البحث عن الحق

البحث عن الحق

الدكتور إبراهيم دشموخ


Bibliography

البحث عن الحق. إبراهيم دشموخ. الطبعة الأولى . 1991. English title: Search for the Truth. German title: Suche nach der Wahrheit.

تقديم الكتاب

بعد أن قرأت المسوَّدة الأولى للاختبار الروحي للدكتور إبراهيم دشموخ «البحث عن الحق» ورأيت المعلومات الكثيرة التي تعب في بحثها وتقديمها، اقتنعت أن هذه القصة الواقعية تأسر القلب. فإن قرار الدكتور إبراهيم لاتِّباع المسيح المخلِّص جاء نتيجة دراسة وتعمُّق، بعد صراع فكري وعاطفي. والذين يطالعون هذا الكتاب من المسيحيين الحقيقيين سيشكرون الله من أجل الدكتور دشموخ الذي تبع المسيح بأمانة بالرغم من الصعوبات الكثيرة التي واجهته. وقصة حياته توضح مقدار صعوبة طريق المتنصِّر.

على أن القصة من الجانب الآخر تُظهر أن ليس كل المتنصرين معرَّضين لفقدان عائلاتهم، فإن علاقة الدكتور دشموخ بعد إيمانه بعائلته وأصدقائه ظلت علاقة طيبة. وهو يحس أن روح الله أعانه ليعتني بجيرانه وأقربائه وأصدقائه بطريقة أفضل مما كان يفعل قبل اعتناقه للمسيحية.

ونرجو أن يعلم القارئ المسلم أن اختبار الدكتور دشموخ ليس اختباراً فريداً، فإن كثيرين من المسلمين جازوا ذات الاختبار، وهم يسألون عن طريق الخلاص من خطاياهم وعن علاقتهم الشخصية بالله. وهي مواضيع لا يستطيع إنسان أن يتغافلها، فكل إنسان يشتاق من أعماقه أن يسير مع الله. ونرجو أن الاختبار الروحي للدكتور دشموخ يساعد هؤلاء، فيهتمون بالتفتيش عن الحق.

ولا بد أن كثيرين من القراء المسلمين سيجدون أن دراسة القرآن بتعمُّق يمكن أن تنقل المسلم من إيمانه بالمسيح كما يقدمه القرآن إلى الإيمان بالمسيح كما يقدمه الإنجيل، بتعاليمه وخدمته، فيدركون معنى اسم «يسوع» المخلِّص الذي يخلِّص شعبه من خطاياهم، والذي مسحه الله كاهناً يقرّب الناس إلى الله، ونبياً يعلن للناس فكر الله، وملكاً جاء يؤسس ملكوت الله في قلوب البشر.

ولم يكن انتقال الدكتور دشموخ من الفكر القرآني إلى الفكر الإنجيلي عن السيد المسيح أمراً سهلاً. فسيكتشف القارئ الصعوبة البالغة التي واجهته حتى بدأ يدرس الكتاب المقدس متخطّياً عقبة أنه «كتاب محرَّف» وغير ذلك من العقبات التي تقف في طريق كل مسلم، فتمنعه من أن يقرأ الإنجيل بقلب مفتوح.

نتمنى للقراء جميعاً مسيحيين ومسلمين بركة من دراسة هذا الكتاب.

الناشرون

مقدمة

أصبح التحوُّل من دين إلى دين آخر ظاهرة عادية في أيامنا هذه، فإن كثيرين من أصحاب العقول المنفتحة يفتشون عن معرفة الله ليدركوا محبته الأزلية والأنس معه. وعندما يعلن الله الحق لهم يتركون خطاياهم وطرقهم القديمة ويتجهون إلى طريق الله في حياة جديدة بضمير نقي «أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ» (سورة البقرة 2: 5). ولكن هناك كثيرين يضلون عن الحق سعياً وراء الثراء، أو حتى تكتب الصحف عنهم. وقديماً لم تكن الجرائد تهتم برواية قصص الانتقال من دين إلى آخر. أما في أيامنا هذه فقد احتلت أخبار الانتقال من عقيدة إلى أخرى الصفحات الأولى من جرائدنا. وفي بعض الأحيان ينتقل مئات الناس أو الآلاف منهم، أو بلد بحالها، من دين إلى آخر بسبب الجوع، ليجدوا عند من يطعمهم الطعام والعقيدة! وهناك من يغيّرون دينهم بدوافع سياسية. ولا بد أن اعتناق الدين يجلب المنافع المادية والسياسية، كما أنه قد يسبِّب للحكومات والقادة الكثير من المشاكل.

ولقد أرشدني الله القدير أن أهجر الإسلام دين آبائي وأصبح مسيحياً. ومضت عليَّ في حياتي الجديدة مع المسيح ثمانية وعشرون عاماً. وإني أرفع التسبيح والحمد لأنه غفر خطاياي ووهبني الحياة الأبدية. ولقد لاحظت أن كثيرين من الذين يغيّرون عقيدتهم يكتبون اختبارهم الإيماني وينشرونه بسرعة. ولا غبار في نشر قصة التحوُّل بسرعة، على ألا يكون الدافع وراء ذلك اجتناء الفوائد المادية. ولقد طلب مني أحد أصدقائي المسيحيين أن أكتب اختباري، فلم أحس بدافع داخلي لأن أفعل ذلك. فلقد وجدت في قصص التحول التي قرأتها أن ما جعل الشخص يتحول إلى دين آخر أنه وجد في الجديد أفضل مما وجده في دينه القديم، مثل تعميق صلتهم الشخصية بالرب. وفي حالتي الشخصية فتشت بجدٍّ في ديانة آبائي عن طريق الله للخلاص، فقادني إلى الطريق الحق، فآمنت بالمسيح كما يعلنه الإنجيل المقدس.

فهل كان تحوُّلي معجزةً من عند الله؟ أعتقد أن كل ما جرى لي جرى بواسطة نعمته. ولكني لم أحس بدافع لأن أكتب قصة تحولي إلى المسيحية حتى التقيت بشاب مسيحي متحمس أراد أن يشارك غيره في اختباره الروحي، فأردت أن أسجل قصة حياتي وكيف صرت مسيحياً، لأستطيع بذلك أن أساعد الذين يحتاجون أن يختبروا فرح الخلاص بالمسيح. فالمجد لله الذي «يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ ٱلنَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ ٱلْحَقِّ يُقْبِلُونَ» (1تيموثاوس 2: 4).

الفصل الأول: نظرة إلى الوراء

وُلدت في 13 أغسطس (آب) 1934 في عائلة مسلمة من الطبقة المتوسطة في توديل، وهي قرية صغيرة على الساحل الغربي لبلاد الهند على شاطئ نهر صغير تحيطه الجبال العالية. وكان في قريتنا ثلاثة أنواع من الناس، أولهم المسلمون، وهم الأغلبية والأغنياء. ثم الهندوس من الطبقة العليا. أما الجماعة الثالثة فهي المنبوذون. ولم يكن في القرية معبد هندوسي، فكان الهندوس يتعبدون أمام بعض الأحجار التي دهنوها باللون الأحمر خارج نطاق القرية. أما المسلمون الكبار في السن من الرجال فكانوا يمارسون فرائض الدين الإسلامي بأمانة. لكن الشباب كانوا مشغولين بأشياء أخرى.

وكان لأبي أربعة إخوة وأختان. وكنا نعيش في بيت واحد، وكان والدي بمساعدة أخيه الأصغر يزرع قطعة أرض يملكها الإخوة جميعاً، أما أعمامي الثلاثة الآخرون فكانوا موظفين. ولم تكن عائلتي متدينة كثيراً، فكنا نكتفي بالذهاب للعبادة في الجامع كل يوم جمعة.

وكانت عادة أهل قريتنا أن نسمي الطفل الوليد على اسم أحد جدوده، أو على اسم أحد الأنبياء. كما كانوا يختارون أحد أسماء الله الحسنى، ويضيفون إليه كلمة «عبد» وهذه أسماء للرجال. أما تسمية البنات فكانت صعبة في قريتنا لأن القرآن لا يذكر إلا اسم مريم. ثم كان لدينا اسم آمنة أم نبي الإسلام، وعائشة زوجته وفاطمة ابنته. وبالطريقة نفسها اختارت العائلة لي اسم إبراهيم، ثم أضافت لقب العائلة «خان» و «دشموخ». وكانت عائلتي فخورة باسمي لأنه اسم إبراهيم خليل الله، كما أنه كان اسم جدي، واسم كثيرين من المسلمين المحترمين في قريتنا.

ولقد تبعت ديانة الإسلام، شأن بقية أسرتي. وفي سنة 1957 كنت في الثالثة والعشرين من عمري، وقد حصلت على درجة البكالوريوس في العلوم من جامعة بومباي. ولكني لم أكن قد مارست أية ديانة، ولا قرأت كتاباً دينياً، ولم تكن عندي نسخة من القرآن، ولم أكن قد تلقيت تعليماً دينياً جاداً في طفولتي. وكان في قريتنا جامع قريب من بيتنا، فكان المؤذّن يدعو المؤمنين للصلاة خمس مرات كل يوم. لكن لم يكن لجامعنا إمام، فكان واحد من الأتقياء الكبار في السن يؤمُّ الموجودين في الصلاة. وكان المؤذن يقوم بالإمامة عندما لا يوجد شخص يستطيع أن يفعل ذلك. وفي مطلع كل صباح كان الأطفال يجتمعون في الجامع لتعلُّم القرآن وحفظه، وكان بعضهم يرتل القرآن ترتيلاً جميلاً. ولما كان القرآن قد أُنزل باللغة العربية، فكان لا بد أن نحفظه باللغة العربية، حتى لو لم نفهم معاني ما نقرأ. وكان معلّمنا يصحح قراءتنا الخاطئة دون أن يوضِّح لنا المعاني. وعندما كان أحدنا ينتهي من حفظ القرآن، كنا نحتفل بذلك بأن نجتمع حول قبر أحد الأولياء الصالحين لنقرأ الفاتحة، ثم نكسر جوزة هند نسمّي عليها اسم الله ونوزّعها على الحاضرين. وكان في قريتنا أربعة أضرحة مقدسة تتميز في ظلام الليل بضوء مصباح زيتي، وكان أهل القرية يكسون الضريح سنوياً في موعد وفاة الوليّ المدفون فيه بقماش أبيض، وينثرون عليه الورود طالبين له ولنا الرحمة.

ولما لم يكن في بلدنا إمام، لم تكن هناك مدرسة إسلامية أحضرها. على أن كثيرين من الأولاد كانوا يستيقظون مبكرين ليتلوا القرآن في بيوتهم. ولكن لما كان أغلب الآباء أمّيين، لم يكونوا قادرين على أن يصححوا الأخطاء التي يرتكبها أولادهم في القراءة. وكان في قريتنا رجل عجوز يصلح شباك الصيد، ولكن بسبب عجزه لم يكن قادراً أن يذهب للجامع في أوقات الصلاة الخمس، فكان يدعو الناس للصلاة في بيته. وكان رجلاً تقياً محبوباً من الناس، وقد حفظ القرآن كله. وعندما كان يموت أحد القرويين كانوا يطلبون من ذلك الشيخ أن يقرأ القرآن ترحُّماً على الميت. وكان يتقاضى أجراً بسيطاً على تلاوته، كما كان يتلو آيات على الرمال التي ينثرونها حول البيوت ليمنعوا الحشرات السامة من الاقتراب إليها. كما كان يتلو آيات قرآنية لشفاء المرضى. ومع أنه كان يقرأ القرآن بالعربية، إلا أنه لم يكن يعرف كيف يكتب ولا أن يشرح معناه. ولكن هذا لم يمنع كثيرين من الأطفال من الذهاب إلى بيته لتعلُّم القرآن. وكنت أخاف منه لأنه كان يضرب الأطفال بعصاه.

ثم التحقت بمدرسة متوسطة تعلِّم باللغة الأردية، تديرها الحكومة في قريتنا. وبعد أن تعلمت الأبجدية الأردية والعربية حاولت أن أقرأ من القرآن الموجود في بيتنا في شهر رمضان فقط. وكنت أختار السُّور القصيرة، ولم أقرأ القرآن كله أبداً، ولا مترجماً، ولم أحاول أن أحفظ منه شيئاً.

وكان أحد التلاميذ يقرأ لنا قبل بداية دروسنا اليومية في المدرسة سورة الفاتحة، ثم كان تلميذان يقومان بقيادة بقية الطلبة في تلاوة الأذكار. وذات يوم طلب مني قائد الفصل أن أتلو سورة الفاتحة، فوقفت أرتعش، وأنا أتلو في غير نظام آيات تلك السورة. ويبدو أن قراءتي كانت رديئة للغاية، حتى أن ناظر المدرسة جاء بعصاه ليضربني. وقرر الناظر أن يخصص حصة أسبوعية لحفظ القرآن.

وعندما التحقت بمدرسة أردية داخلية في قرية قريبة أجبرونا على أداء الصلاة بانتظام. وكان الغياب عن صلاة العشاء يحرمنا من تناول وجبة العشاء. فتعلمت كيف أصلي وأركع، وحفظت كلمات الصلاة باللغة العربية. غير أني لم أستطع أن أدرك الصلة بين ما كنت أقوله من كلمات وبين ما أفعله من قيام وركوع.

وكان الصوم واجباً ثقيلاً عليَّ. فقد كان شهر رمضان طويلاً، خصوصاً عندما يجيء في شدة حرارة الصيف. ولم أكن طفلاً حتى يعفوني من الصوم، فكان لا بد من الصيام والصلاة. غير أن شهر رمضان كان يجيئنا دوماً بمكافأة، لأن المدرسة كانت تغلق أبوابها مبكراً، وكنا نتناول وجبات طعام شهية في الليل. ثم كانت عائلاتنا تعطينا مصروفاً أكبر وحلوى ألذّ وملابس جديدة.

وبقدر ما أذكر، وأرجو ألا تخونني الذاكرة، لم يكن أفراد عائلتي يمارسون دينهم كما يجب، ما عدا أختي الكبرى التي حفظت القرآن وأقامت الصلاة - ولو أنها كامرأة لم تكن تستطيع أن تذهب إلى الجامع لأداء العبادة. فلم أشعر أني أقل أو أسوأ من أي فرد من أفراد أسرتنا. وعندما انتهيت من الدارسة الثانوية كنت قد فقدت حتى القليل من تديُّني الذي تعلمته في صغري.

الفصل الثاني: البحث عن الحق

1 - الحياة في مدينة عالمية:

منذ ثلاثين سنة، كما هو الحال اليوم، يصعب على الإنسان أن يجد مكاناً لتعلُّم الطب في الهند. وكان الالتحاق بدراسة الطب يتوقف على التفوق في الأداء الدراسي في المرحلة الثانوية، وكان ذلك بلا استثناءات، فقد كانت الدراسة مفتوحة للجميع بغض النظر عن العِرْق أو الدين. وكان الشرط الوحيد أن ينال التلميذ درجات عالية في دراسته السابقة للجامعة. وبفضل من الله نجحت. وفي يونيو 1950 دخلت كلية طب «جرانت» في بومباي. وكانت معهداً عالمياً، جاءه التلاميذ من كل أمة ولغة ودين. وحتى التحاقي بالجامعة كان كل أصدقائي من المسلمين، وقليل منهم من الهندوس. ومع أني لم أكن أعرف إلا القليل عن ديانتي، إلا أن ما عرفته كان كافياً لأن يبعدني عن الهندوس الذين يعتبرهم المسلمون كفرة وعبَّاد وثن. وعليه فلا يمكن أن نصادقهم أو نتَّخذ منهم أولياء (آل عمران 3: 28 والنساء 4: 139 ، 144). ولقد افترضت أن أحجارهم أوثان يعبدونها، ولو أني لم أهتم مرة واحدة بأن أسألهم عن عقيدتهم. وكان موقفي من المسيحيين مشابهاً. صحيح أن القرآن، بحسب معلوماتي، ذكر أهل الكتاب: التوراة والزبور والإنجيل. لكني لم أر احتياجاً لأعرف أكثر عنهم، فهم مشركون يعبدون ثلاثة آلهة، واحد منهم عيسى ابن الله. ثم أنهم كانوا أذكياء في تحويل الناس إلى المسيحية. وكان رجال ديننا ينصحوننا بالتعامل مع المسلمين وحدهم، وأن نتحاشى غيرهم من الكفرة والمنافقين والمشركين والهالكين (البقرة 2: 120 وآل عمران 3: 100 ، 118 والمائدة 5: 51 ، 57 والتحريم 66: 9 والبيّنة 98: 6).

ولكن كيف يستطيع المسلم أن يتحاشى أتباع هذه الديانات وهو يدرس في جامعة عالمية مثل جامعتنا؟ لقد كان التعامل مع الممرضات شيئاً أساسياً بالنسبة للطبيب، ومعظم هؤلاء مسيحيات! فوجدت نفسي مضطراً أن أهمل نصيحة رجال ديننا. وسرعان ما اكتشفت أن صداقة الأساتذة والطلبة المسيحيين صداقة ممتعة، وكنا نتبادل أفكارنا عن إيماننا. وكنت فخوراً بانتمائي للإسلام، وبدأت أقلق بشأن مصير أصدقائي المسيحيين الطيبين الذين لن يدخلوا الجنة، لأنهم يتبعون عقائد خاطئة. ولقد تأثرت كثيراً لأن أفعال المسيحيين كانت تتفق مع تعاليمهم، فلم يكونوا يتكلمون فقط عن محبة الآخرين، بل كانوا يمارسون ذلك، فيساعدون الفقراء والمحتاجين، ويطبّقون تعاليم دينهم في حياتهم اليومية - فهل هذا هو السبب الذي جعل القرآن يتكلم عنهم أحياناً كلمات لطيفة للغاية تمدحهم، كما نقرأ في المائدة 5: 69: «إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ». وفي الآية 82 : «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ».

وأثناء وجودي في الجامعة عُرض فيلمان مسيحيان في بومباي، «كوفاديس» و «الوصايا العشر». وذهب مسلمون كثيرون لمشاهدة الفيلمين بينهم نسوة محجَّبات. واندهشتُ لأن المعلومات التي يوردها الكتاب المقدس عن موسى أكثر جداً من المعلومات الموجودة عنه في القرآن. وسألت نفسي: ألا يحتوي القرآن كل ما جاء في الكتب التي سبقته؟ ومع أني كنت مستمراً في اعتبار ديانتي الأسمى، لكني جعلت أعالج هذا السؤال دون أن أجد له جواباً.

ولقد حالت ظروفي دون أن أكمل دراستي بعد الجامعية في الطب، فتعيَّنت طبيباً في مستشفى للبرص أسسته الحكومة. وقبل أن أغادر بومباي أهداني صديق مسيحي كتاباً مقدساً، وأخذ منّي وعداً أن أقرأه، فقررت أن أقرأ القرآن أولاً، حتى لا أضل عن الصراط المستقيم. والقرآن ينذر الذين يرفضون الإسلام بالهلاك (البقرة 2: 161 ، 162 والنساء 4: 47 ، 56).

2 - قراءة القرآن:

اشتريت نسخة من القرآن باللغة العربية مع ترجمة وتفسير في اللغة الأردية، وجعلت أقرأ فيها في أوقات فراغي. واندهشت أن أجد قصة مذكورة في سورة تُذكر مرة أخرى في سورة أخرى ناقصة، فخفت من الاستمرار في القراءة. وبدلاً من أن أجد سلاماً داخلياً داهمني القلق. ثم ابتدأت نفسي تشتاق أن تقرأ الكتب الإلهية التي تحدَّث القرآن عنها، ولكني خفتُ من لعنة الله عليَّ لو أني قرأت التوراة والإنجيل. ولم يكن الخوف هو الدافع الوحيد لي، فإني لم أر مسلماً واحداً يقرأ التوراة والإنجيل، ولا حتى يحتفظ بنسخة منهما في بيته. وكان الاتهام الموجَّه إلى المسيحيين واليهود أنهم غيّروا كتبهم المنزلة. ثم أن القرآن نسخها وحلَّ محلها. بل إن بعض المسلمين قالوا: إن المسيح عندما رُفع أخذ معه الإنجيل ورفعه إلى السماء.

وأخذت أدرس القرآن فلم أجد فيه آية واحدة ضد الكتاب المقدس. كما لم أجد آية واحدة تنهاني عن قرائته، فتملكتني الحيرة والخوف، ولكني عدت أطمئن نفسي بأني لست عابد وثن، ولكني مسلم، شأني شأن كثير من المسلمين غيري، لا يمكن أن يُطلق علينا أننا «مسلمون بالإسم» لأني نطقت الشهادتين.

عند ذلك قررت أن أحصل على ترجمة للقرآن باللغة الإنجليزية لأقوّي إيماني وأزيل مخاوفي جهة قراءة الكتاب المقدس، فاشتريت نسخة ترجمها محمد مرمدوك بكتول. وهو بريطاني اعتنق الإسلام أثناء خدمته لنظام حيدر أباد منذ خمسين سنة، وكان كثيرون من مسلمي الهند يعتبرون هذه الترجمة صحيحة وسليمة. ولقد وجدت في تلك الترجمة إشارات إلى الكتب التي سبقت القرآن.

3 - آيات قرآنية عن الكتاب المقدس:

يقول القرآن إن الله أوحى للأنبياء رسالته من قبل نزول القرآن. وفي تلك الكتب هدًى ونور، وإن على الجميع أن يضعوا ثقتهم فيها ككتب منزلة (البقرة 2: 4 ، 5 ، 91 ، 97 ، 136 ، 285 و آل عمران 3: 3 ، 4 ، 84 والنساء 4: 47 ، 136 ، 163 والمائدة 5: 44 - 46 ، 48 ، 66 والأنعام 6: 93 ، 155 والأعراف 7: 145 ويونس 10: 38 الخ).

لقد كانت تلك الكتب المقدسة السابقة للقرآن موجودة أيام نزول القرآن، يقرأها اليهود والمسيحيون ويدرسونها ويعلّمونها لأولادهم، وأوصاهم القرآن أن يقيموا ما نزل بها من أحكام. ويطلق القرآن على أتباع المسيحية واليهودية لقب «أهل الكتاب» (البقرة 2: 44 ، 113 ، 121 وآل عمران 3: 78 ، 79 والمائدة 5: 43 والأنعام 6: 92 والأعراف 7: 157 ويونس 10: 95 الخ). ولم يقل القرآن أبداً إنهم أتباع كتب تحرّفت أو تغيّرت أو نُسخت.

وكلَّف القرآن اليهود والمسيحيين أن يقيموا التوراة والإنجيل ليأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم (المائدة 5: 65 ، 69). والتوراة تحكم بين بني إسرائيل (المائدة 5: 43). كما أن الإنجيل يحكم بين المسيحيين. فتقول المائدة 5: 47: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُون». ويقول القرآن إن الرسالة التي جاءت في التوارة والإنجيل جاءت مرة أخرى في القرآن، إنما بلسان عربي (الشعراء 192 - 197). فإذا جهل المسلمون شيئاً وجب عليهم أن يسألوا أهل الكتاب (النحل 16: 43). وإن كان محمد نفسه في شك مما أُنزل إليه فليسأل الذين يقرأون الكتاب من قبله لينجلي عنه الشك (يونس 10: 94 قارن الأنعام 6: 115).

ولكن هناك آيات تنتقد بعض أهل الكتاب، وتحمّلهم مسئولية تحريف كتبهم (البقرة 2: 40 - 42 ، 75 - 79 ، 101 ، 140 ، 146 ، 159 ، 174 وآل عمران 3: 70 - 72 ، 78 ، 187 والنساء 4: 46 والأعراف 6: 162). ومن هذه الآيات القرآنية يبدو أن أهل الكتاب حرَّفوا كتبهم المقدسة، وحذفوا بعض آياتها، أو أنهم أخفوها أو نسوها، وخلطوا الحق بالباطل. ووجدت أن معظم هذه الاتهامات موجَّهة ضد اليهود.

حاولت أن أصالح الآيات القرآنية التي تنتقد الكتب التي سبقتها مع الآيات القرآنية التي تشهد لنفس هذه الكتب بالصحَّة. وسألت نفسي: إن كان أهل الكتب السابقة للقرآن حرَّفوها، فلماذا يوصيهم القرآن أن يحكموا بما جاء فيها؟! ولإجابة هذا السؤال هناك احتمالان لا بد أن يكون أحدهما صحيحاً. (1) إن القرآن يناقض نفسه. (2) تحريف بعض آيات التوراة والإنجيل وإخفاؤها ينصبّ على تأويل تلك الكتب وتفسيرها، وليس على نصوصها. فلقد بقيت الكلمات والنصوص كما هي، ولو أن اليهود والنصارى أساءوا تفسيرها. إن تحريف نصوص التوراة والإنجيل يقتضي ليس فقط اتفاق اليهود جميعاً والمسيحيين جميعاً بكل طوائفهم على التغيير، لكنه يقتضي أيضاً اتفاق هؤلاء جميعاً معاً على ما يجب حذفه وتغييره، وما يجب أن يبقى كما هو!! وهذا شيء مستحيل. فوصلتُ إلى نتيجة أن التغيير، والإخفاء، وليَّ الألسنة، هي اتهامات موجهة ضد اليهود والمسيحيين الموجودين وقت نزول القرآن. أما كتبهم فقد بقيت سليمة ليقرأوها ويحكموا بما جاء بها. ولم أجد أي نص قرآني أو حديث نبوي يقول إن القرآن نسخ الكتاب المقدس وحلَّ محله. كما لم أجد أيضاً نصاً واحداً يقول إن الإنجيل ارتفع إلى السماء عندما ارتفع المسيح.

فهل شكك بعض المسلمين المخلصين الذين يحترمون القرآن، بقصد أو بغير قصد، في سلامة الكتب المقدسة التي جاءت قبل القرآن؟ وهل هم الذين يفسرون القرآن بأن يُخْفوا أجزاء منه، أو يلووا به ألسنتهم؟ لقد اندهشت وأنا أدرس الاكتشافات الحفرية الحديثة التي شهدت لصحة الكتاب المقدس وبرهنتها. كما أني أعلم أن المسيحيين واليهود متعلّمون، وأمناء للحق، وهم طوائف يختلفون في بعض العقائد، ولكنهم لم يختلفوا قط في أن كتابهم المعطى لهم من عند الله بقي سليماً كما هو.

4 - قراءة الكتاب المقدس:

بعد أن اكتشفت براهين قرآنية كثيرة تشهد بوجود وصحة وسلامة ما سبقها من كتب مقدسة، قررت أن أدرس الكتاب المقدس. ولكي يكون ضميري مستريحاً، ومخافة إغضاب الله سبحانه ، قرأت مرة أخرى الآيات الأولى من سورة البقرة.

وقال لي أصدقائي المسيحيون إن الكتاب المقدس يتكون من جزءين: العهد القديم، وهو يحتوي على تسعة وثلاثين سفراً أُوحي بها قبل مجيء المسيح. ثم العهد الجديد، وهو يحتوي على سبعة وعشرين سفراً، بما فيها الأناجيل التي تروي قصة حياة المسيح، وكتابات الرسل التي تروي اختبارات الكنيسة الأولى.

وتحتاج الدراسة الجادة في الكتاب المقدس إلى شهور، خصوصاً من شخص مثلي عليه مسئوليات كثيرة. ولقد تأثرت كثيراً من القراءة الأولى، ولكني وجدت اختلافات بين القصص القرآنية والقصص الكتابية، الأمر الذي حيّرني كثيراً.

5 - اختلافات بين القصص القرآنية والقصص الكتابية:

يلاحظ حتى القارئ السطحي للقرآن والكتاب المقدس اتفاقات واختلافات بينهما. أما الاتفاقات فلا تثير انتباه أحد، خصوصاً من المسلمين الذين يؤمنون بالكتب المقدسة كلها ككلمة الله. ولكن ماذا عن الاختلافات؟ هل قصد الله أن يحذف من الكتاب المقدس قصص معجزاتٍ يذكرها بعد ذلك في القرآن؟ خذ مثلاً أمر الله للملائكة بالسجود لآدم، ورفض إبليس ذلك (الحجر 15: 30 ، 31 وطه 20: 116). فلماذا حذف الكتاب المقدس هذه القصة؟ ولماذا لم يذكر الكتاب المقدس قصة زيارة إبراهيم لمكة وبناء الكعبة؟(البقرة 2: 125) مع أن الكتاب المقدس قدَّم سيرة إبراهيم باستفاضة؟ لماذا لم يذكر الكتاب المقدس قصة النساء اللواتي قطعن أيديهن بالسكاكين عندما رأين طلعة يوسف الجميلة (يوسف 12: 31). ولماذا لم يذكر الكتاب المقدس أن سليمان كان يعرف لغة النمل والهدهد (النمل 27: 16)؟ ولماذا لم تذكر التوراة قصة لعنة الله وغضبه على الذين جعل منهم قردة وخنازير، مع أن الكتاب المقدس لم يكن رحيماً أبداً بخطايا القوم (المائدة 5: 60)؟ ولماذا يقول الكتاب المقدس إن كل عائلة نوح نجت من الطوفان، بينما يقول القرآن إن أحد أبناء نوح هلك في الطوفان (هود 11: 42)؟ وتقول التوراة إن هارون هو الذي قام بعمل العجل، ولكن القرآن يقول إن السامري هو الذي عمله (طه 85). فهل يمكن أن يكون هناك شخص واحد يحمل اسمين مختلفين؟ أو لماذا يتغيّر الاسم الذي يورده الكتاب المقدس بعد عدة قرون؟ ولماذا يقول القرآن إن مريم أم المسيح هي أخت هارون؟ هل يمكن أن نقول إن السامري المُشار إليه في سورة طه هو واحد من السامريين أعداء اليهود في زمن المسيح؟

ولماذا هناك اختلاف حول مكان ميلاد المسيح؟ (مريم 19: 22). ولماذا يعزو القرآن إلى المسيح إجراء معجزات في طفولته (مريم 19: 30 وآل عمران 3: 49)؟ بينما يقول الإنجيل إن المسيح أجرى معجزته الأولى في قانا الجليل عندما كان في الثلاثين من عمره؟ ولماذا يقول القرآن إن المسيح لم يُصلب (النساء 4: 157) مع أنه يعلن أن النيَّة كانت منعقدة على صلبه - بينما يوضح الإنجيل في شواهد كثيرة للغاية معنى الصليب وأهميته وحدوثه، كما تم دفن المسيح، وقيامته من الموت؟

وما قيمة إنكار القرآن لبنوّة المسيح التناسلية، الأمر الذي ينكره الإنجيل أيضاً (الأنعام 6: 102) بينما لم يحاول القرآن أبداً أن يعلن المفهوم الإنجيلي لشخصية المسيح كابن لله بمعنى روحي معنوي؟ ألا يدرك الإنسان عند قراءة القرآن أن المسيحيين يؤمنون بثلاثة آلهة (النساء 4: 171 والمائدة 5: 73 ، 116) وهكذا تختلف فكرة المسلم عن فكرة المسيحي الذي يدرس عقيدة التثليث كما جاءت في الكتاب المقدس؟

ومن الأسئلة التي شغلتني كثيراً ولم أجد لها جواباً، السؤال: إذا كان اتفاق القرآن والكتاب المقدس في بعض القصص التاريخية يعني أنهما من أصل واحد، فماذا يعني احتواء القرآن على قصص وحكايات لا ذكر لها إلا في بعض كتب البوذيين واليهود، مما لا صلة له بالواقع والتاريخ والوحي؟! من ذلك قصة إلقاء إبراهيم في النار، وقصة عرش الملكة بلقيس ملكة سبأ، وحكاية السامري وموسى وهارون وصناعة العجل المذهَّب، وحديث المسيح في المهد، وقصة سكن مريم في هيكل الرب، وقصة معراج محمد وأصحاب الكهف... الخ.

6 - هل يحتوي القرآن على كل المعرفة اللازمة؟

ولماذا يقول المسلمون: إن القرآن يحتوي على كل ما يحتاج الإنسان أن يعرفه من الكتب الموجودة قبله، مع أن القرآن لا يذكر كثيرين من أنبياء التوراة؟ هل يقصد القرآن أن الأنبياء مثل إشعياء وإرميا وحزقيال وهوشع وعاموس وميخا وغيرهم (ممن لا يذكرهم القرآن) هم غير ذي فائدة لنا نحن اليوم، ولذلك أغفل ذكرهم؟ وكيف نكرم الأنبياء ونحن نغفل ذكر أسمائهم ورسالتهم؟ أليس عندهم ما يعلّمونه لنا اليوم عن الله والتاريخ والبشر؟ وإن كنا لا نحتاج من المعلومات إلا القليل، فلماذا يذكر القرآن مواعظ بعض الأنبياء، ثم يكرر ذكرها عدة مرات؟

ثم ماذا عن السيد المسيح الذي يقدم الكتاب المقدس لنا الكثير عن تعليمه عن الله، والجار، ويقدم لنا أمثاله عن ملكوت الله، ومعجزاته الكثيرة، وأحاديثه مع تلاميذه، بينما يغفل القرآن ذكر مَثَل السامري الصالح والابن الضال؟ هل يمكن أن نغفل مثل هذه الأمثال الجميلة ولا نسمعها؟ وهل يمكن أن نستغني عن تعاليم المسيح عن التواضع والمحبة؟

استمع لهذه الكلمات الرائعة عن المحبة:

«إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ ٱلنَّاسِ وَٱلْمَلاَئِكَةِ وَلٰكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاساً يَطِنُّ أَوْ صَنْجاً يَرِنُّ. وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ ٱلأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ ٱلإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ ٱلْجِبَالَ، وَلٰكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئاً. وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلٰكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئاً. ٱلْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. ٱلْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ ٱلسُّوءَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِٱلإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِٱلْحَقِّ. وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَداً. وَأَمَّا ٱلنُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَٱلأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَٱلْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ. أَمَّا ٱلآنَ فَيَثْبُتُ ٱلإِيمَانُ وَٱلرَّجَاءُ وَٱلْمَحَبَّةُ، هٰذِهِ ٱلثَّلاَثَةُ وَلٰكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ ٱلْمَحَبَّةُ» (1 كورنثوس 13: 1 - 8 ، 13).

هل يمكن أن كلاماً كهذا يكون قد نُسخ؟ هل يمكن أن تكون مثل هذه الكلمات التي يحتاجها البشر عن المحبة رُفعت إلى السماء؟ ألا يحتاج الناس بعد إليها؟ أليس غريباً أن يكون المسيحيون منافقين، يغيّرون إنجيلهم، ثم يتركون مثل هذه الترنيمة الرائعة عن المحبة، وهي التي تذكّرهم بضرورة المحبة لله وللناس؟ وهل يوجد في القرآن مثل هذه الكلمات عن المحبة، أو مثل معانيها؟ لقد أثارت هذه الأسئلة الكثيرة تفكيري باستمرار.

7 - ادّعاءات قرآنية:

كل من يقرأ القرآن يرى ادّعاءاته الواضحة. فهو كلمة الله، ولا تبديل لكلمات الله (يونس 10: 65). وقد أنزله الله إلى محمد ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور (إبراهيم 14: 1) ولا يأتيه الباطل ولا العوج، وليس فيه أي اختلاف (فصلت 41: 42 والزمر 39: 28 والنساء 4: 82) ولئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله (الإسراء 17: 88). ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً (الكهف 18: 2).

ولكن هل يؤيد تاريخ القرآن وطبيعته ومحتواه صدق هذه الادّعاءات؟

أذكر هنا بعض الصعوبات التي واجهتني. لم أجد في القرآن تسلسلاً تاريخياً، ولم أجد زمن أو مكان حدوث أية حادثة. إن به متناقضات تاريخية، وتجد أحياناً أن التسلسل التاريخي غير صحيح.

وجعلت أدرس الأحاديث عن كيف جُمع القرآن أيام عثمان، الخليفة الإسلامي الثالث. وسألت نفسي إن كان القرآن الموجود بين أيدينا اليوم هو نفس القرآن الذي أُنزل على محمد، خصوصاً وأن عثمان أعدم كل النسخ التي سبقت النسخة التي وافق عليها من القرآن. وبالرغم من أن نُسخ القرآن السابقة لعثمان قد دُمرت (كما ذكرنا) إلا أن بعض الصحابة أخذوا ينتقدون عثمان على ما أسقط من القرآن. ولقد وجدت أن للقرآن قراءات كثيرة مختلفة حتى قيل تبريراً لذلك إنه نزل على سبعة أحرف. وقد وافق محمد على عدة قراءات متناقضة للقرآن، وقال إنها كلها صحيحة رغم تعارضها بعضها مع بعض. ولقد وجدت أن تقديم هذه الأسئلة لأصدقائي يثير حماستهم العاطفية ضدي، ولا يلقي أضواءً عقلانية تنير لي طريق بحثي.

8 - الناسخ والمنسوخ:

وحيَّرتني مشكلة الناسخ والمنسوخ في القرآن، ووجدت كثيرين من المسلمين المعاصرين يحاولون أن يفسروا النظرية القديمة للناسخ والمنسوخ ليحلّوا مشاكل تعترض تفكيرهم بخصوص القرآن. قال البعض: إن القرآن ناسخ ينسخ الإعلانات الإلهية التي سبقته، مع أن القرآن لا يقول هذا مطلقاً. ولكن ما ورد فيه من ناسخ ومنسوخ إنما يختص بالآيات القرآنية وحدها. فيقول القرآن لمحمد: «سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ» (سورة الأعلى 87: 6 ، 7). «مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (سورة البقرة 2: 106). «وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» (سورة النحل 16: 101).

ولقد اعترف مفسرو القرآن الأولون بالصعوبات التي واجهتهم في موضوع الناسخ والمنسوخ. ولكني جعلت أسأل نفسي: هل يمكن أن تتغير كلمات الله الذي لا تغيير عنده؟ علماً بأن القرآن ليس واضحاً في شرح موضوع الناسخ والمنسوخ، فهو لا يخبرنا أية آية هي الناسخة، ولا أية آية هي المنسوخة. لذلك قام الفقهاء المسلمون بعمل قوائم بالآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن.

9 - كيف انتشر الإسلام؟

وتبرز صعوبة الناسخ والمنسوخ في الآيات القرآنية عندما نجيء إلى عدم الإكراه في الدين، ثم استخدام السيف لنشر الدين. واندهشت من التفاسير المختلفة التي قدمها فقهاء الإسلام في ذلك. فماذا يعني القرآن عندما يقول: «لا إكراه في الدين» (قارن البقرة 2: 256 ويونس 10: 100) هذه الآية تناقضها الآيات التي تقول إن الدين عند الله الإسلام، وإن الله يرفض كل ما عدا ذلك (آل عمران 3: 85 والبقرة 2: 161 ، 162). ولماذا كانت هناك حملات حربية ضد القوافل المسافرة من مكة وإليها؟ ولماذا طُرد اليهود من المدينة؟ ولماذا الإشارة المستمرة إلى الجهاد؟ أليس دفع السيئة بالتي هي أحسن طريقة أفضل؟ (المؤمنون 23: 96). فإن القرآن يقول: «فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ» (سورة المائدة 5: 13). ألا يكون الجهاد إذاً ناسخاً لهذه الآيات المتسامحة مع غير المسلمين.

ويحاول بعض المسلمين أن يخففوا هذا التناقض بقولهم: إن الإسلام يعلّم الجهاد للدفاع عن النفس. ولكن آيات القرآن تقول غير ذلك. فماذا عساهم يقولون في الآيات التالية: «فَٱقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُا ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قَاتِلُوا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا ٱلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» (سورة التوبة 9: 5، 29، 30). وبماذا يفسرون قول القرآن: «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ» (سورة الأنفال 8: 39).

فهل يحل الناسخ والمنسوخ مشكلة التناقض بين هذه الآيات القرآنية؟ وإن كان هناك ناسخ ومنسوخ، فأية آيات تنسخ الآخرى؟ هل آيات التسامح تنسخ آيات الحرب أم العكس؟ لقد ذكرنا أن رجال الدين المسلمين وضعوا قوائم بالناسخ والمنسوخ - لكن ماذا لو أن قوائمهم كانت خاطئة؟

لقد صدمتني هذه الآيات المتناقضة كثيراً، فكيف يمكن أن تتواجد معاً وهي متناقضة في اللوح المحفوظ من قبل خلق العالم؟ غير أني وجدت أن انتشار الإسلام السريع في العالم بُني على آيات الحرب والجهاد.

10 - طريق بديل:

لقد تساءلت عن صحة الادعاءات القرآنية. هل الإيمان الإسلامي صادق، وهل يصلح أن يكون القرآن هو المصدر الرئيسي للعقيدة لكل البشر في كل زمان؟ إن آيات السيف تناقض آيات الإنجيل المقدس مناقضة تامة. لنقرأ مثلاً:

«وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضاً بَعْضُكُمْ بَعْضاً. بِهٰذَا يَعْرِفُ ٱلْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضاً لِبَعْضٍ» (يوحنا 13: 34، 35). «إِنْ أَحْبَبْتُمُ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ ٱلْخُطَاةَ أَيْضاً يُحِبُّونَ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ. وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى ٱلَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ، فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ ٱلْخُطَاةَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هٰكَذَا. وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ ٱلَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ، فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ ٱلْخُطَاةَ أَيْضاً يُقْرِضُونَ ٱلْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ ٱلْمِثْلَ. بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئاً، فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيماً وَتَكُونُوا بَنِي ٱلْعَلِيِّ، فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ ٱلشَّاكِرِينَ وَٱلأَشْرَارِ. فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ» (لوقا 6: 32 - 36).

«بَارِكُوا عَلَى ٱلَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُمْ. بَارِكُوا وَلاَ تَلْعَنُوا. فَرَحاً مَعَ ٱلْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ ٱلْبَاكِينَ. مُهْتَمِّينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ ٱهْتِمَاماً وَاحِداً، غَيْرَ مُهْتَمِّينَ بِٱلأُمُورِ ٱلْعَالِيَةِ بَلْ مُنْقَادِينَ إِلَى ٱلْمُتَّضِعِينَ. لاَ تَكُونُوا حُكَمَاءَ عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ. لاَ تُجَازُوا أَحَداً عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ. مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ قُدَّامَ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ. إِنْ كَانَ مُمْكِناً فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ ٱلنَّاسِ. لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَاناً لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِيَ ٱلنَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ ٱلرَّبُّ. فَإِنْ جَاعَ عَدُّوُكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَٱسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هٰذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ. لاَ يَغْلِبَنَّكَ ٱلشَّرُّ بَلِ ٱغْلِبِ ٱلشَّرَّ بِٱلْخَيْرِ» (رومية 12: 14 - 21).

أين هذه التعاليم من قول القرآن:

«لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ» (سورة المجادلة 58: 22).

«يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» (سورة المائدة 5: 51).

فهل يظن المسلمون أن آيات الإنجيل هذه، التي تعلّم عن التسامح لا قيمة لها اليوم، وأنها نُسخت؟ وهل قرأ المسلمون هذه الآيات وفكروا في معانيها قبل أن يرفضوها باعتبار أنها منسوخة؟

11 - معضلتي:

تموت المعتقدات ببطء وبصعوبة، حتى لو لم يكن الإنسان يحيا بحسب معتقداته. وعندما يحس الإنسان بالتهديد تموت عقائده بصعوبة أكبر. لكن هل كان كتبة الآيات التي اقتبستها هنا من الإنجيل مصدر تهديد لإيماني، حتى أعتبر أنهم أعدائي؟ لقد صارت عندي تحفُّظات حول ما يدَّعيه القرآن لنفسه. لم أكن قد وصلت بعد إلى المرحلة التي فيها أتَّفق مع أهل مكة في مقاومتهم للقرآن وللرسالة المحمدية. تلك الانتقادات التي ذكرها القرآن وأجاب عليها. لم أكن مستريحاً للتناقض بين الكتاب المقدس والقرآن، ولا لادّعاء القرآن أنه يحوي كل ما في الكتاب المقدس. كما لم أكن مستريحاً لطريقة جمع القرآن وتكوينه، ولا لمسألة الناسخ والمنسوخ، ولا لمسألة الأمر بالجهاد والاعتراض عليه، رغم أن الجهاد أصبح واقعاً حربياً للأمة الإسلامية. وقد أدت هذه التحفُّظات إلى اهتزاز إيماني بالقرآن وما ادّعاه محمد.

ولم تساعدني الأحاديث في شيء. صحيح أن الإسلام يعتمد الحديث كمصدر أساسي لتفسير القرآن، وصحيح أن في الحديث منطقاً تاريخياً. ولكني ذُهلت أن كثيرين من المسلمين المتعلمين يرفضون بعض الأحاديث! وهذا زاد شكي في القرآن نفسه. وبدا غريباً لي أن الأحاديث التي تُعتبر لازمة ولا غنى عنها لفهم القرآن، تقدم نفس الادّعاء الذي يقوله القرآن عن تفرُّد القرآن وكفايته.

واعترضتني مشكلة كبيرة تعترض الناس جميعاً حينما يعتقدون أن الله قدوس، وأن وصاياه صالحة - عبَّر عنها نبي الله داود بالقول: «إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ ٱلآثَامَ يَا رَبُّ يَا سَيِّدُ، فَمَنْ يَقِفُ؟» (مزمور 130: 3). ولقد عبَّر الشاعر غالب الفارسي في قصيدة باللغة الأردية عن صرخة صاحب المزمور، التي هي صرخة كل إنسان، وصرختي أنا، فقال: «إني أتذكر ندوب وآثار جراحات الرغبات التي لم تتحقق. آه يا الله! لا تطالبني بسجلّ خطاياي!».

أليست نعمة الله هي العلاج الوحيد لخطية الإنسان؟

الفصل الثالث: التحوُّل - خطيتي وخلاص الله

لما درست القرآن وجدت أنه لا خطأ في أن أستشير أهل الكتاب، فهكذا أمر القرآن محمداً (يونس 10: 94). فلماذا لا أستشير كتب أهل الكتاب، وهي مترجمة في لغتي التي أفهمها؟ لقد شعرت من قبل بجاذبية نحوها، لكن عندما بدأت أدرسها بعمق جذبتني كالمغناطيس، أو إن شئت فقل إنها كانت كالمصباح الذي يجتذب الفراشة.

1 - الخطية خاطئة جداً:

«لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ ٱلإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ ٱلْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي ٱلإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟» (متّى 16: 26).

يتحدث القرآن والكتاب المقدس عن جنة عاش فيها أبوانا الأولان، آدم وحواء، في توافق مع الله. وكانت علاقتهما بالله قريبة وشخصية، لأن الخطية لم تكن قد لطختهما بعد. وتقول الكتب جميعاً إن آدم وحواء كانا مسئولين أمام الله. لكن عندما عصيا أمره طردهما من الجنة، ولم يعودا إليها أبداً، كما لم يدخلها واحد من نسلهما. ومنذ ذلك الوقت صار الإنسان في صراع ضد الله وضد الآخرين وضد نفسه. ويروي الكتاب المقدس والقرآن معاً قصة سقوط الجنس البشري المحزنة.

ولكن هل يهتم الله حقاً بعصيان الإنسان وما نتج عن ذلك، أو هل يبقى الله بعيداً عن ذلك كله لا يهتم به؟ فإن كان لا يهتم، فلماذا أرسل الهدى للبشر، ولماذا يكافئ الطائعين ويعاقب العصاة؟ ولماذا يرضى ويُسرّ بالخير ويغضب على الشر؟ أما إن كان الله يهتم، ألا يليق بنا أن نفكر في علاقتنا به. ولا نفكر فقط في أوامره التي عصيناها، بل أيضاً في صاحب الأمر الذي لم نستمع له؟

إني أدرك كيف يعيش البشر بوجهين، ويكيلون بمكيالين. وكنت أتمنى لو أن الله تغاضى عن عقاب عصياني. ولكني في قلبي كنت أدرك أنه يهتم ويعاقب العصاة، وهذا يعني أنه يريد أن يغفر لكل من يحس بالأسى والحزن على العصيان، لأن كسر أمر الله عصيان على الله نفسه. لقد كنت أدرك أني خاطئ ومريض روحياً، وأن خطاياي تضايق الله وتجعله يغضب. وكنت محتاجاً للتوبة وأن أختبر الغفران والعناية الإلهية الروحية. وفتشت وبحثت أكثر فوجدت أني محتاج أن أخلُص من نفسي الأمَّارة بالسوء، وأن أتغيَّر في الداخل. فإن كانت الدمامل عوارض لمرض داخلي، فإن الخطايا أعراض لمرض القلب الروحي.

2 - الخطية والخلاص من منظور إسلامي:

كل من يقرأ القرآن يكتشف الآيات التي تصف رعب الجحيم، وملذّات أهل الجنة، والطريق الذي يؤدي إلى الاثنين (سورة الحاقة 69: 13 - 52). ولم تكن الحياة في هذا العالم والعالم الآتي مسألة دراسة أكاديمية بالنسبة لي، بل كانت أمراً أصابني بالرعب من الآخرة التي تنتظرني. وبدأت أسأل: كيف أهرب من الجحيم وأدخل الجنة؟ فهل قلق القارئ على مصيره الأبدي، وهل قرأ كلمة الله ليجد طريق النجاة؟ لقد اندهشت أن كثيرين يتلون القرآن ككلمة الله ومصدر الحكمة والمعرفة، ولكن قليلين منهم يقرأونه ليكلّمهم شخصياً عن مصيرهم الأبدي. ولقد وجدت الآيات الآتية التي تتحدث عن خطية الإنسان وخلاص نفسه:

  1. هناك آيات قرآنية كثيرة تشير إلى خطية الإنسان ونسيانه وعصيانه ونفاقه. وحتى لو كان للإنسان اسم حسن بين الناس، فإنه في داخله محتاج إلى التوبة والمغفرة. وهناك خطايا لا يمكن أن تكون لها مغفرة هي الشرك والكفر (النساء 4: 116). ومع أننا نغفر للآخرين، وقد يغفر الآخرون لنا لكن غفران الله لنا يتوقف عليه وحده (الحجر 15: 49 ، 50 وآل عمران 3: 129 والنساء 4: 17 ، 18).

  2. يرتبط دخول الجنة بالإيمان بالله والأعمال الصالحة (البقرة 2: 62). والإيمان بالله يعني الإيمان باليوم الآخِر والملائكة والكتب والرسل، خصوصاً خاتمة الأنبياء والمرسلين «محمد» وطاعتهم (البقرة 2: 177). ويرتبط بالإيمان النطق بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. ويقول القرآن إن الدين المقبول الوحيد عند الله هو الإسلام (آل عمران 3: 85). ولذلك فإن الارتباط بالأمة الإسلامية سبب رئيسي للسعادة الأبدية.

  3. الله عادل، والبشر جميعاً مسئولون أمامه. وهم يتخذون قرارهم بأن يقبلوا هدى الله أو يرفضونه، وعليهم وحدهم يتوقف مصيرهم. «وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا ٱلصَّلاَةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ» (سورة فاطر 35: 18). نعم لا تزر وازرة وزر أخرى، فالله يرى ويسمع ويعرف كل عمل ولا يخفى عنه شيء ولا تغيب عن معرفته حقيقة، فالقرآن نذير لنا.

  4. ويوحي القرآن إلينا بإمكانية الشفاعة بإذن الله، ولكنه لا يذكر لنا تحت أي شروط تصبح هذه الشفاعة فعَّالة (الزمر 39: 44 ، سبأ 34: 23).

  5. الله غفور رحيم كما تقول كل السور (الزمر 39: 53، 54 والأنعام 6: 12).

  6. صحيح أن الله يهدي لكنه يُضلُّ أيضاً (الزمر 39: 23، 36، 37 والنحل 16: 93 والإسراء 17: 97). فالله صاحب السلطان الكامل على مصير الإنسان الأبدي وعلى الخليقة كلها. وعلى هذا فإن مصير الإنسان يتوقف على إرادة الله (الأنعام 6: 150 والإسراء 17: 54).

فإن كان الإنسان لا يمكن أن يعرف مصيره الأبدي، فكيف أعرف أنا؟ وكيف أعرف الآن أو فيما بعد إن كان إيماني وأعمالي مقبولين أمام الله؟ هل يقبل توبتي؟ هل يغفر خطئي؟ هل يرحمني؟ فإن لم أكن أعرف، فما معنى توبتي وطلبي للغفران؟ لقد قرأت عن الجحيم «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً» (سورة مريم 19: 71). فكيف أهرب من هذا، حتى لو قمت بكل العمل الصالح؟ لقد كُتب على كل إنسان أن يدخل الجحيم! وإذا كان عمر (وهو من المبشَّرين بالجنة) يقول: «لو أن رجلي الواحدة داخل الجنة، والأخرى خارجها، ما أمنت مكر الله» فما عساي أن أفعل أنا؟ (طبقات الشافعية للسبكي جزء 3 صفحة 56 من أسفل وتذكرة الأولياء للعطارج 2 صفحة 178).

ويؤمن المسلمون أن القرآن هو معجزة الله العظيمة وبركته للبشر، ويقولون إنهم يجدون فيه الهدى. وحسناً يفعلون. لكن هل يتبعون هذا الهدى؟ وهل يعطيهم هذا الهدى تأكيد الله بخلاصهم الشخصي؟ لقد تألمت جداً لأني لم أجد في القرآن إجابة تشبع احتياجي. وفي يأسي تركت التفتيش والبحث، ولو أن عطشي الروحي كان يزيد وأنا أحاول أن أرويه من القرآن بغير فائدة.

3 - خلاص الله بالمسيح:

في موعظة ألقاها كليم الله موسى قال: «إِنْ طَلَبْتَ مِنْ هُنَاكَ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ تَجِدْهُ إِذَا ٱلْتَمَسْتَهُ بِكُلِّ قَلْبِكَ وَبِكُلِّ نَفْسِكَ. عِنْدَمَا ضُيِّقَ عَلَيْكَ وَأَصَابَتْكَ كُلُّ هٰذِهِ ٱلأُمُورِ فِي آخِرِ ٱلأَيَّامِ، تَرْجِعُ إِلَى ٱلرَّبِّ إِلٰهِكَ وَتَسْمَعُ لِقَوْلِهِ، لأَنَّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ إِلٰهٌ رَحِيمٌ، لاَ يَتْرُكُكَ وَلاَ يُهْلِكُكَ وَلاَ يَنْسَى عَهْدَ آبَائِكَ ٱلَّذِي أَقْسَمَ لَهُمْ عَلَيْهِ» (التثنية 4: 29 - 31).

عندما يقرأ إنسان مكتف بحياته راضٍ عنها، ناسياً لخطاياه، مثل هذه الكلمات مئات المرات، فلن تعني الكثير بالنسبة له. أما أنا، وبسبب قلقي على مصيري الأبدي، فقد بعثت هذه الكلمات فيَّ أملاً جديداً، وقادتني إلى دراسة أعمق للكتاب المقدس. وبدأت الدراسة، لا بالنقد البارد، ولا كقراءة اطّلاع لمجرد المعرفة، بل قراءة العطشان إلى مغفرة الله. وقد كلمتني آيات أخرى في الإنجيل المقدس بصوت واضح وعالٍ، مثل «لأَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (لوقا 19: 10). وقول المسيح: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هٰذَا ٱلْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً. وَلٰكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ ٱلْمَاءِ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى ٱلأَبَدِ، بَلِ ٱلْمَاءُ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ» (يوحنا 4: 13، 14).

وقول المسيح:

«لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ ٱللّٰهُ ٱبْنَهُ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِيَدِينَ ٱلْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ ٱلْعَالَمُ» (يوحنا 3: 16، 17).

«تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (متّى 11: 28).

وكمسلم كنت أعلم أن المسيحيين منحرفون عن الصواب، لأنهم يؤمنون أن المسيح هو ابن الله، وأنه صُلب فعلاً، فليس المسيح أكثر ولا أقل من نبي مرسل من عند الله. وكانت فكرة أن الله يترك نبياً صالحاً كالمسيح ليد أعدائه ليصلبوه فكرة غير معقولة ومرفوضة! ولكن البراهين الكتابية على ما قاله المسيحيون جعلتني أعيد حساباتي. فلماذا يخترع المسيحيون مثل هذه الأفكار غير المعقولة ويتعلّقون بها؟ وهل المسيحيون متخلّفون عقلياً، أو هل هم مصابون بالكبرياء الروحية حتى يعتنقوا مثل هذه المعتقدات غير المعقولة؟ وقلت لنفسي: من الصواب أن يستمع الإنسان إلى آرائهم ويقرأ كتبهم، ويجعل كتابهم المقدس يدافع عن نفسه بما يقوله، بدلاً من أن نقول له ما يجب أن يعلنه وما لا يجب. إن الكتاب المقدس يقول إن «اَللّٰهَ مَحَبَّةٌ» (1يوحنا 4: 9، 16). فإن كان الله محبة كما يعلن الإنجيل، فلماذا لا يظهر شخصياً في عالم يحتاج إلى محبته احتياجاً شديداً؟ لقد ارتفعت محبة الله إلى أسمى مستوى عندما نزلت إلى أعمق وأحطّ مستوى، لتعلن رسالة فرح للنفوس الخاطئة البعيدة عن الله! إن كلمة «إنجيل» تعني أخبار مفرحة، والخبر المفرح هو أن الله يحب البشر. ويقول الإنجيل المقدس في ذلك:

«فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللّٰهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ. هٰذَا كَانَ فِي ٱلْبَدْءِ عِنْدَ ٱللّٰهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ ٱلْحَيَاةُ، وَٱلْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ ٱلنَّاسِ، وَٱلنُّورُ يُضِيءُ فِي ٱلظُّلْمَةِ، وَٱلظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ. وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً» (يوحنا 1: 1 - 5، 14).

وكلمات الإنجيل هذه تقول: إن المسيح كلمة الله الأزلي صار إنساناً. وككلمة الله يمكن أن نسميه «ابن الله». «كلمة الله» صار «يسوع» المولود من العذراء القديسة مريم بقوة الروح القدس. لقد كان وجود المسيح «كلمة الله وابنه» مستقلاً عن العذراء مريم. فإن كلمة الله، ابن الله، كان موجوداً من قبل وجود العذراء مريم. لكنه من رحمها أخذ جسداً. وهكذا وبطريقة لم يسبقه إليها أحد، ولم يلحقه بها أحد، أصبح ابن الله ابن مريم. والمسيحيون، شأنهم شأن المسلمين، يعتقدون أن بنويّة المسيح لله بنوية روحية. وأي خاطر عن صلة جنسية في هذه البنوية كفر مبين. وإني اليوم، بعد أن صرت مسيحياً، لا أجد أي مشكلة في أن أتلو سورة الإخلاص، لأني، شأني شأن غيري من المسيحيين، أومن أن الله واحد، وأنه لم يتزوج، وأن كون المسيح ابناً لله لا يعني عدم وحدانية الله. بالعكس، فإنه بحسب الكتاب المقدس تكون بنويّة المسيح لله برهاناً على وحدانية الله.

ولما كان الله محبة، ومحبة مقدسة، فإن صليب المسيح يصبح أمراً معقولاً. ولنتأمل في الآيات الثلاث التالية:

«بِهٰذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ فِينَا: أَنَّ ٱللّٰهَ قَدْ أَرْسَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ. فِي هٰذَا هِيَ ٱلْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا ٱللّٰهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ٱبْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا» (1يوحنا 4: 9 ، 10).

«ٱللّٰهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لأَجْلِنَا» (رومية 5: 8).

والإنسان الطبيعي، الذي يفكر بالفطرة، يحتقر الخطاة ويكرههم. ولكننا جميعاً نستثني أنفسنا من هذه الكراهية! فعندما أخطئ لا أحتقر نفسي. ولكني أحاول أن أحبها وأغفر لها. وهكذا الأمهات، فالأم تحب ابنها مهما أخطأ ومهما انحرف، وهي تأمل دوماً في إصلاح أمره. إنها تكره أفعاله الشنيعة، لكنها لا تكرهه هو!

وحب الله لنا أعظم من ذلك، سبحانه! لذلك يقول نبي الله داود: «إِنَّ أَبِي وَأُمِّي قَدْ تَرَكَانِي وَٱلرَّبُّ يَضُمُّنِي» (مزمور 27: 10).

صحيح أنه لا تزر وازرة وزر أخرى. فالقرآن والإنجيل متقفان معاً على هذا، بل إن الكتاب المقدس يقول إن الإنسان المخطئ لا يستطيع أن يتحمل أخطاء نفسه. أما الله فيستطيع. ويقول الكتاب المقدس إنه بواسطة صليب المسيح فعل الله هذا الأمر نفسه. وصار صليب المسيح وسيلة الله لإعطائنا مغفرة خطايانا، وتغيير قلوبنا، ومنحنا حياة جديدة. ويوضح صليب المسيح لنا شناعة خطيتنا ووزرها وثقلها الذي ينقض ظهورنا، كما يبيّن لنا نتائجها الجهنمية، وتكلفتها العظيمة علينا وعلى الله نفسه. في صليب المسيح نجد قداسة الله ومحبته يتعانقان معاً. فلم يقف الله متفرجاً على المأساة التي وقع فيها البشر جميعاً وماتوا، لكن حبه جعله يشترك في هذه المأساة فيدفع الثمن، لذلك قال المسيح إنه جاء فدية عن كثيرين. «لأَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (مرقس 10: 45). ويقول رسول المسيحية بولس: «ٱلْكُلُّ مِنَ ٱللّٰهِ، ٱلَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ ٱلْمُصَالَحَةِ» (2كورنثوس 5: 18).

وبعد صلب المسيح ودفنه حدث عمل عظيم من أعمال الله، ففي اليوم الثالث قام المسيح من الأموات. وبالقيامة أعلن الله أن الصليب هو طريقه لخلاص البشر. ويكتشف كل قارئ للإنجيل المقدس أن الصليب والقيامة هما قلب الخبر المفرح الذي أعلنه الله للعالم، وبدونهما لا يكون الإنجيل خبراً مفرحاً. أما إن قبل القارئ هذا الخبر أو رفضه فهذا شأن القارئ وحده. يطلب اليهود آيات، ويبحث اليونانيون عن الحكمة. ولكننا نحن نبشر بالمسيح مصلوباً، مما يشكل عائقاً عند اليهود بأن إلهنا ضعيف، وعائقاً عند الأمم بأن إيماننا غير معقول! وأما عند «المدعوّين» سواءً من اليهود أو اليونانيين فإن المسيح هو قدرة الله وكلمة الله «لأن جهالة الله أحكم من البشر، وضعف الله أقوى من البشر» (1كورنثوس 1: 22 - 24).

وإني كمسلم أستطيع أن أتفهم موقف المسلمين من فكرة بنوّة المسيح لله، وصلبه. فقد ظهرت لي الفكرتان غريبتين ومرفوضتين تماماً. إلا أني بعد قراءة متعمقة للكتاب المقدس انذهلت، ولا زلت مذهولاً.

  1. هل يدرك المسلمون أن المسيحيين يقدمون فكرة بنوية المسيح لله بطريقة تختلف تماماً عن الطريقة التي يقدمها القرآن بها؟

  2. هل حقاً يرفض القرآن أن المسيح قد صُلب؟ وهل حاول المسلمون أن يدركوا معنى الصليب أو الهدف الكامن وراءه في نور قداسة الله ومحبته للبشر؟ وعندما يرفض المسلمون الأفكار الكتابية الأساسية، فهل يدركون ما يرفضونه؟ وهل يستطيعون أن يوضِّحوا لماذا يرفضون ما يرفضونه؟

لقد ألقى شعوري بقداسة الله ومحبته، وإحساسي بخطيتي ضوءاً جديداً على علاقتي بالله، وعلى علاقة الله بي. ولم يكن قراري باتِّباع المسيح وطلب المعمودية قراراً سهلاً، لكنه جاء نتيجة جهد عقلي وروحي. وعندما اتخذت هذا القرار لم أكن أعمى عن نتائجه في عائلتي ومجتمعي. ولكن بالرغم من التكلفة العظيمة عرفت أن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب، وتوبتي كانت عودتي إلى حيث يجب أن أكون، إلى أبي السماوي، فألقيت بنفسي في أحضان رحمته (لوقا 15). لقد كانت القصص التي رواها المسيح عن الدرهم المفقود والخروف الضال، والابن الضال في هذا الأصحاح العظيم من الكتاب المقدس (لوقا 15) قصتي أنا شخصياً! إنها رواية حياتي، وسجل علاقتي بالله - فكيف أصف صورة حياتي بأنها غير معقولة ومنسوخة، وأن هناك ما يعلو عليها؟

4 - دَيْن في عنقي:

أقول الصدق عندما أؤكد أن للقرآن ديناً في عنقي. لقد درسته بجدّية وتعلمت منه الكثير، كما لا زلت أتعلم منه. لكن سؤالي هو: هل دَرْس كتابٍ منزل غير القرآن أمر ممنوع؟ شعرت في حالتي أن القرآن يقودني تلقائياً إلى الكتب الموحى بها التي سبقته. ولقد اكتشفت في الكتاب المقدس ما أصبح بالنسبة لي المعنى الأسمى للآية القرآنية التي تقول: «هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (سورة الحديد 57: 9).

الفصل الرابع: كيف أولد من جديد، ولماذا؟

1 - طفل ينمو في الإيمان:

ولادة شخص في عائلة مسيحية لا يعني أنه مسيحي، ذلك أن المسيحي الحقيقي هو الذي يولد ثانية ولادة جديدة بعمل الروح القدس، وهذا يعني ابتعاداً يومياً منتظماً عن الأفكار والأعمال الشريرة، والاتجاه إلى الله وكلمته للتغذية الروحية. وكما يجدد الإنسان قواه الجسدية، ويغذي جسده، هكذا يفعل المسيحي الحقيقي بروحه. وكطفل مولود حديثاً من الله كنت أجوع إلى كلمة الرب وإرشاده.

«فَٱطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَٱلرِّيَاءَ وَٱلْحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ، وَكَأَطْفَالٍ مَوْلُودِينَ ٱلآنَ ٱشْتَهُوا ٱللَّبَنَ ٱلْعَقْلِيَّ ٱلْعَدِيمَ ٱلْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ إِنْ كُنْتُمْ قَدْ ذُقْتُمْ أَنَّ ٱلرَّبَّ صَالِحٌ» (1بطرس 2: 1 - 3).

ويجد كل مولود من الله قوة في شركته مع المؤمنين الناضجين. ولكني حُرمت من هذه البركة لأنه لم يكن هناك مؤمنون ناضجون يعيشون بالقرب مني. ولكن الله استخدم زوجتي المحبوبة لتقف إلى جواري وتشجعني خلال الأيام العاصفة التي جاءت بعد تجديدي للمسيح.

وعلى كل مؤمن حقيقي أن يُراجع معنى اختباره الجديد. هل هو اختبار حقيقي؟ هل دوافعه روحية نقية تجعل صاحبه يمتنع عن الشهوات الجسدية والإحساس بالصلاح الذاتي؟ من أي شيء تخلَّص الإنسان؟ ولأيّ هدف يتجه؟ كيف يخدم الله والآخرين خدمة أفضل؟ كيف تكون علاقته مع عائلته وأصدقائه رقيقة مُحبة حتى لو وقفوا ضده؟ هل تعكس حياته الحاضرة التغيير للأصلح الذي يقول إنه اختبره؟ ولقد ساعدتني الآيات الكتابية التالية في هذا الموقف:

«فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ ٱلنَّاسُ بِكُمُ ٱفْعَلُوا هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ، لأَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلنَّامُوسُ وَٱلأَنْبِيَاءُ» (متّى 7: 12).

«أَعْطُوا تُعْطَوْا، كَيْلاً جَيِّداً مُلَبَّداً مَهْزُوزاً فَائِضاً يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ. لأَنَّهُ بِنَفْسِ ٱلْكَيْلِ ٱلَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ» (لوقا 6: 38).

«فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هٰكَذَا قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متّى 5: 16).

«فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» (متى 5: 48).

ولقد ساعدتني هذه الآيات الكتابية ومثيلاتها على أن أدرك موقفي في حياتي الجديدة، ومنحتني الهداية في الاتجاه السليم. ولكن الآية الأخيرة التي اقتبستها تقول: «فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» - فكيف يفهم تلميذ المسيح هذه الآية، وكيف يطبقها على حياته؟ ولقد وجدت الفجوة الكبيرة بين الحياة الواقعية وما يطلبه المسيح منا - وهو يعرف ضعفاتنا. وكنتُ أعلم أن المسيح يعرف ضعفاتي الشخصية أفضل مما أعرفها أنا، ومع ذلك فكيف يطالبنا بهذه المثُل العليا؟

ويستغرق الإنسان وقتاً حتى يكتشف أن التأمل والصلاة يجعلان مثل هذه المثُل العليا منعشة ومدمرة معاً! تدمر، بسبب ضعفنا الإنساني، وتنعش بسبب الثقة التي يضعها المسيح في تلاميذه. إنه لا يضع أمامهم هدفاً منخفضاً، لكنه يتوقع منهم مواقف مرتفعة عالية في الخدمة والسلوك، تماماً كما عاش هو! كما أنه دوماً يقف إلى جوار تلاميذه، يشجعهم ويوجههم نحو الهدف المرتفع، ويدفعهم ويلهمهم. فإذا تعثروا وسقطوا، فإنه يمدّ يده إليهم ليرفعهم إلى أعلى، كما قال نبي الله داود عن المؤمن: «إِذَا سَقَطَ لاَ يَنْطَرِحُ لأَنَّ ٱلرَّبَّ مُسْنِدٌ يَدَهُ» (مزمور 37: 24). ومكتوب عن المسيح في الإنجيل: «لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّباً يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ ٱلْمُجَرَّبِينَ» (عبرانيين 2: 18).

ويعرف كل من يقرأ كلمة الله أن المسيح قضى وقته يخدم الناس، فشفى المرضى، ثم ترك لتلاميذه مسئولية الشفاء أيضاً. ونسبة المسيحيين العاملين في ميدان الطب والتمريض في الهند هي من أعلى النسب. ويبدو أن تلاميذ المسيح نفذوا ما كلّفهم المسيح به، ولذلك فقد أحسست أن مواهبي الطبية عطية لي من الله، فكل ما عندي عطية من ربي «وَأَيُّ شَيْءٍ لَكَ لَمْ تَأْخُذْهُ؟!» (1كورنثوس 4: 7). صحيح أني عندما بدأت دراستي الطبية كانت دوافعي إنسانية بحتة. وهذا ما تعلمته في المدرسة، وما توقّعه الناس مني، وهو هدف عظيم في ذاته. ولكن ماذا عن الدوافع الأخرى النابعة من الاهتمامات الشخصية، مثل تكوين الثروة، والمركز الاجتماعي والسلطان السياسي؟

لقد ساعدتني بعض الآيات من الإنجيل المقدس لأفهم معنى التلمذة للمسيح، ولأحيا تلميذاً له. لأنه «مَنْ دُعِيَ فِي ٱلرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ فَهُوَ عَتِيقُ ٱلرَّبِّ. كَذٰلِكَ أَيْضاً ٱلْحُرُّ ٱلْمَدْعُوُّ هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ» (1كورنثوس 7: 22).

«أَنْتُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَلٍ، وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجاً وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ ٱلْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى ٱلْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْبَيْتِ. فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هٰكَذَا قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متّى 5: 14 - 16).

وهذا يعني أن الله لم يخلقني فقط، ولم يهبني موهبة الطب فقط، بل أكثر من ذلك، اشتراني بدم المسيح. فأنا ملكه، كابن له فداني وغفر خطاياي وحررني لأخدم أهدافه، ولأطلب مدح مجد اسمه وليس مدحي أنا. لقد جعلني آلةً في يده، أشير لا لنفسي بل إليه هو كالنبع الوحيد للصلاح، فالسبح كله لاسمه. ألا تزيد خدمة الابن والابنة عن خدمة العبد والخادم؟

ولقد ساعدني الله إذْ أنعم عليَّ بزوجتي التي كانت تعمل في حقل التمريض، فقرر كلانا أن نؤدي خدمة طبية متواضعة للمجتمع الذي نعيش فيه، بالإمكانيات المتاحة لنا، فاستقلْتُ من وظيفتي الحكومية، وأسست مستوصفاً في «داساجون» وهي قرية قريبة من مسقط رأسي.

وبالرغم من الصعوبات، فقد عالجنا الأغنياء والفقراء بغير فرق لمدة أربع سنوات. وكنا كل شهر نزور ابنتنا شيرين الطالبة بالقسم الداخلي في مدرسة «بونا» التي تبعد مئة كيلو متر عن «داساجون». وكانت زيارتنا لبونا تعطينا فرصة العبادة مع إخوتنا المسيحيين في الكنائس الكثيرة الموجودة هناك. وكم نشكر الله من أجل تلك الفرصة. ثم انتقلنا إلى «أورانجاباد» وهكذا استمرت حياتنا حتى ثارت زوبعة عاتية.

2 - تكلفة التلمذة:

لم يقل الكتاب المقدس أبداً إن المسيحي سيحيا حياة سهلة «فَأَيُّ ٱبْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟» (عبرانيين 12: 7). ولكن الله يعطي أولاده القوة التي تمكنهم من مواجهة الصعوبات. ولقد أدرك عقلي هذه الفكرة، ولكني لم أختبر ذلك شخصياً إلا في ديسمبر 1979 عندما أصابني سرطان الغدد. ولقد كنت أعرف الإشارات القرآنية إلى نبي الله أيوب. وقرأت قصته مطوَّلة عن آلامه ومحنه التي احتملها بصبر، كما رواها الكتاب المقدس. أما بعد مرضي فقد استطعت أن أحسّ بما أحسَّ به أيوب، لأن السرطان وعلاجه أصابا جسدي بآلام مبرحة. وعرفت كما عرف أيوب من قبلي أن حكمة الله أعظم من حكمتي. وتأكدت أن الله يعتني بي في ضعفي، لأن قوة القيامة أعقبت آلام الصليب. وعندما اختبرت بركة قوة نعمة الله وسط الضعف الجسدي البشري، أدركت سر الإيمان المسيحي الذي خلَّصني من الاعتماد على نفسي، أو الحديث عن قَدَري وحظي، لأن أدركتُ أن الله مصدر كل خير، وأن هذا السرطان الذي أصابني هو للخير. لا بد أن عضلات الإنسان تتعب وهو يجري في سباق، ولا بد أن أوتار الكمان تتوتَّر لتُخرج الموسيقى - هكذا توتَّر جسدي وتعب ليعلن اعتماده الكامل على الله.

لقد علَّمنا المسيح أن الإيمان الواثق في أبوَّة الله يمكن أن ينقل الجبال ويعمل المعجزات. وبعد ثمانية عشر شهراً من علاج السرطان أُصبت بنكسة، فقد تقيَّحت قدمي، وقرر الأطباء ضرورة بترها. ولكن الله أجرى معجزة شفاء استجابة للصلاة. واليوم (بنعمته) أقف على قدميَّ الاثنتين. كما أني لا آخذ أي علاج من فبراير 1982. واستأنفت عملي الطبي في خدمة أهل «أورانجاباد» الذين كانوا قد اعتبروني في عِداد الموتى، ولكن كثيرين منهم صلّوا لأجلي وطلبوا شفائي. فاختبرت شيئاً من الآلام التي يقول الإنجيل المقدس عنها: «اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ ٱمْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْراً. وَأَمَّا ٱلصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ» (يعقوب 1: 2 - 4).

فهل يمكن أن أجرؤ على القول إن الله أجرى قيامة ثانية لي؟ أشكر الله مع أسرتي وأصدقائي، فقد جدَّدْتُ عهدي مع الله في تكريس حياتي له.

3 - التقدم نحو النضوج:

أصبحت مشاعري نحو المرضى أرقّ وأفضل، لأني جزت هذا المرض القاسي. واعتبرت آلامي الجسدية بركة من عند الرب لأستطيع أن أحس مع مرضاي بآلامهم. والآن صرت قادراً على تشخيص مرضاي وليس فقط تشخيص أمراضهم. لقد أردت أن يعرفوا أن الله يحبهم ويعتني بهم، وأنه مصدر كل شفاء، وما الأطباء والدواء إلا هدية بسيطة من عنده. وأنه يجب على الأطباء والمرضى معاً أن يقولوا: «شكراً لك يا إلهنا الحبيب». ونحن نصلي مع مرضانا ونعطيهم أجزاء من الكتاب المقدس ليقرأوها، فيجدون أملاً جديداً وهدفاً وسلاماً من الله لحياتهم. وكثيراً ما كان مرضهم سبباً في معرفتهم أن الله ليس فقط رب حياتهم وديَّانها، لكنه أيضاً أبوهم المحب. وهكذا صار مرضهم بركة لهم. وكم نتمنى أنهم يذوقون حلاوة محبة الله وغفرانه لتتحرّر قلوبهم من سموم الغضب والجشع والحسد والكراهية والانتقام، التي كثيراً ما تعطل عملية شفائهم الجسدي.

«وَإِنْ كَانَ رُوحُ ٱلَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ سَاكِناً فِيكُمْ، فَٱلَّذِي أَقَامَ ٱلْمَسِيحَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ ٱلْمَائِتَةَ أَيْضاً بِرُوحِهِ ٱلسَّاكِنِ فِيكُمْ» (رومية 8: 11).

«ولكن كَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟» يبلغهم بالرسالة (رومية 10: 14).

صحيح أن كثيرين من أقربائي تضايقوا من تحوّلي للمسيحية، ووقفوا ضدي وضد عائلتي. ولكن بنسيان قليلٍ من الاضطهاد الذي وقع علينا منهم ومن بعض أهل أورانجاباد، إلا أننا لم نشعر بكراهية للمجتمع الذي يحيط بنا. ونحن كأسرة نجتمع بانتظام. وعندما يزورنا أفراد أسرتنا نقرأ الكتاب المقدس ونصلي معاً، وأحياناً يطلبون منا أن نفعل ذلك. ونحن نشكر الله لعنايته، ومن أجل ارتباطاتنا العائلية.

«فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل» أمر يمكن أن يطبقه كل مؤمن بالمسيح، إذ يتقدم نحو الهدف الذي وضعه الله لحياته، ناظراً لرئيس الإيمان ومكمّله الرب يسوع المسيح. ويمكن أن نكرر مع رسول المسيحية بولس، ولو بصوت منخفض قوله:

«لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلٰكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ ٱلَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضاً ٱلْمَسِيحُ يَسُوعُ. أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلٰكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئاً وَاحِداً: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ. أَسْعَى نَحْوَ ٱلْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ ٱللّٰهِ ٱلْعُلْيَا فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فيلبي 3: 12 - 14).

ولكن كم يطول الطريق؟ وكم تكون الرحلة شاقة؟ وكم هي تكلفة الاحتمال؟ الله وحده يعلم. لكننا نتذكر أن المسيح «مِنْ أَجْلِ ٱلسُّرُورِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ ٱحْتَمَلَ ٱلصَّلِيبَ مُسْتَهِيناً بِٱلْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ ٱللّٰهِ» (عبرانيين 12: 2). احتمله ليخلّصني ويخلّصك أنت أيضاً.

مسابقة كتاب: «البحث عن الحق»

أيها القارئ العزيز،

إن قرأت هذه السيرة الممتعة بتمعن، تستطيع الإجابة على الأسئلة التالية بسهولة، وان كان لديك أي أسئلة أو استفسارات عن هذا الكتيب، يمكنك الكتابة إلينا مباشرة عن طريق استمارة الاتصال الموجودة على الموقع.

  1. هل استطاع الدكتور دشموخ أن يتحاشى التعامل مع المسيحيين واليهود وهو يدرس في جامعة عالمية؟

  2. ماذا يقول القرآن عن التوراة والإنجيل؟ وكيف صالح دشموخ الآيات التي تشهد لهما، والآيات التي يبدو أنها ضدهما؟

  3. لماذا تختلف القصص القرآنية والكتابية؟

  4. هل يحتوي القرآن على كل المعرفة اللازمة للإنسان؟

  5. ما هي مشكلة الناسخ والمنسوخ؟

  6. الله قدوس، ووصاياه صالحة. والإنسان شرير. فكيف يجد الإنسان القبول والغفران عند الله؟

  7. ما معنى قول المسيح: «تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم»؟

  8. كيف يولد الإنسان من جديد؟

  9. ما هي تكلفة التلمذة للمسيح؟

  10. كيف تقدَّم الدكتور دشموخ نحو النضوج الروحي؟

الرجاء استخدام الاستمارة الخاصة بالموقع للاتصال بنا:

www.the-good-way.com/ar/contact

او يمكنك ارسال رسالة عادية الى:


The Good Way
P.O. BOX 66
CH-8486
Rikon
Switzerland