ووفىّ العدل الإلهي حقه إذ قبل الله هذه الكفارة كأنها مساوية لأنفس كل البشر، ووفق بين عدل الله ورحمته وتم قول داود النبي «ٱلرَّحْمَةُ وَٱلْحَقُّ ٱلْتَقَيَا. ٱلْبِرُّ وَٱلسَّلاَمُ تَلاَثَمَا» (مزمور 85: 10) وحصل على هذا الخلاص كل من آمن بالمسيح مصلوباً، ويحصل عليه كل من يؤمن به هذا الإيمان، بشرط أن يسلك حسب أوامر الله المدونة في التوراة والإنجيل. فالمسيح صُلب كإنسان وليس كإله، كما يتوهم بعض إخواننا المسلمين لذلك يعترضون اعتراضات جمة قبل أن يفهموا معتقد المسيحيين في هذا الأمر. وأراني غير محتاج أن أبين تفصيلاً اعتبار الذبائح الدموية في الديانة الإسلامية كما هي في الأديان الأخرى، وإنها واسطة للحصول على مغفرة الخطايا والقبول عند الله. والمسلمون قاطبة يعلمون أن ذبحهم للخرفان في عيد الأضحى ليس لأجل الأكل، بل يحسبونه كفّارة بقصد الحصول على كرم الله وإنعامه، كما أن الكبش الذي ضحاه إبراهيم كان عوضاً عن ابنه «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» (سورة الصافات 37: 107) هكذا تعتبر كل ضحية عوضاً عن مقدمها وواسطة للحصول على العفو. ومحمد نفسه كان يعتبر دم الذبائح واسطة للتكفير عن الخطايا والعفو، كما نعرف من الحديث الآتي: قوله لابنته فاطمة: «كوني حاضرة يا فاطمة عند رأس الذبيح، لأنه عند سقوط أول قطرة من دمه على الأرض تُغفر لك خطاياك». واستناداً إلى حديث آخر يسند إلى محمد أيضاً، يعتقد المسلمون أنهم سيركبون يوم الدين الذبائح التي قدموها في حياتهم ويعبرون الصراط المستقيم إلى الجنة. وهذه الذبائح لا تساوي الأنفس التي قدمت لأجلها، بل الحيوانات بأجمعها لا تساوي نفساً واحدة ناطقة، وهي غير كافية للتكفير، بل هي رمز إلى ذبيحة المسيح العظيمة التي ترى خبر تعيينها في التوراة، وخبر تقديمها على الصليب في الإنجيل. الذبيحة التي اعتبرها الله مساوية لأنفس الناس أجمعين... «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (إنجيل يوحنا 3: 16).

الفصل الثاني: ألا يصلح غير المسيح لهذا العمل؟

نعم. لا يصلح غير المسيح لهذه المهمة لأسباب:

  • الأول: لأن الذبيحة يجب أن تكون طاهرة لا عيب فيها.

  • الثاني: يجب أن تكون الذبيحة ثمينة بهذا المقدار حتى تساوي الأنفس المطلوب افتداؤها.

  • الثالث: أن تكون من نوع الإنسان.

  • الرابع: أن يكون لها وجاهة عند الله لتصلح أن تكون حلقة الاتصال بين الله والناس.

وإذا فحصت البشر طراً لا تجد من تنطبق عليه هذه الشروط إلا المسيح، وذلك لأن الجميع أخطأوا حتى الأنبياء، واحتاجوا إلى من يفديهم. وليس لأحد القيمة المطلوبة عند الله، وليس لأحد وجاهة أصلية كالمسيح كلمة الله.

Table 1. 

إن نفسي يا طبيبيفي فساد وشقاء    
فامنحنها بالصليبمن أياديك الشفاء    
يا وسيط الصلح إنيمستجير بالصليب    
قدم الطلبة عنيلأبيك المستجيب    

الفصل الثالث: هل قبل المسيح الصلب اختيارياً؟

إذا سألت المسلم: لماذا لا تصدِّق أن المسيح صُلب فعلاً؟ أجابك: لأنه نبي من الأنبياء أولي العزم، والله لا يمكن أن يسلم نبيه الكريم ليد اليهود الأشرار كي يميتوه على الصليب شرّ ميتة. ولكن المسلم نسي شيئاً في قرآنه أن الله قد سمح بمثل هذا كما جاء في سورة النساء 4: 155 «فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ».

وفي سورة البقرة 2: 87 «أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ؟» حتى أن محمداً نفسه أقر بأنه مات بدس السم بخيانة امرأة يهودية (كما ترى في تاريخ المغازي والسير لمحمد بن اسحاق وفي الأحاديث). وزد على ذلك أن التوراة والزبور والإنجيل قد صرحت أن صلب المسيح اختياري كما عيَّن الله منذ البدء. والمسيح نفسه قال صريحاً إن القصد من مجيئه إتمام عمل الفداء. أي لكي يقدم نفسه ضحية على الصليب. ولما قال له أحد الحواريين: «حاشا لك يا رب من الصلب» وبّخه قائلاً: «أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلّٰهِ لٰكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ» (متى 16: 23) ولما أراد أحد تلاميذه أن يدافع عنه عندما جاء اليهود ليمسكوه قال له: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ... أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ ٱلآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ ٱثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ ٱلْكُتُبُ: أَنَّهُ هٰكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون» (متى 26: 52 - 54).

يقول بعض إخواننا المسلمين. كيف يعاقب الله المسيح بالصلب لأجل خطايا الآخرين؟ وقد ورد في (2 مل 14: 6) «لاَ يُقْتَلُ ٱلآبَاءُ مِنْ أَجْلِ ٱلْبَنِينَ، وَٱلْبَنُونَ لاَ يُقْتَلُونَ مِنْ أَجْلِ ٱلآبَاءِ» قلت إن الله لم يحكم على المسيح بالقتل لأجل خطايا الناس، بل إن المسيح حباً لنا تبرع وقدم نفسه عنا. وهذا أقصى درجات الحب، فاستحق التعظيم. نعم إن القاضي لا يحكم عليّ بوفاء دين الآخرين، ولكن إذا تبرعت بإيفاء ذلك الدين فماذا له أن يقول غير الاستحسان والمدح؟

وقال المسيح لليهود عندما أمسكوه ليصلبوه: «كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَكُمْ أُعَلِّمُ فِي ٱلْهَيْكَلِ وَلَمْ تُمْسِكُونِي. وَأَمَّا هٰذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ ٱلأَنْبِيَاءِ» (متى 26: 55 و56) والمسيح صُلب ليس لأنه ارتكب خطيئة، لأن اليهود لم يجدوا فيه علة واحدة من جهة آدابه وأعماله، بل صُلب ليقدم نفسه عنا ضحية، وناب عنا في القصاص وأقام ذاته مقامنا. فإذا حُسب لعنة لأجلنا لا يكون هو مستحقاً ذلك، بل لأنه رضي أن يضع نفسه موضع الخاطئ الأثيم المستحق اللعنة. فترى مما تقدم أن الله يسمح بقتل أنبيائه لمقاصد سامية، وأن المسيح مات طوعاً باختياره حباً لنا كي يفدينا من لعنة الناموس ويوفي العدل الإلهي حقه وينيلنا الخلاص والحياة الأبدية. لذلك لا يغفر الله للمؤمن ولا يرحمه إلا بواسطة المسيح يسوع.

هذه هي الطريقة الوحيدة التي عيَّنها الله لخلاص المؤمنين، التي بها يُظهر عدله ورحمته معاً. وأما الطريقة التي سنَّها الشرع الإسلامي فلا توفق بين عدل الله ورحمته. وليس في القرآن ولا في الأحاديث بيان شاف لكيفية الدينونة والحساب والغفران.

وأما الآيات التي يستند إليها إخواننا المسلمون في أمر الدينونة فهي:

«وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ» (سورة البقرة 2: 284).

فإذا حاسب الله الناس حسب هذه الآية فلا مظهر لعدله ورحمته معاً. نعم إن الله يفعل ما يريد، ولكنه لا يريد ما يخالف صفاته الأصلية وشريعته الإلهية. افرض أن القاضي عفا عن قاتل أخيك بعد ثبوت الذنب وغفر له، فهل تحسبه عادلاً؟ كلا! بل ظالماً لأنه خالف الشريعة. وهذا لا يمكن في الله، لأنه لا ينطبق على أحكامه، وهو يخالف العقل السليم.

«وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» (سورة الأعراف 7: 8 و9).

وهذه الآية تبين أن طريقة الحساب طريقة بسيطة، وهي طريقة المصريين القدماء والمجوس، وهي أن الله يضع حسنات المرء في كفة من الميزان والسيئات في الكفة الأخرى، فإذا رجحت كفة الحسنات كان المرء من الفائزين بالنجاة، وإذا رجحت كفة السيئات كان من الخاسرين وفي جهنم من الخالدين. وهذا لا ينطبق على الحقيقة، لأن السماء أو الجنة التي يرغب الإنسان في الدخول إليها هي بقعة طاهرة لا يدخلها إلا المطهرون المقدسون، فالذي يصنع سيئة واحدة فقد أذنب وتنجس. ومن المستحيل أن يدخل الجنة وهو على تلك الحال. وها أنا أضرب لك مثلاً على هذا لزيادة الإيضاح:

افرض أن مسلماً متشحاً بحلة بيضاء، وبينما هو ذاهب للصلاة علقت بثوبه الأبيض أو بجسده النظيف قمحة من الأقذار، ألا يُعد نجساً؟ ألا يتوجب عليه وهو بتلك الحال أن يعود فيتطهر كي يجوز له مباشرة الصلاة؟ هذه هي حالة الإنسان مع الله من جهة الطهارة والنجاسة، لذلك لا يتمكن المؤمن من الدخول إلى الجنة قبل التطهير تماماً وتجديد القلب أيضاً، لأنه إذا طهُر من الخطايا وغُفرت له ذنوبه، ولكن جرثومة الشر بقيت متأصلة في القلب، يبقى شريراً وغير صالح للسماء. وإذا كفَّر المسلم عن سيئاته في النار كما يعتقد هو «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا وَنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً» (سورة مريم 19: 71 و72) ولم يتغير قلبه وأمياله الفاسدة، فلا يصلح للجنة ولا تصلح له. وهكذا عقاب السارق بالسجن أو قطع اليد أو جلد الزاني لا يغير أميال الأول للسرقة وأميال الثاني للزنا، بل ربما زادهما العقاب شراً على شر «إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوءِ» (سورة يوسف 12: 53). ولكن الدين المسيحي بالأحرى الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) قد أعدَّ طريقة لا اعتراض حقيقي عليها، لأنها تدبير الله، بها يتمكن المؤمن من الحصول على الطهارة والمغفرة بواسطة ضحية المسيح، ويحصل على التجديد أو تغيير القلب بواسطة الروح القدس، فيصبح المؤمن إذ ذاك لائقاً بأن يدخل الجنة مسروراً بها.

«إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا» (سورة النساء 4: 40).

وهذه الآية تطمع في الله، لأنها تبين أن الله يضاعف حسنات المرء، وأنت تعلم أن تضعيف الحسنات ليس بعدل.

«وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» (سورة الأسراء 17: 13 و14).

وهذه الآية تبين أن لكل إنسان كتاباً ينشر يوم القيامة فيقرأه ويحاسب نفسه، ولكن لم تبين طريقة الكتابة في الكتاب وكيف يحاسب الإنسان نفسه، وما هي القاعدة التي يجري عليها.

«إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ» (سورة هود 11: 114).

وهذه الآية تبين أن كل حسنة تُذهب سيئة، فإذا كانت الحسنات أكثر من السيئات نال المرء الخلاص، وإلا فالهلاك محتم. وقال علماء المسلمين: وليس لأحد أن يتظلم من أن الله لم يُثبْهُ على حسناته، هذا إذا كانت سيئاته أكثر، لأن الأشرار يثابون على حسناتهم في الدنيا.

وقالوا إذا انقضى الحساب ووُزنت أعمال كل امرئٍ بميزان عدل، شرعت الخلائق في المقاصّة أي المقابلة بالمثل، فيستوفي كل فرد حقه من غريمه، وينتصف كل مظلوم من ظالمه. وهذا ما يسميه المسلمون بالخصومة ورد المظالم، فتأخذ الملائكة من حسنات الظالم ما يساوي ظلمه، ويضيفونها إلى حسنات المظلوم. فالذي يبقى من حسناته ولو مثقال ذرة يضاعفها له الله رحمة منه، ليدخل الجنة. والذي تفنى حسناته ولا يزال عليه مظالم لم ترد، يطرح الله عليه من أوزار مظلوميه ما يساوي تلك المظالم، ويلقيه في جهنم ليعاقب على إثمه وإثمهم، وكل هذا ليس بعدل.

ألا ترى أن كل هذه لا تفي بالغرض المطلوب، ألا وهو تطهير القلب من أدناس الخطيئة واستئصال جرثومة الأميال الباطلة منه، كي يصير صالحاً لعِشْرة الله الطاهر في السماء الطاهرة؟

ولا شك في أن الطريقة التي دبرها الله وعيَّنها في التوراة والإنجيل لخلاص الإنسان هي الطريقة المثلى، فعلينا أن نتبعها لننال المغفرة وتطهير القلوب وندخل الجنة ونكون فيها خالدين.

الفصل الرابع: صلب المسيح في القرآن

يعتقد المسلم أن الصلب قد حصل، ولكنه ليس على المسيح، بل على شخص آخر وقع شبه المسيح عليه، بدليل قول القرآن في سورة النساء 4: 157، 158 «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ». مع أن عبارة القرآن ملتبسة ومبهمة لا يُبنى عليها حكم، وكأني بالقرآن لم يرد أن ينفي الصلب قطعياً عن المسيح فقال ما رأيت.

ومن الجائز أن تفسر آية القرآن على هذه الطريقة: «وما قتلوه وما صلبوه يقيناً» أي لم يقدروا على إيصال الأذى إلى نفسه، لأن اليهود ظنوا أنهم بصلبهم للمسيح قد أبادوا ذكره وجعلوا أمره محتقراً بين الناس. فالآية تبين لليهود أنهم لم يقدروا على هذا، لأن موته صار واسطة لإذاعة اسمه وتعظيم شأنه، وأن الصلب لم يُبده، لأن الموت الجسدي ليس إبادة أو فناء. والمسيح وإن مات، فقد رفعه الله وكان هذا الموت سبباً لرفعه. ولإيضاح هذا أضرب لك مثلاً: افرض أنني أهنتك وشتمتك وحقرتك، ولكنك كنت حليماً ولم تعاملني بالمثل، ألا يجوز لك أن تقول لي: «إنك لم تهنّي ولم تحقرني، بل رفعتني وعظمتني في أعين الناس، نظراً لحلمي، وحقرت نفسك نظراً لسفاهتك». والحقيقة أن الصلب يُنسب إلى الحاكم الروماني بيلاطس الآمر به، وليس إلى اليهود!

وقوله «شُبه لهم» مسند إلى ماذا؟ فإذا جعلته مسنداً إلى المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه. وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر. لذلك ترى أن الآية غير صريحة. لو كان قصد الله أن يخلص المسيح من الموت على الصليب لكان خلصه بمعجزة ظاهرة باهرة، وأظهر لليهود عدم قدرتهم على إيصال الأذى إلى نبيه ورسوله. ولكن المعجزة التي يتوهمها المسلمون لخلاص المسيح لم تفد الفائدة المطلوبة، مع ما فيها من الغش الذي لا يصدر عن المولى، لأنها لم تُظهر لليهود قدرة الله وعجزهم. وإذا كان الله رأى الصلب مخلاً بشرفه الأقدس، أيعقل أنه عمل معجزة تظهر احتقاره فعلاً؟ مع أنه رفع المسيح إليه كي يتقي ذلك الاحتقار، حسب اعتقاد جمهور المسلمين.

وقد وجدنا آيات في القرآن تبين تلميحاً إن لم يكن تصريحاً أن المسيح قد مات فعلاً، وهي تفسّر ما أُبهم من الآية السابقة كما ترى في سورة آل عمران 3: 55 «إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ». قال بعض المفسرين إن كلمة «متوفيك» معناها منّومك، ولكن لم يدر أحد في العالمين الحكمة في التنويم قبل الرفع. ولعل الراسخين في العلم الأواخر، يفيدوننا بما لم تستطعه الأوائل!

والحق أن معنى «متوفّيك» مميتك، وهذا مروي عن ابن عباس ومحمد بن اسحاق. واختُلف في مدة الموت، فقال وهب توفي «المسيح» ثلاث ساعات ثم رُفع. وقال محمد بن اسحاق توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه. وقال الربيع بن أنس أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء. والإمام البيضاوي يعتقد أن المسيح مات حقاً ثلاث ساعات. قيل في معجم اللغة «توفاه الله قبض روحه وتوفي فلان على المجهول قُبضت روحه ومات».

وقد وردت كلمة متوفيك وما يشتق من هذا الفعل بمعناها ثلاثاً وعشرين مرة في القرآن. وكلها تدل على قبض الروح والموت مطلقاً إلا في موضعين، حيث دلت القرينة على قبض الروح مجازاً في النوم الأول «وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِٱلنَّهَارِ» (سورة الأنعام 6: 60) والثاني (في سورة الزمر 39: 42) «ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا».

قال بعض المفسرين إن الواو في جملة «متوفيك ورافعك» للتعقيب وليس للترتيب تضليلاً للعقول، فيكون المعنى حسب رأيهم أن المسيح سيأتي ثانية فيموت. اللهم قِنَا شر المخاتلة. وما ضرهم لو حسبوا أن الواو للتعقيب والترتيب معاً فيصح المعنى. لو كان قصد القرآن ما أرادوا لأفصح عن هذا بعبارة لا تقبل الالتباس!

وكما ترى في سورة مريم 19: 15 «وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ (الضمير راجع إلى يحيى) يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً».

وفي سورة مريم 19: 33 أيضاً «وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ (عيسى) يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً».

لا خلاف أن المسلمين قاطبة يعتقدون أن يحيى (يوحنا المعمدان) وُلد ومات بناء على الآية الأولى، فلماذا لا يعتقدون هذا في عيسى المسيح بناء على الآية الثانية. لأن ترتيب الآيتين واحد والألفاظ واحدة تقريباً، والقرينة في الثانية لا تدل على غير ذلك.

وكما ورد في سورة مريم 19: 31 «وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلّزَكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً».

الزكاة شرعاً قدر معين من المال يخرجه الحر المسلم المكلف لله تعالى إلى الفقير المسلم غير الهاشمي ولا عبده مع قطع المنفعة عنه من كل وجه. وفي الكليات كل ما في القرآن من زكاة فهو المال إلا قوله «حَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً» سورة مريم 19: 13 فإن المراد به الطهارة.

فإذا كان المسيح ارتفع إلى السماء دون أن يموت كما يعتقد جمهور إخواننا المسلمين، فالواجب عليه أن يزكي طوعاً للوصية. وهل في السماء يا ترى من فقراء المسلمين كي يعطيهم الزكاة؟ وإذا كان المسيح لم يزل حياً في الأرض، فأين هو ومن هم الذين يتناولون منه الزكاة؟

وإذا علمنا أنه ليس على الأرض، وأنه لا يزكي، نعلم أنه قد مات حقيقة. ولذلك قد انتفى عنه فرض الزكاة!

وكما ورد في سورة المائدة 5: 117 «وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ ٱلرَّقِيبَ» قال الرازي والجلالين إن هذه الآية سيقولها المسيح عيسى لله يوم الحشر على الأرجح. ويفسر الرازي «توفيتني» بالرفع، وقد سها أنه فسرها بالنوم في الآية «يا عيسى إني متوفيك ورافعك» فإذا جارينا الرازي وغيره من المفسرين على أن التوفي هنا بمعنى الرفع، وأن هذا الكلام سيحصل يوم الحساب الأخير، تكون النتيجة أن المسيح لا يموت أبداً، وهذا مخالف لنص القرآن الصريح «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ» (سورة الرحمن 55: 26 و27).

«كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ» (سورة القصص 28: 88).

ويكون هذا مخالفاً أيضاً لاعتقاد كثيرين من علماء المسلمين الذين يعتقدون أن المسيح مات حقاً. ومخالفاً للذين يعتقدون منهم أن المسيح لا بد من أن يموت في هذا العالم قبل يوم الحشر. وما ضرهم لو اعتقدوا أن التوفي هنا بمعنى الموت، وأن هذا الكلام حصل قبل القرآن حسبما يفيد ظاهر الآية «وإذ قال» التي تدل على الماضي وليس على الاستقبال، فتصير إذ ذاك الآية القرآنية موافقة للتوراة والإنجيل واعتقاد النصارى في صلب المسيح وموته. اللهم أرِ الحق لطالبيه. وامنح النور لمريديه. إنك خير من دُعي يا أكرم الأكرمين.

الفصل الخامس: صلب المسيح تاريخياً

ليست حادثة صلب المسيح من مخترعات البشر، وإلا لما رضي المسيحيون أن ينسبوا إلى رئيسهم ونبيهم ومخلصهم بل ربهم هذا الاحتقار العظيم، لأن شريعة موسى تقول: «لأَنَّ ٱلْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ ٱللّٰهِ» (تث 21: 23) والإنجيل يقول: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ» (غل 3: 13) وليس أن المسيحيين قد اعترفوا بحصول الصلب فقط، بل حسبوه بافتخار مصدر خيراتهم وبركاتهم السماوية وينبوع الخلاص العميم، ليس لهم فقط بل لكل من آمن بالمسيح المصلوب وبالفداء الذي حصَّله للخطاة بموته الشهير. ويلوح لي إذ أباحث أخي المسلم أن قضية صلب المسيح هي حادثة تاريخية من بعض الأوجه، لذلك أردت أن أبحث فيها الآن بحثاً تاريخياً فأقول:

إن الأنبياء الأقدمين داود وإشعياء ودانيال وغيرهم تنبأوا بكل حال من أحوال حياة المسيح، وخصوصاً بصلبه وموته قبل حصوله بأكثر من ألف وخمسين سنة. بل بعضهم قد عين مكان صلب المسيح وزمن حدوثه، وذكروا علامات منها طبيعية ككسوف الشمس والزلازل، ومنها تاريخية كإبطال الذبيحة نهائياً، لأنها كانت تشير إلى ذبيحة المسيح العظمى. وكزوال الملك نهائياً من يد اليهود.

ولما جاء المسيح أعلن صريحاً لليهود أن المكتوب عنه في ناموسهم من جهة الموت لا بد من أن يتم، وأنه لا بد من أن يُصلب للتكفير عن خطايا الناس. والحواريون بعده كانوا يفتخرون بهذا الصلب حتى أن أحدهم قال: «لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً بَيْنَكُمْ إِلاَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوباً» (1 كو 2: 2) وقام أحدهم واعظاً بعد صلب المسيح بأيام قليلة بين جمهور عظيم من اليهود وقال لهم: «بِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ» (أع 2: 23) وكانت نتيجة خطبته أن آمن من الحاضرين بذاك المصلوب نحو ثلاثة آلاف نفس.

وكان صلب المسيح موضوع تبشير الحواريين والرسل ومحور كل خطبهم، والأمر الوحيد الذي يُرجع إليه في طلب مغفرة الخطايا. وكانوا يقولون: حاشا لنا أن نفتخر إلا بصليب ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، مع تلقيب الناس لهم بتابعي المصلوب. واعتبرت الكنيسة المسيحية قرناً بعد قرن بالتواتر صلب المسيح كما كان يعتبره الحواريون، وذلك لأنه ليس شيء في التوراة والإنجيل أصرح من هذه القضية.

وأشار يوسيفوس المؤرخ اليهودي الشهير في تاريخه إلى صلب المسيح قائلاً: «إن بيلاطس حكم على المسيح بالصلب بطلب رؤساء الكهنة بيننا، والذين أحبوا المسيح أولاً لم يتركوه، وهم باقون للآن يدعون مسيحيين نسبة إليه» حتى أن اليهود ليومنا هذا يعترفون بصلب المسيح. والقرآن نفسه يشهد بأن اليهود يعترفون أنهم قتلوا المسيح كما ترى في سورة النساء 4: 157 «وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ». وقد كتب الحاخام يوحنان بن زكا تلميذ هليل الشهير كتاباً في العبرانية منذ زمن قديم ذكر فيه حكم اليهود على المسيح بالصلب لادعائه أنه ابن الله، وأن اليهود علقوا يسوع على شجرة خارج أورشليم، حسب أمر الملك ورؤساء اليهود. وكتاب التلمود قد ذكر صلب يسوع المسيح، وتاسيتوس المؤرخ الوثني ذكر في الفصل الخامس عشر من مؤلفه المكتوب بعد المسيح بنحو أربعين سنة أن المسيح قتل بأمر بيلاطس البنطي الوالي في أيام حكم طيباروس.

وهذا المؤرخ كتب لأناس كانوا من معاصري المسيح، وربما بعضهم شاهد عياناً موت المسيح. وكان لهذا المؤرخ وسيلة للوصول إلى سجلات الحكومة الرومانية، حيث كانت أخبار الحكام الرومانيين القانونية تُحفظ، ومن ضمنها أخبار حكام فلسطين حيث صُلب المسيح. ولذلك كان لكتابات هذا المؤرخ في هذا الموضوع اعتبار عظيم، بالنظر لعلاقتها بالأخبار القانونية والحقائق المعروفة عند العموم.

والأمر المهم هو أن خطاب بيلاطس البنطي الذي بعث به إلى روما بشأن صلب المسيح وموته قد حُفظ بين سجلات روما، حسب عادات الممالك التي نالت حظاً من الحضارة. ومن ذلك الرقيم القانوني استقى المؤرخ تاسيتوس علاوة على الأخبار العامة.

وقد أشار إلى هذا الرقيم فلافيوس جوستينوس الفيلسوف عندما خاطب الأمبراطور أنطونيوس بيوس السنة 139 م.

وقد أشار إلى هذا الرقيم بعينه العالم ترتوليانوس من قرطاجة سنة 199م.

وهكذا ترى أن حادثة صلب المسيح كانت أمراً مقرراً وحادثة مشهورة ومعروفة بين الوثنيين واليهود والنصارى، ليس بين العامة فقط بل الخاصة أيضاً مدة 600 سنة. إلى أن جاء القرآن فأنكر صلب المسيح فعلاً إنكاراً غير صريح بكلام مبهم وآيات مختلفة أوقعت كثيرين من المسلمين في حيرة من هذا القبيل، حتى أنكرها بعضهم بتاتاً وصدقها آخرون كما رأيت في فصل سابق.

فافرض الآن أيها القارئ النبيه أن خمسين رجلاً من الشهود العدل شهدوا صريحاً (بعضهم شهادة عين وبعضهم بالسمع) أن زيداً قتل عمراً. والشهود العين لهم معرفة شخصية تامة بالقاتل والمقتول. وافرض أن الجاني القاتل اعترف بفعلته الشنعاء علناً. فصار الاعتقاد عاماً والأمر حقيقة لا ريب فيها أن زيداً قتل عمراً مدة نحو ست مئة سنة. ولكن بعد هذه المدة الطويلة جاء أمام القاضي شاهد نفي، وبالطبع ليس بشاهد عين. وافرض أنه شاهد عدل وقال: أنا أشهد أن حادثة القتل حصلت، ولكن المقتول هو بكر وليس عمراً. فماذا تظن: أيحكم القاضي بصحة مقتل عمر؟ أو يحكم أن المقتول هو بكر استناداً إلى الشهادة الأخيرة الفريدة؟ لا شك أن القاضي العادل يحكم بصحة مقتل عمر استناداً إلى الشهادات العديدة وإقرار القاتل. ومن يحكم بخلاف هذا يكون من الذين لا دراية لهم بالقوانين الشرعية والمدنية، وليس في رأسه ذرة من العدل.

لا حاجة لي أن أنبهك أن هذا المثل هو على قضية صلب المسيح، وهو ينطبق عليها من كل الأوجه فتأمل.

ماذا تقول بعد كل هذا أيها الأخ المسلم الباحث عن الحقيقة؟ أنصح لك أن تترك الميل المذهبي جانباً وتحكم في هذه القضية حسب العدل ومعارفك العقلية، فتجد أن القضية بسيطة لا تحتاج إلى كل هذا العناء، وتحكم أن المسيح عيسى قُتل وصُلب لفداء العالمين، لكنه قام من بين الأموات وارتفع إلى السماء ظافراً ولن يسود عليه الموت بعد.

المبحث الخامس: عصمة المسيح ولاهوته

إننا معشر النصارى نعتقد حسبما أعلن الله في كتابه الكريم أن يسوع المسيح معصوم من الخطأ، وذلك لأنه ليس من زرع البشر الذين أخطأوا وفسدوا، كما أثبتت كل الكتب المعتبرة أنها مُنزلة. وفي القرآن والحديث ما يؤيد وحي الكتاب المقدس.

ونعتقد أن المسيح إله وإنسان معاً في ضوء الوحي الإلهي الإنجيلي، وتبياناً لهذا على وجه التمثيل نقول: إن الله الواحد الأحد ظهر في الإنسان يسوع المسيح وحلّ فيه بملء لاهوته حلولاً في غير حصر: «فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللاَّهُوتِ جَسَدِيّاً» (كولوسي 2: 9) «اَللّٰهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ ٱلآبَاءَ بِٱلأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ ٱلأَخِيرَةِ فِي ٱبْنِهِ - ٱلَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ ٱلْعَالَمِينَ. ٱلَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ ٱلْعَظَمَةِ فِي ٱلأَعَالِي» (عبرانيين 1: 1 - 3). وظهر للبشر. لذلك صحَّ أن يُسمى المسيح إلهاً وإنساناً معاً. فليس الإنسان إلهاً، بل الإله إله، والإنسان إنسان، وليس إلهان كما يتوهم المسلم في هذا. فالمسيح بقوته الإلهية عمل المعجزات والأشياء الخارقة، بخلاف الأنبياء - لأنهم عملوا المعجزات بقدرة الله لا بقدرتهم. وبناسوته كان يأكل ويشرب وينام كأحد أفراد الناس. وكان طوراً يتكلم عن نفسه كإله وتارة كإنسان، ما ذلك إلا لأنه إله وإنسان معاً كما سبق. وقد شك إخواننا المسلمون وبعض النصارى في لاهوت المسيح، وذلك لأنهم رأوا آيات كثيرة في الكتاب تدل على أنه إنسان، ولكنهم لو راجعوا الآيات الكثيرة الدالة على لاهوته أيضاً بإمعان نظر وترو، لانقشعت عن أعينهم غيوم الشك. «مِنَ ٱلآنَ تُبْصِرُونَ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ» (متى 26: 64) «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ» (يوحنا 14: 9).

والمسيح كإنسان عاش مدة على الأرض وصُلب ومات وقام، ولكن الصلب والموت وقعا على الناسوت المادي.

أما لاهوت المسيح فواضح غاية الوضوح في التوراة والإنجيل، من النبوات، ومن كلام المسيح نفسه، ومن تعليم الرسل، ومن الآية الواردة في سورة آل عمران 3: 45 «يَا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ». فإذا ادعى مفسرو المسلمين أن المقصود «بكلمة» هو الأمر (كن) أو النطق في غير هذه الآية، فلا سبيل لهم أن يدعوا هذا في الآية الحاضرة، لأن قوله «بكلمة منه اسمه المسيح عيسى» يدل على أن الكلمة ذات وليس نطقاً أو أمراً، كما يتضح عند أدنى تأمل، وكأنه يقول بذات منه. لاحظ أن الضمير في (اسمه) مذكر راجع إلى (بكلمة) التي هي مؤنثة لفظاً، ولكنها مذكرة معنى، وإلا لما جاز هذا في اللغة.

يقول علماء الإسلام إن كل مخلوقات الله تسمى كلمات الله لأنها خُلقت بكلمة. أقول أن هذا باطل، وإلا لجاز أن نسمي الأثر المؤثر، والكتاب قلماً، لأن القلم هو الواسطة أو الآلة التي كُتب بها الكتاب وليس الكتاب. فإذا خلق الله عيسى المسيح بكلمة بأمر (كن) حسب زعمهم لا يمكن أن يُسمى كلمة، لأنه ليس هو الكلمة بل مفعول الكلمة (الأمر). وإذا ألفت كتاباً بعقلي، لا يسمى الكتاب عقلاً (أو عقلي) بل مفعول العقل، وإلا لاختلط الحق بالباطل، وامتزجت الجواهر بالأعراض.

وواضح من آيات أخر أن المسيح «روح الله». وأنت تعلم أن كل ما في الله هو الله، فكلمة الله هو الله أبدي، وروح الله هو الله أبدي أزلي. وهذا يوافق تماماً ما ورد في أول إنجيل يوحنا «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ... وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ» (يو 1: 1-5).

وأما أن المسيح ابن الله فممكن وغير كفر. قال الحديث عن لسان الله «الفقراء عيالي» وهذا غير مستحيل، بدليل قوله في سورة الزمر 39: 4 «لَوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لٱصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ» فلا عجب إذا أعلن الكتاب أن المسيح ابن الله، ليس بطريق التناسل كما يظن بعض المسلمين، لأن «الابن» لغة لا يطلق فقط على الابن الذكر عن طريق التناسل، بل يكنى به كناية. كما يقال «أبناء العلم» و «أبناء الدنيا» و «أبناء السبيل». ويقال أيضاً إن فلاناً ابن فلان على طريق التبني المجازي أو اللغوي. وقد دعا الله المؤمنين أبناء، لكنه قال إن المسيح ابنه الوحيد، أي هذه البنوة مغايرة لتلك. ونحن لا نفهم ماهي تلك البنوة تمام الفهم، لأنها بعيدة عن الإدراك. وكما أن المسيح دُعي ابن الله ترفيعاً له عن البشر من جهة لاهوته، قد دُعي ابن الإنسان، تبياناً لناسوته. وهو المقصود في نبوءة دانيال 7: 13 و14 التي تدل على أن المسيح إله وإنسان معاً «وَبِٱلإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ ٱلتَّقْوَى: ٱللّٰهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَدِ» (رسالة تيموثاوس الأولى 3: 16) «وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ» «وَٱلْكَلِمَةُ (الله) صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا» (يوحنا 1: 1 و14).

وقد ذُكرت خطايا الأنبياء في التوراة والزبور والإنجيل - وقد أيدها القرآن - واحداً فواحداً تقريباً، وذكر فساد الجنس البشري بأجمعه كما رأيت، ولكن لم يذكر في واحد من هذه الكتب خطيئة ما ليسوع المسيح، بل إنها جميعها شهدت بقداسته وطهارته على رؤوس الملأ وعصمته من الخطأ، وجعلته فريداً وحيداً بين البشر من هذا القبيل، كما سترى في مبحث امتياز المسيح الآتي.

ولم يتجرأ نبي من الأنبياء الكرام أو رسول من الرسل العظام أن يدعي لنفسه العصمة، لأن العصمة في البشر محال، وما العصمة والكمال إلا لله وحده. أما المسيح يسوع الذي فاق الجميع بلاهوته وناسوته، وكانت له الثقة التامة بكماله وطهارته، فقد جاهر بالقول: «مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ» ؟(يوحنا 8: 46) «رَئِيسَ هٰذَا ٱلْعَالَمِ (الشيطان) يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ» (يوحنا 14: 30) والشهادات متعددة في الكتاب على عصمة المسيح، حتى أن أعداءه لم يجدوا فيه علة من جهة سلوكه.

عندما فحص بيلاطس الوالي دعاوى اليهود، أعلن أنه لم يجد علة واحدة في المسيح للموت (يوحنا 18: 38، 19: 4 و6) وامرأة بيلاطس بعثت فقالت لزوجها في أثناء المحاكمة: «إِيَّاكَ وَذٰلِكَ ٱلْبَارَّ» (متى 27: 19) وبعد ذلك غسل بيلاطس يديه قائلاً: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هٰذَا ٱلْبَارِّ» (متى 27: 24) ولكن اليهود قالوا «دمه علينا وعلى أولادنا». وإذ ذاك أُسلم المسيح للصلب فصُلب. وسيرة المسيح كلها ألسنة ناطقة بطهارته التامة ونزاهته وعصمته، بخلاف سير بقية البشر والأنبياء والرسل المشحونة بالخطأ والزيغان والظلم وفساد القلب.

وطهارة المسيح هذه وعصمته لازمتان لاستحقاقه، لكي يكون صالحاً أن يقدم نفسه كفّارة وذبيحة طاهرة لا عيب فيها عن أنفس البشر الخطاة.

المبحث السادس: في امتياز المسيح في القرآن: على الأنبياء والبشر كافة

اشترك الأنبياء والمرسلون في أسماء كثيرة وأفعال متعددة، ولكن المسيح امتاز على الجميع. ولنذكر الآن ما ورد من هذا في القرآن:

  1. إنه كلمة الله وروحه كما ورد في سورة النساء 4: 171 «إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوْحٌ مِنْهُ».

    وفي سورة آل عمران 3: 45 «يَا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ».

    قل لي يا صديقي لمن من الأنبياء أو من البشر قيل في القرآن إنه كلمة الله وروحه؟

    قد دعا الله بعض الناس رسلاً والبعض أنبياء والبعض منذرين والبعض مبشرين إلى غير ذلك، ولكن كل هذه أقل من «كلمة الله» و «روح الله» اللتين دُعي بهما يسوع المسيح. فهو لا شك إذاً أعظم من الجميع، ولا سيّما أن الروح أعظم من الرسول، لأن روحك هي ذاتك، وأما رسولك فهو غير ذلك.

    قال الرازي والجلالين وغيرهما من المفسرين أن المسيح دُعي كلمة الله لأنه خُلق بكلمة بدون أبٍ، لذلك نُسب إلى الكلمة. ولكننا نسألهم، إذا كان ذلك كذلك، فلماذا لم يُدع آدم الذي خُلق بكلمة أمر كلمة الله وروحاً منه؟

    ألا تستدعي هذه التسمية المسلم العالم إلى البحث عن «كلمة» و «روح» في الآيتين السالفتين اللتين تلمحان إذا لم نقل إنهما تصرحان بعلو شأن المسيح ولاهوته؟

  2. إنه يخلق كما ورد في سورة آل عمران 3: 49 «... أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرَاً بِإِذْنِ ٱللَّهِ».

    قد سمح الله للخلق أن يشاركوه في صفات عديدة كالكرَم والعدل والرحمة والإحسان إلى غير ذلك، وأعطى أنبياءه القوة على عمل المعجزات الخارقة العادة والتنبؤ بالأمور المستقبلة قبل حدوثها لإفادة الناس وبرهاناً على صحة رسالتهم العلوية، ولكنه حفظ لنفسه أموراً لم يشرك فيها أحداً.

    الأول - الحضور في كل مكان (حضوراً غير مدرك وغير محدود) وذلك لكي يحيط بكل شيء، ويسمع نداء كل حيّ من كل أنحاء المعمور ولو بوقت واحد. ولكن المخلوق لا يمكن أن يكون حاضراً في كل مكان في وقت واحد، لأنه مادة، والمادة لا تشغل إلا حيزاً واحداً في وقت واحد. والروح وإن تكن غير مادة فهي محدودة، ولا يمكن أن تكون حاضرة في كل مكان في وقت واحد. والخلاصة أنه لا يمكن للإنسان أو الملَك أن يحضر في كل مكان في وقت واحد، لئلا يصير إلهاً وهذا باطل.

    الثاني - القدرة على كل شيء قدرة أصلية لا مكتسبة. قد فعل الأنبياء الأعمال الباهرة والمعجزات القاهرة التي لا يقدر على عملها البشر، ولكن بقوة الله بقوة مكتسبة لا قوة أصلية، لأن الله وحده هو علة العلل ومصدر كل قوة. فإذا صار لأحد قوة أصلية صار مماثلاً لله، وهذا باطل بالبداهة.

    الثالث - الخلق وإيجاد الروح - الخلق هو الإبداع أو إيجاد شيء من لا شيء، وفي معجم اللغة هو إيجاد أو إبداع شيء على غير مثال سبق.

    فالله تعالى قد أعطى القدرة للأنبياء والرسل على إقامة الموتى وإبراء الأكمه وشفاء الأمراض على تعدادها والتنبؤ بالأمور المستقبلة قبل حدوثها، ولكنه لم يسمح لأحد بالقدرة على الخلق وإعطاء الروح إلا ليسوع المسيح. لماذا؟ لأن المسيح أعظم من الأنبياء والرسل وله منزلة أخرى. من منهم قيل فيه في القرآن إنه خَلق ولو بإذن ربه؟ لم يُقل هذا لأحد كما يثبت لكل مطلع على القرآن.

    ومن الآية السابقة ترى أن القرآن أثبت أن المسيح كان يخلق الطيور على الطريقة التي خلق الله آدم بها، إذ جبله من تراب الأرض، ونفخ فيه روح حياة فصار ذا نفس حية.

  3. ولادته العجيبة كما ورد في سورة النساء 4: 71 «إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوْحٌ مِنْهُ».

    أي أن المسيح وُلد من غير أب بالروح القدس بطريقة خارقة العادة. نعم إن آدم وُجد دون أب، ولكن كان ذاك عن اضطرار، إذ لم يكن من بشر من قبله. وأما ولادة المسيح من غير أب فلم تكن عن اضطرار، بل عن قصد من الله آية للعالمين «وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ» (سورة الأنبياء 21: 91). «وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا» (سورة مريم 19: 21). ألا تستلفت ولادة المسيح الغريبة أنظار المسلم الصادق، وتحمله على الاعتقاد أن المسيح عيسى لم يكن له مثيل بين الورى وأن له الدرجات العلى؟

  4. الوجاهة في الدنيا والآخرة كما ورد في سورة آل عمران 3: 45 «إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ».

    قال الكشاف: «الوجاهة في الدنيا النبوة والتقدم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة» وقال بمعنى ذلك تماماً الرازي وجلال الدين السيوطي. وأما وجاهة موسى في سورة الأحزاب 33: 69 «وَكَانَ عِنْدَ ٱللَّهِ وَجِيهاً» ففسرها الرازي بالمعرفة، وقال الرازي تفسيراً لجملة «ومن المقربين» : ليس كل وجيه مقرباً، لأن أهل الجنة على منازل ودرجات، ولذلك قال تعالى «وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً... ٱلسَّابِقُونَ أُولَئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ» (سورة الواقعة 56: 7 و10 و11).

    من درس القرآن يعلم أنه لم يصف أحداً بالوجاهة في الدنيا والآخرة إلا المسيح عيسى، ولم ينل أحد من الأنبياء والمرسلين هذا الامتياز سواه. فتش وانظر وبعد ذلك قل لي لماذا. وافحص عن السبب ترَ العجب.

  5. عدم ذكر خطيئة له (راجع عصمة المسيح المبحث الخامس).

  6. رفعه إلى السماء كما ورد في (سورة آل عمران 3: 55) «إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا».

إننا قد شرحنا التوفي في ما سلف، فلا حاجة لإعادته، إنما القصد أن نبين معنى الرفع. قال الرازي: «المراد بالرفع الرفع إلى محل كرامة الله، وجعل ذلك رفعاً للتفخيم والتعظيم. والمراد «بمطهرك» مخرجك من بين الذين كفروا. وكما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهير وكل ذلك يدل على المبالغة في إعلاء شأنه وتعظيم منصبه عند الله تعالى» .

وقال الكشاف تفسيراً لرافعك إليّ: «رافعك إلى سمائي ومقرّ ملائكتي». إن رفع المسيح في القرآن يعني تعظيمه (من المقربين). وأما الإنجيل فيخبرنا عن سبب تعظيم المسيح قائلاً: «ٱلَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ ٱللّٰهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلّٰهِ. لٰكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي ٱلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ مَوْتَ ٱلصَّلِيبِ. لِذٰلِكَ رَفَّعَهُ ٱللّٰهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ ٱسْماً فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي ٱلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى ٱلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ ٱلأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ» (فيلبي 2: 6 - 11).

ألا يستدعي هذا الأمر إعمال الفكر لمعرفة السبب؟

فإذا أردت الجواب مني أيها القارئ الكريم عن السبب، أجبتك بآية من الإنجيل، الذي أفصح عن ذلك بأجلى بيان «وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ ٱلْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ ٱسْمٌ آخَرُ تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ» (أع 4: 12).

المبحث السابع: التثليث في الوحدانية

لكي يكون القارئ على بينة من اعتقاد المسيحيين في وحدة الله والتثليث أدون له هنا العقيدة الأولى من عقائد الدين المسيحي بحروفها:

«ليس إله غير الله الواحد الحي الحق الأزلي الأبدي المنزه عن الجسم والأجزاء والانفعال. ذو قدرة وحكمة وصلاح لا نهاية لها. خالق كل شيء منظور وغير منظور. وفي وحدة هذا اللاهوت ثلاثة أقانيم بجوهر واحد وقدرة واحدة وأزلية واحدة، أي الآب والابن والروح القدس».

إن هذه العقيدة مثبتة بآيات صريحة من التوراة والإنجيل، فهي ليست من اختراعات المسيحيين. وأما إن كانت مدركة أو لا، أو إن كانت تقبل البحث المنطقي أو لا، فالجواب عليه تراه فيما يلي:

ليست مدركة لأنها فوق مدارك الآدميين، ولكنها حقيقة وقضية مسلمة، ولو لم يدركها جمهور الباحثين المسلمين استناداً للعقيدة الإسلامية القائلة: «البحث عن ذات الله كفر» كما ورد في الأحاديث.

لست أحاول الآن أن أفسر عقيدة لم يستطع تفسيرها الأوائل ولن يتوصل إلى إدراك كنهها الأواخر، لأنها بحث عن ماهية الله موجِد الكائنات. والعلماء قاطبة لا يدركون سرّ أدنى هذه الكائنات، فأنَّى لهم أن يدركوا ماهية الموجد الأول الخالق؟ ولكنني أريد أن أثبت أولاً أننا يجب أن نسلم بهذه العقيدة تسليماً إيمانياً قلبياً ولو لم تدركها عقولنا، وذلك لأنها وردت بتفاصيلها في الكتاب الموحى به من عند الله لهداية الناس، أعني به التوراة والإنجيل. وثانياً أريد أن أبين لإخواني المسلمين أنهم هم أنفسهم يعتقدون بعقائد كثيرة جوهرية وأساسية غير مدركة. ومن ضمنها وأولها الاعتقاد بالله، فلماذا يطالبوننا بإثبات ما لا يقدرون هم على إثباته؟ فأقول:

1 - إنّ كل الذين يؤمنون بالله من يهود ونصارى ومسلمين لا يعرفون شيئاً عن الله إلاّ ما أعلنه الله عن نفسه. وما زاد على ذلك فهو من التخيل أو من اجتهاد المجتهدين، ولكنه لا يعوّل عليه عند الورعين، ولا يصح أن يُتخذ حجة لإقناع الطالبين.

إنّ مداركنا قاصرة عن إدراك خالقها وإلا لما كان الله. ولا يدرك الله إلاّ الله. إنّ الله كائن ولكن لا كالكائنات مالئ السموات والأرضين، دون أن يكون له طول وعرض وعلوّ وعمق وكم وكيف، لأنه لا يُحدّ ولا يُدرك، تعالى عن التشبيه والتمثيل علواً كبيراً. ومهما خطر في بالك فالله غير ذلك. فلا نتطاول إلى معرفة ما لا تدركه عقولنا القاصرة، ولنقبل ما أعلنه الله لنا عن نفسه، دون بحث أو جدال، ذلك أقرب إلى التقوى.

إنّ الأمر المهم أن نبحث هل الكتاب (التوراة والإنجيل) من الله أو لا. فإذا ثبت (وقد ثبت بحمد الله) أنه من عند الله، فعلينا أن نصدق كل ما ورد فيه. سواء وافق أفكارنا أم لا، إذ لا يجوز أن نصدق بعض الكتاب لأننا فهمناه، وأن نكفر بالبعض الآخر لأننا لم نفهمه. وقد ورد في القرآن ذمّ من يفعل هذا في سورة البقرة 2: 85 «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ».

وكثيراً ما يشنع إخواننا المسلمون على التوراة والإنجيل لأنهما يذكران أن الله، تكلم وسمع وكتب بإصبعه وحزن وندم وحل وما أشبه ذلك. فلإزالة ما بقلوبهم من الشك نذكرهم بأقوال القرآن المشابهة لذلك، وإليك بعضها:

«وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوا إِنِّى آنَسْتُ نَاراً لَعَلّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدىً فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ» (سورة طه 20: 9 - 12).

«ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلّزُجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» (سورة النور 24: 35).

«يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (سورة الفتح 48: 10).

«وَقَالَ (إبراهيم) إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ» (سورة الصافات 37: 99).

«وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ» (سورة النساء 4: 100).

«بَل رَفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ» (سورة النساء 4: 158).

«وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ» (سورة البقرة 2: 210).

«ثُمَّ ٱسْتَوَى عَلَى ٱلْعَرْشِ» (سورة الأعراف 7: 54).

«ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّماءِ» ( سورة البقرة 2: 29).

«ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَى عَلَى ٱلْعَرْشِ» (سورة الفرقان 25: 59).

«إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ» (سورة آل عمران 3: 55).

«وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ» (سورة الرحمان 55: 27).

«كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ» (سورة القصص 28: 88).

وقد نُسب إلى الله في القرآن الحب والغضب والرضى وهي من الانفعالات النفسية والتحسر أيضاً والنسيان «فَٱلْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا» (سورة الأعراف 7: 51).

«يَا حَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ» (سورة يس 36: 30).

لو أخذت هذه الآيات السالفة على ظاهرها لالتزمت أن تقرّ أن الله تمثل بالنار أو كان فيها. وإن قلت إن الله لم يكن النار أو فيها، بل كانت لهداية موسى إلى أمر، قلت إن آخر الآية «فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوىً» يناقضك ويثبت مدعاي. وإن تقر أن الله نور وأن هذا النور كمشكاة وأن المشكاة ضمنها مصباح الخ. وهذا ما يعبر عنه بالحلول والحصر، وهكذا تلتزم أن تقر أن لله محلاً ووجهاً إلى غير ذلك، وهذا ما لا يسلم به مسلم.

2 - أنت تقول أيها الآخ المسلم إنك لا تصدق عقيدة التثليث (أي أن الله واحد في ثلاثة أقانيم) لأنك لا تقدر أن تفهمها، ولا يمكن لأحد أن يثبتها لك. ولكن قد فاتك أنك أنت تصدق أموراً كثيرة ضمن معتقدك الإسلامي، مشاركاً فيها اليهودي والمسيحي، ولكن إذا سألك كافر بالوحي إثبات أمر واحد منها عجزت أنت وجميع الراسخين في العلم عن الإجابة وإقامة البرهان كما ترى.

كل مؤمن بالله يؤمن بأنه تعالى خلق السماء وما فيها من شموس وأقمار وكواكب ونجوم وسيارات، وأبدع الأرض وما عليها من نبات وحيوان في ستة أيام، وخلق الإنسان الحي الناطق بكلمة قدرته. وكل مؤمن يعتقد أن الأنبياء الكرام والرسل الصالحين قد عملوا المعجزات كإقامة الميت وإبراء الأكمه وشفاء المفلوج إلى غير ذلك. وكل مؤمن يعتقد بالقيامة والبعث، أي أن كل البشر من آدم إلى آخر شخص في العالم سيُبعثون، حتى أن الذين ماتوا حتف أنوفهم، والذين أكلتهم الأسماك، والذين افترسهم حيوان البر سيحيون بعودة أرواحهم إلى أجسادهم التي تحولت إلى صور شتى من تراب ونبات وحيوان وجماد لأجل الحساب والدينونة.

فإذا عارضك كافر في هذه الحقائق وأنكرها عليك، أفتقدر أن تثبتها بالبرهان المنطقي والدليل القويم والحجج العقلية من غير الكتب المنزلة؟ أنت تعلم أنك عاجز عن إقامة الأدلة لإثبات الاعتقادات السالفة.

أنت تؤمن بالله وتصدقه، ولكن إذا سألتك ما هو الله، وأين هو؟ لقصرت عن الجواب المقنع. وأنت تعلم أن لك روحاً وتؤمن بهذا، ولكنك لا تعرف ما هي الروح ولا أين هي! وأنت تعلم وتصدق أن لك عقلاً ومدارك عقلية ولكنك لا تفهم ماهيتها، حتى أنك لا تفهم كثيراً من الأشياء المحسوسة حق الفهم، ولذلك قال العلماء إننا لا ندرك جوهر الأشياء المادية بل نعرف صفاتها وخواصها فقط، فكم بالحري الأشياء غير المحسوسة!

وأنا أعلم وأنت تعلم واليهود والنصارى والمسلمون أجمعون يعلمون أننا نحن وإياهم نصدق مسألة الخلق والمعجزات والبعث والدينونة وخلود النفس، ونؤمن بالله، ليس لأننا قادرون على إثبات هذه العقائد بل لأنها وردت في كتب نعتقدها منزلة صحيحة. فاليهودي يصدقها إذعاناً لكتابه التوراة، والنصراني إذعاناً للتوراة والإنجيل، والمسلم إذعاناً للقرآن.

وإذا صح رفض التثليث لعدم إمكاننا إدراكه، يلزم رفض كل هذه العقائد السالفة، ورفض غيرها من معلنات الله التي إدراكها فوق طاقتنا، مثل كونه تعالى قائماً بنفسه وأزلياً وعلة العلل وغير معلول البتة، وموجوداً في كل مكان في وقت واحد، وعالماً بكل شيء وبكل ما يحدث منذ الأزل وإلى الأبد في كل وقت، وعدم قبول علمه الزيادة أو النقصان.

والله واحد في الجوهر مثلث في العدد. ولما كان الله فريداً في الكون في طبيعته وصفاته، فهو يمتاز عن كل ما سواه في كيفية وجوده، كما يمتاز في صفاته السامية. وإن قيل إن جوهراً واحداً ذا ثلاثة أقانيم محال، قلنا تلك دعوى بلا برهان، وإن عقولنا القاصرة لم تخلق مقياساً للممكن وغير الممكن مما هو فوق إدراكها. وأقانيم اللاهوت هي في جوهر واحد فرد، لا في جوهر واحد جنسي أو نوعي. فالتعدد في اللاهوت لا يلحق الجوهر، ولايستلزم انقسام الجوهر، لأن جوهر الله غير مادي بل روحي، والروح لا يقبل الانقسام مطلقاً. فكلٌّ من الآب والابن والروح القدس هو باعتبار أقنومه في الذات الواحدة، ولكل منهم جوهر اللاهوت الواحد بلا انقسام ولا انفصال. وليس للفظة أقنوم في اللغة معنى كمعناها الخاص في التعبير عن الثالوث الأقدس.

أفبعد كل هذا تقول إنّ اعتقاد المسيحيين بالتثليث جهالة؟ أفتقول بعد كل هذه الأمثلة إنك لا تسلم بالتثليث لأنك لا تجد عليه دليلاً عقلياً؟ ألا تعلم أن لكل شيء برهاناً من نوعه؟ فالحوادث التاريخية لا تثبت ظهور اسكندر المكدوني وغزواته العديدة في مصر والشام وبلاد فارس وبلاد الهند وغيرها بطريقة كيميائية أو هندسية أو منطقية؟ كلا. لأن هذا من مصلحة التاريخ ليس إلا. أو هل يمكنك أن تثبت لي أن الكل أعظم من جزئه بطريقة كيميائية؟ فينتج معنا إذا صح القانون المتقدم ذكره أنّ لكل شيء برهاناً من جنسه. فالمسائل الدينية تثبت من الكتب المنزلة، والمسائل الرياضية من العلوم الرياضية كالحساب والجبر والهندسة، والمسائل الفلكية من علم الفلك، وقس على ما ذكر ما لم يُذكر. فلا تحاول إذاً أيها الأخ المسلم أن تثبت العقائد الدينية بالبراهين العلمية لئلا تضل ضلالاً بعيداً.

ولماذا تخالفني في مسألة التثليث، ونحن ربما متفقون عليها في الجوهر؟ لأنك أنت تقول: الله وكلمته وروحه بالتثليث، وأنا أقول الآب والابن والروح القدس، فآمن بالله ولا تقل ثلاثة. انته خيراً لك إنما الله إله واحد « إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوْحٌ مِنْهُ فَأَمِنُوا بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ ٱنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ» (سورة النساء 4: 171) إننا نعتقد أن الله له كلمة وروح وهو واحد مع كلمته وروحه. وكل ما في الله هو الله حسب اعتقادك. فكلمة الله هو الله وله كل صفات الله كواجب الوجود والأزلية وغيرهما. وروح الله هو الله ومشارك له في القدم وعدم الفناء.

وها أنا أنقل ما قاله ابن الكندي في القرن التاسع في مسألة التثليث مخاطباً عبد الله بن اسماعيل الهاشمي: «كيف تفهمنا أن الله واحد؟ ألا تعلم أن الواحد لا يُقال له واحداً إلا على ثلاثة أوجه، إما في الجنس، وإما في النوع، وإما في العدد. فعلى أي وجه تصف الله عز وجل واحداً من هذه الوجوه؟ أفي الجنس، أم في النوع، أم في العدد؟ فإن قلت إنه واحد في الجنس صار واحداً عاماً لأنواع شتى، لأن حكم الواحد في الجنس هو الذي يضم أنواعاً كثيرة مختلفة، وذلك مما لا يجوز في الله تعالى. وإن قلت إنه واحد في النوع صار ذلك نوعاً عاماً لأقانيم شتى، لأن حكم النوع يضم أقانيم كثيرة في العدد. وإن قلت إنه واحد في العدد كان ذلك نقضاً لكلامك إنه واحد فرد صمد. وألا تعلم أن الواحد الفرد بعض العدد، لأن كمال العدد ما عمّ جميع أنواع العدد. فالواحد بعض العدد وهذا نقض لكلامك. فإن قلت إنه واحد في النوع فللنوع ذوات شتى لا واحد فرد. وإن قلت إنه واحد في العدد كان ذلك نقضاً لكلامك إنه واحد فرد صمد. وإن قلت إنه واحد في الجوهر، وجب أن نسألك هل تخالف صفة الواحد في النوع عندك صفة الواحد في العدد؟ أو إنّما تعني واحداً في النوع واحداً في العدد لأنه عام؟ فإن قلت قد تخالف هذه تلك، قلنا لك حد الواحد في النوع اسم يعم أفراداً شتى، وواحد الواحد ما لا يعمّ غير نفسه. أفمقر أنت أن الله واحد في الجوهر، يعم أشخاصاً شتى، وإنما تصفه شخصاً واحداً؟ وإن كنت تعني أنه واحد في النوع واحد في العدد، فإنك لم تعرف الواحد في النوع ما هو، وكيف هو، ورجعت إلى كلامك الأول أنه واحد في العدد، وهذه صفة المخلوقين. وأما المسيحيون فيصفونه واحداً كاملاً في الجوهر، مثلثاً في العدد، أي في الأقانيم الثلاثة. فقد كملت صفته من الوجهتين، واحداً في الجوهر لاعتلائه عن جميع المخلوقات، بسيط غير كثيف، وروحي غير جسمي. واحداً في العدد فلأنه عام لجميع أنواع العدد لأن العدد لا يعد، وإن تكن أنواعه نوعين زوجاً وفرداً، فقد دخل هذان النوعان في هذه الثلاثة. فبأي الأنحاء وصفناه لم نعدل عن صفة الكمال شيئاً كما يليق به. ذلك لتعلم أن وصفنا الله واحداً ليس على ما وصفته أنت».

وإنني في الختام أسأل الله الواحد في الجوهر المثلث في العدد أن يهب لك روحه القدوس ليقنعك بصحة هذه العقيدة إقناعاً قلبياً، لتؤمن بها كما آمنت به إنه على كل شيء قدير وبالاستجابة جدير.

المبحث الثامن: الباراكليت ومحمد

يدَّعي إخواننا المسلمون أن اسم نبيهم محمد قد ورد في الإنجيل استناداً إلى ما ورد في القرآن في سورة الصف 61: 6 «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ».

وقالوا إن معنى باراكليت اليونانية الواردة في الإنجيل أحمد، وأحمد ومحمد سيان. وبعضهم يدّعي أن الإنجيل مبدل لأن هذه البشارة ليست فيه الآن، مع أنها لاتزال مدونة كما كانت في أيام محمد في اللغة اليونانية. ولكن ما فهمه القرآن من الكلمة المقصودة في الآية في غير محله، لأن الكلمة اليونانية كذا: IIAPAKAHTOE وليست كذا IIEPIKAHOTE

وبالحروف الإفرنجية كذا paracletos وليست pericletos تعريبها باراكليتس وليس بِرِكلِتُس. فالأولى معناها المعزي والثانية المشهور والمحمود.

وهذه الآية لم تزل في الإنجيل برهاناً على أنه لم يتغير. ولنرجع الآن إلى إيراد الآيات التي فيها لفظة الباراكليت لنفهم معناها من القرائن، ولنرى هل يصح أن تُنسب إلى محمد كما يدعي إخواننا المسلمون؟

  1. «وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ ٱلآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَّزِياً (باراكليت) آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى ٱلأَبَدِ، رُوحُ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ ٱلْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ» (يوحنا 14: 16 و17).

  2. «وَمَتَى جَاءَ ٱلْمُعَّزِي (الباراكليت) ٱلَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ ٱلآبِ، رُوحُ ٱلْحَقِّ، ٱلَّذِي مِنْ عِنْدِ ٱلآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي» (يوحنا 15: 26).

  3. «لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ ٱلْمُعَّزِي (باراكليت) وَلٰكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ ٱلْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ» (يوحنا 16: 7،8).

  4. «وَفِيمَا هُوَ (المسيح) مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا مَوْعِدَ ٱلآبِ ٱلَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، لأَنَّ يُوحَنَّا (يحيى) عَمَّدَ بِٱلْمَاءِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ بِكَثِيرٍ» (أعمال 1: 4 و5).

  5. «وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ ٱلْخَمْسِينَ كَانَ ٱلْجَمِيعُ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ ٱلْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَٱسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَٱمْتَلأَ ٱلْجَمِيعُ (المؤمنون والرسل) مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَٱبْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ ٱلرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا» (أعمال 2: 1 - 4).

لا يخفى أن المسيح كان معلم الحواريين مدة إقامته بينهم، وكان مرشداً ومعزياً لهم ومدافعاً عنهم حتى تعلقت قلوبهم به، وهو بسابق علمه عرف أن فراقه لهم بواسطة الموت سيحزنهم جداً. وتحقق أنهم في حاجة إلى مساعدة سماوية للتقوية والإرشاد والتعزية بعد فراقه، لذلك سبق فوعدهم بالروح القدس المعزي الآخر، كما رأيت في الآيات السالفة الذكر.

وبعد إنعام النظر في هذه الآيات يتضح لنا أن الشخص الموعود به لا يمكن أن يكون محمداً نبي المسلمين لأسباب تراها في نفس الآيات:

  1. إن الموعود به غير ذي جسم «روح الحق» لذلك لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه. وهذا الوصف لا يصدق على محمد لأنه ذو جسم وقد رآه العالم المؤمن والكافر.

  2. إن الموعود به جاء ليمكث مع الحواريين إلى الأبد «ليمكث معكم إلى الأبد» وهذا أيضاً لا يصدق على محمد، لأنه لم يأت في زمن الحواريين، ولم يمكث في العالم أو معهم إلى الأبد.

  3. إن الموعود به كان وقتئذ مع الحواريين «لأنه ماكث معكم» وهذا أيضاً لا يصدق على محمد لأنه لم يكن مع الحواريين.

  4. إن المسيح أوصى الحواريين «أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا» ذاك المعزي الروح القدس. وهم إطاعة لأمر سيدهم (والمسلمون يعتقدون أن الحواريين طائعون) انتظروا عشرة أيام في أورشليم حتى جاء ذلك المعزي «وامتلأ الجميع من الروح القدس» وهذا أيضاً لا يصدق على محمد، وإلا كان يجب على الحواريين أن ينتظروا في أورشليم نحو ست مئة سنة إلى مجيء محمد، وأنىَّ لهم هذا العمر! وخصوصاً أن المسيح وعدهم بإرسال هذا الروح المعزي على عجل، وإلا فليس من فائدة للتعزية وهم موتى، فتعزيةً لهم قال: «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ بِكَثِيرٍ» (أعمال 1: 5).

ولست أظن أن الأخ المسلم يريد أن يعتقد أن المسيح هو الذي أرسل محمداً، لأن الآيات السالفة تبين أن المسيح هو الذي أرسل الروح المعزي. فإن كان ذلك فلنا معه بحث آخر، فيه يضطر أن يسلم بألوهية المسيح المرسِل، لأن محمداً كان يدّعي أنه رسول الله، فتأمل! والله أسأل أن يهب أخي المسلم هذا الروح القدس كما وهب الحواريين، كي يرشده إلى الحق ويهديه سواء السبيل، وينير ذهنه ليعرف الغث من السمين.

الخاتمة

ها قد عرفت مما سبق أنه ليس من واسطة للحصول على مغفرة الخطايا وطهارة القلب إلا المسيح، وليس من كتاب يدل على طريق هذا الخلاص إلا الكتاب المقدس التوراة والإنجيل، وليس من ديانة توفق بين عدل الله ورحمته وإظهار محبة الله للناس إلا الديانة المسيحية. فانتهز الفرصة أيها الأخ لأن الوقت وقت خلاص واليوم يوم مقبول.

والقصد من المباحث الماضية والمناظرة فيها، الوصول إلى الحقيقة والحصول على السعادة بواسطة اتباع تلك الحقيقة. والله أسأل في الختام أن يمنح أخي المسلم روحه الصالح، وينير ذهنه في تفتيشه عن الحق، ويهديه الصراط المستقيم موضوع صلاته اليومية، كي ينال الخلاص بالمسيح، والحياة الأبدية في النعيم إلى أبد الآبدين.

مسابقة الكتاب

أيها القارئ العزيز،

أيها الأخ الكريم، إن ما يتفهمه المرء جيداً يعبّر عنه بوضوح، ويستطيع أن يقوله بسهولة.

اقرأ هذا الكتاب بتأنٍ وتمعّن. لتختبر معلوماتك وتحدد موقفك بدقة تجاه هذا الموضوع الخطير، اكتب اجابتك وافكارك عن الاسئلة التالية. نحن بانتظار اجوبتك.

  1. ما هو المركز الذي يحتله الكتاب المقدس في الدين المسيحي؟

  2. ماذا يعتبر القرآن من يكفر أو لا يؤمن من المسلمين بالكتاب المقدس؟

  3. اذكر آية قرآنية تشهد بصحة التوراة والإنجيل في زمان محمد وبعده؟

  4. كيف تثبت صحة التوراة والإنجيل عقلياً؟

  5. هل يقدر القائلون بتغيير الكتاب وتحريفه أن يأتوا بالآيات المحرفة والغاية من تحريفها؟

  6. عمَّ تنبأ ناحوم النبي؟ وهل تمت نبوءته ونبوءات غيره من أنبياء الكتاب؟

  7. أعط دليلاً أثرياً من المكتشفات التي تشهد بصحة التوراة والإنجيل.

  8. على ماذ عثر العالم «سميث» في أخربة نينوى؟

  9. أذكر أسماء مخطوطات الكتاب المقدس القديمة.

  10. أعط آية قرآنية تشهد ببطلان تهمة النسخ.

  11. على أي حال خلق الله آدم وحواء؟ وهل بقيا على تلك الحالة؟

  12. اذكر آية من الكتاب المقدس يؤيدها شاهد من القرآن على فساد وزيغان جميع البشر.

  13. هل هناك دليل على وقوع الأنبياء في الخطية؟

  14. بموجب العدل الإلهي ماذا يستوجب جميع الخطاة؟

  15. إلى من كانت تشير الذبائح؟

  16. كيف تثبت موت المسيح في القرآن؟

  17. هل هناك دليل تاريخي على صلب المسيح؟

  18. بم يمتاز المسيح عن باقي الأنبياء وكافة البشر؟

  19. ماذا يقول سفر الأعمال 4: 12 عن يسوع المسيح؟

  20. كيف توضح عقيدة التثليث إذا سُئلت عنها؟

الرجاء استخدام الاستمارة الخاصة بالموقع للاتصال بنا:

www.the-good-way.com/ar/contact

إذا كنت لا تريد استخدام هذه الطريقة الالكترونية بامكانك ارسال اجاباتك عن طريق البريد العادي على العنوان التالي:


The Good Way
P.O. BOX 66
CH-8486
Rikon
Switzerland