تكفيك نعمتي

تكفيك نعمتي

غلام مسيح نعمان


Bibliography

تكفيك نعمتي. غلام مسيح نعمان. الطبعة الأولى . 1991. English title: My Grace is Sufficient. German title: Meine Gnade ist ausreichend für dich.

مقدمة

هذه قصة حقيقية لشخصٍ اهتدى إلى المسيح، فوجد الصّراط والحق والحياة...

ولا زال صاحب السيرة - إلى كتابة هذه السطور - يحيا ويخدم المسيح هو وعائلته.

ولقد سبق أن نشرنا قصص اهتداء الإندونيسي همران أمبري، والباكستاني الدكتور ابراهيم دشموخ، والهندي ك.ك. علوي، والأفغاني سلطان محمد بولس. كأمثلةٍ لمن وجدوا السلام مع الله، وتأكيد نوال مغفرة الخطايا والحياة الأبدية.

الناشرون

الفصل الأول: بيتي الإسلامي

وُلدت في عائلة مسلمة مُكوَّنة من ثمانية أفراد، أربعة إخوة أكبر مني وواحد أصغر، وذلك في «جامو» في كشمير حيث كانت أمي في إجازة، فإن جدودي جاءوا من «ظفراوال» في سيالكوت. وكانوا أصلاً في منغوليا من أصحاب الأرض الأغنياء. وكان والدي غنياً يملك أرضاً، يزرع القمح بقرب نهر الدِك الذي كان يمتلئ بالمياه في موسم الأمطار فيروي الأرض المحيطة على جانبيه. وكان القمح الذي ننتجه يكفينا ويزيد، وكنا عائلة سعيدة لم نختبر عوزاً. وكان عندنا خدم يقومون بمعظم أعمال الفلاحة، فلم يحتاج والدي أن يقوم بأي عمل يدوي. وعندما كبر إخوتي تحملوا مسئولية الزراعة. وقد ولدت أمي إخوة آخرين لي ماتوا في مرحلة الطفولة. فكان ميلادي وبقائي على قيد الحياة يُعتبر معجزة. وقد ثقبت أمي أذني اعترافاً بفضل الله. وكانت مسلمة متدينة، ولكنها في الوقت نفسه احتفظت بعبادة أوثانها القديمة التي كان جدودها يتعبَّدون لها. وكانت تذهب على التلال في كشمير، إلى مزار مقدّس لواحدة من الآلهة. ونذرت أنها إذا ولدت صبياً تكرسه لتلك الإلهة وتحضره معها كل سنة تعبيراً عن الشكر. ولذلك ثقبت أذني ووضعت فيها قرطاً ذهبياً ليعلن أني مِلْك تلك الإلهة. ولقد كان ذلك سبب مصائب كثيرة عليَّ في المدرسة، فكان زملائي يضحكون عليّ. وعندما كنت أتعارك معهم كانوا يشدون القرط فيؤذي أذني كثيراً. وهكذا كانت علامة ميلادي وحياتي كارثة عليَّ من الألم والخجل.

ولكني اكتشفت عندما كبرت أن يداً عُليا كانت معي، هي يد إلهي الحيّ.

وأشفق عمي عليَّ فأزال القرط من أذني، رغم أن أمي تضايقت ضيقاً شديداً لأنها ظنت أن هذا سيميتني، فقد كانت تعتبر القرط طلسماً يضمن سلامتي من الأخطار والموت. وجاء عمي ينقذني مرة أخرى من الرعب وطمأنني بأني لن أموت، وأن إيمان أمي مجرد خرافات. وعندما طلبت أمي أن أصحبها لزيارة ذلك المزار اعتذرتُ بأدب. وكنت في التاسعة من عمري. وعندما مرت الأيام دون أن أموت تخلَّصْتُ من الرعب الذي سيطر عليَّ. ومنذ ذلك الوقت لم أخَفْ أبداً حتى وسط الحالات الخطيرة، ولكني اختبرت الحزن عندما مات أخي الأصغر «رمضان» فجأة بعد التهابٍ رئوي لم يمهله سوى بضعة أيام. وكنت صغيراً عندما تزوج إخوتي الأربعة الكبار. وعشنا كلنا في بيت كبير يتكون من ثماني غرف للنوم وصالة كبيرة. وكان لكل أخ من إخوتي غرفته المنفصلة له ولزوجته وأطفاله. ولكننا عشنا عيشة مشتركة في كل شيء من الأكل والشرب، كما كانت تفعل العائلات الكبيرة في ذلك الوقت في الهند.

وكانت عائلتنا سعيدة، فقد كانت أمي رقيقة مُحبّة، تحب أبي وتحب زوجات أولادها. وكنت أدعو زوجات إخوتي «أخواتي» كما علّمني أبي. وهكذا تعاملت معهن إذ لم تكن لي أخت. لقد عشنا حياة محبة عائلية حقيقية.

ولعل القارئ يظن أنه حيث توجد أربع زوجات لأربعة إخوة لا بد أن يكون هناك خلاف. لكن لم يكن عندنا خلاف بفضل محبة أمي وتفهُّمها. وتعلَّمت من أمي كيف أخدم الآخرين، وكانت تقول: «الإنسان الذي يحيا لنفسه فقط هو حيوان. فإذا أردنا أن نبرهن أننا بشر، علينا أن نحيا للآخرين». ولقد رأيت أمي تطبّق ما تقوله حتى في أقسى الظروف، فكانت محبتها الأساس الوطيد لحياتي. ومع أني مررتُ بفترات مظلمة فيما بعد، إلا أني لم أنفصل تماماً عن ذلك الأساس الكريم.

وكان والدي رجلاً عسكريا، شغل منصباً كبيراً في الجيش في الحرب العالمية الأولى. ولم تكن الروح الوطنية الهندية في ذلك الوقت قد وصلت إلى المرحلة التي تعتبر فيها خدمة الجيش البريطاني عاراً، فقد كانت الهند جزءاً من الإمبراطورية البريطانية، وكانت الحرب عبر البحار تحت الراية البريطانية تعتبر عملاً شريفاً. فكان والدي يذكر بفخر ما فعله أثناء الحرب، ويروي لنا قصصاً كثيرة تثير دهشتنا وخيالنا. وكنا نحب أن نستمع إليه وهو يحكي لنا قصةً بعد قصة عن مواقعه الحربية في أفريقيا. وزرعَتْ قصص والدي داخلي رغبة في الحرب، لأني أردت أن أكون مثله، أقوم بعمل غير عادي. وكنت أعتقد أن كل إنسان يجب أن يقوم بعمل شريف يجتذب انتباه الآخرين له. وكلما قام الإنسان بعمل خطير استحقَّ احترامهم.

وكان والدي يهتم بخير الآخرين، فإذا وجد مظلوماً عاجزاً عن الحصول على العدالة يعاونه بكل طاقته، حتى لو أدَّى ذلك إلى الذهاب للمحاكم. غير أن والدي لم يأخذ أية قضية خاصة به إلى المحكمة. وعندما كان يعجز بعض الجنود عن الحصول على معاشاتهم، كان والدي يهتم ويساعدهم ليحصلوا على مستحقاتهم، ولذلك احترمه الجيران كثيراً لأنه كريم النفس. وكان كثيرون من الضيوف يأتون إلى بيتنا.

وذات يوم رحب والدي بقَتَلة أخيه في بيتنا. وكان عمي قد تعارك مع مجموعة من الناس فقتلوه، وهرب قاتلوه لمكانٍ يختبئون فيه. ودون أن يعلموا، احتموا ببيتٍ أقامه والدي وسط الحقول. ولم يكن والدي يعلم ما جرى منهم، فدعاهم ليأكلوا. وأخيراً عرف من أصدقائه أنهم قَتَلة عمي. وكم حزن لأن عمي مات، لكن لدهشة الجميع لم يغضب أبي على القَتَلة، فقد كان رجلاً باراً لا يحمل ضغينة ضد أحد. ومع أن والدي لم يكن يهتم كثيراً بالمظاهر الخارجية للدين، لأنه لم يكن يحب رجال الدين، إلا أنه كان يمارس روح الدين. كان يصلي في الخفاء كمتصوِّف ويكره العبادة العلنية. وكان التصوُّف يعطيه راحةً نفسية، وكان يقول إنه يوصّله بالله مباشرة. والصوفية تشبه الرهبنة المسيحية التي انتشرت في صحاري مصر والعربية. وكان الإمام الغزالي الذي مات سنة 1011م صوفياً كبيراً يتصف بالتواضع وضبط النفس وإنكارها. وكان يقول: «إن طاعة الله تنبعث من داخل قلب الإنسان، فعلى كل واحد أن يلاحظ تعاليم الله وشرائعه، وأن يطلب طهارة نفسه، وأن يصرف وقتاً في التواصل مع الله والتأمل ليعرف محبة الله». ولذلك استطاع أبي أن يحب الله وأن يطيعه. ومع أن بعض المتصوفين كانوا يستعملون مخدرات ليصلوا إلى حالة السموّ، إلا أن والدي كان يرفض هذا تماماً، لأن علاقته بالله كانت تنشئ داخله هذه السعادة العميقة، فلم يلجأ أبداً إلى المخدرات أو الموسيقى أو الرقص. وكانت طمأنينته الداخلية سِمَةً دائمةً لحياته.

كان والدي في البيت رجلاً رقيقاً يهتم بتعليم وخير الجميع، فعلَّمني وإخوتي في مدرسة تبعد ثلاثة كيلومترات من بيتنا. وليسهّل الأمور علينا بنى لنا بيتاً قريباً من المدرسة في «ظفراوال» حتى نصل إلى المدرسة في موعد مريح. والتحقتُ بالمدرسة الإبتدائية في الخامسة من عمري، وبدأت أتردد على الجامع القريب من بيتنا كل يوم جمعة، فقد كانت عادتنا أن الطفل عندما يبلغ الخامسة من عمره يجب أن يذهب للجامع مرة أسبوعياً، ويحفظ القرآن الكريم. وعندما كان الإمام يؤمّنا في الصلاة كنت أؤدي الركعات كما كان يفعل. ثم كان يلقي موعظة عن صفات النبي محمد وتعاليمه. ومع أنه لم يكن من السهل عليَّ أن أفهم ما يقول، إلا أن الإمام لقَّنني الكثير عن إيماني بما في ذلك تلاوة الشهادتين «لا إله إلا الله. محمد رسول الله».

وكان ناظر المدرسة ذا تأثير كبير عليَّ، فقد كان شاعراً وخطيباً وكاتباً وموسيقياً، شجعني أن أبدأ كتابة الشعر بنفسي. وكان ذلك مصدر سعادة حقيقية لي. وكانت الكراسة التي أكتب فيها الشعر دائماً في متناول يدي. وتعلمت أن أعزف الموسيقى، ولو أنهم في البيت (لأسبابٍ دينية) لم يسمحوا لي بالتدريب، فسمح لي الناظر أن أتدرَّب في بيته. وكانت يد الله عليَّ منذ مطلع سنوات حياتي، لأنه كان يجهزني لحياة خدمة. لقد اهتم الله بأصغر تفاصيل حياتي.

قضيتُ أربع سنوات في المدرسة الابتدائية. وعندما بلغت التاسعة غادر إخوتي البيت، فذهب اثنان منهم إلى «جامو» واثنان إلى «لاهور». وبدأت أهتم بالدراسة الأكاديمية، ولكن عائلتي قررت أن أقوم بذلك بنفسي، فالتحقت بالمدرسة الثانوية في جامو في كشمير. وكان طلبة المدرسة من أبناء الأغنياء والعائلات ذات النفوذ (المهراجات) الذين حكموا أجزاءً متعددة في الهند. وكان منهم في كشمير اثنان وعشرون مهراجا في ذلك الوقت. وكنتُ المسلم الوحيد في المدرسة التي لم تكن تسمح إلا بتعليم الهندوس وحدهم. ولكن لما كان والدي ضابطاً بالجيش، وصاحب نفوذ إجتماعي فقد أقنع ناظر المدرسة أن يقبلني. وكان الناس يجدون صعوبة في رفض طلبات أبي. وكانت تلك المدرسة تقدم تدريباً عسكرياً يناسب أبناء الملوك، فكنا نركب الخيول، الأمر الذي أحببته، كما استمتعت بالتصويب وإطلاق الرصاص. وكانت بندقية والدي خفيفة الوزن، فكنت أقضي معها وقتاً طويلاً كلما سنحت لي الفرصة. وكنت أحب ذلك أكثر من إحضار اللبن كل صباح، الأمر الذي كنت أحتقره لأني أعتقد أنه عمل الخدم. وكان الصيد يستهويني أكثر من الدراسة، خصوصاً أني لم أكن جاداً في الدرس. ولم أجد حكمة في أن أتابع الدراسة، فقد كان زملائي من أبناء المهراجات يستعدون لمستقبلهم ليكونوا ضباطاً في الجيش، أو في خدمة الحكومة، أما أنا فلم أكن أعرف أيَّ مستقبل ينتظرني بعد دراستي. ولما كانت المدرسة للهندوس، فقد كانوا يراعون التعاليم الهندوسية. فكنت أستيقظ معهم مبكراً للصلاة، وأحفظ عن ظهر قلب فصولاً من كتبهم المقدسة. ولكن الهندوسية لم تجتذبني، ولو أن ما تعلمته منها أعطاني فهماً كافياً لها. وكان يجب أن أتعلم اللغة الهندوسية التي أتكلمها الآن بطلاقة منذ ذلك الوقت. وكان هناك نقص في تعليمي الثانوي، هو أني لم أتلقَّ أي تعليم عن الإسلام. ومع أني كنت سعيداً بذلك إلا أن أخي «خودا بخش» لم يكن سعيداً به. ومات أبي فتحمَّل أخي مسئولية الإشراف على تعليمي، ونقلني من مدرستي الهندوسية إلى مدرسة إسلامية. واكتشفت أنها أقرب ما يكون إلى ملجأ أيتام أكثر منها مدرسة داخلية. ولكن هذا لم يضايق أخي في شيء، فقد كان يريدني أن أتعلم أصول الإسلام مهما كان المكان الذي أتلقاه فيه. ولم أكن تلميذاً مجدّاً، فكنت أهرب من الدروس وأذهب إلى البيت لأتناول الطعام عندما لا يكون أخي في المنزل. وكانت زوجات إخوتي يخفين عن أخي ذلك حرصاً على علاقتي به. وكان أخي يدفع نفقات تعليمي ويقاسي الكثير ليدفع تلك النفقات. وزادت حالتي سوءاً في الدراسة عندما تعرفت على شابة أثناء إحدى إجازاتي في قرية قريبة من «سريناجار» حيث كنا نملك قطعة أرض. هناك قابلت «سليمة» ووقعت في حبها منذ أن وقعت عيناي عليها. كانت قريبة لنا، وكان أبوها صديقاً لأبي. ولم أعرف أن إعجابنا كان متبادلاً إلا عندما حلَّ موعد رحيلي. فقد كنت معها وحدنا عندما بدأت تبكي ولم تُرد أن أذهب. وقد لمس هذا قلبي وزاد حبي لها كثيراً. وفي العام التالي عدت إلى ذات البلد حيث كانت «سليمة» فوجدتها قد كبرت وصارت أكثر جمالاً. ولكني لاحظت فيها تغييراً لأنها لم تكن تقترب مني كما كانت تفعل في العام السابق، وأكدت لي أن حبها لي أكبر وأني أوحشتها جداً. وقد حيَّرني هذا، فتساءلت: تُرى ما هو الخطأ؟ لقد كانت علاقتنا طاهرة، وكنا نفرح ببعضنا، واختبرنا محبة سامية بغير جنس، لأني كنت قد تعلمت أن الجنس يدمّر العلاقات الجميلة، ويجب أن نبقيه إلى ما بعد الزواج. ولكني أدركت أنها لن تكون زوجتي، فقد أحسَّت عائلتها أن عائلتي لن تقبل زواجنا، لأن عائلة «سليمة» لم تكن على مستوى عائلتنا في الغنى، ولذلك لن تسمح عائلتي بزواجي منها. وكم انكسر قلبي، لكن لم يكن هناك ما أستطيع أن أفعله. وقد سبَّب ذلك توتراً بيني وبين عائلتي.

واعتصر الحزن قلبي وأنا أعود للمدرسة، فلم أكن متحمساً للدراسة. صحيح أني لم أكن متحمساً للدراسة من قبل، أما الآن فقد صرت أقل حماساً وأقل سعادة بالمدرسة وبالبيت، لأني شعرت أن عائلتي تدمر فرص سعادتي. وسرعان ما وصلت علاقتي بأسرتي إلى قمة التوتر. فقد تركت المدرسة يوماً وجلست في محل لشرب الشاي، وإذا بأخي يضبطني هناك. وسألني: لماذا تشرب الشاي في موعد المدرسة؟ ولم يكن عندي جواب مقبول أقدمه له، فغضب عليَّ كثيراً. ورأى أخي ولداً صغيراً في الثامنة من عمره يعمل في محل الشاي، فانتهز الفرصة ليسخر بي أمام الجميع. فاستدعى الولد وبدأ يسأله: «متى تستيقظ في الصباح يا ولدي؟» فأجابه: «في الثالثة صباحاً يا سيدي، فأنظف الأطباق القذرة من الليلة الماضية، وأجلو أواني الطبخ لتجهيز طعام الإفطار. ثم أبقى في محل الشاي كل النهار». فسأله: «ومتى تنام يا ولدي؟» فقال: «لا يمكن أن أنام قبل الحادية عشرة مساءً». فنظر إليَّ أخي بعينين غاضبتين وقال: «انظر إلى هذا الولد الصغير الذي لم يكن من الواجب أن يترك حضن أمه، لكنه لا ينام إلا أربع ساعات يومياً. ليكن نموذجاً ودرساً لك. أنت يا من لا تدرس ولا تعمل! كن رجلاً!». وتركني ومضى. وكم خجلت وسط أهل قريتي وأخي يفضح كسلي! صحيح أن عائلتي كانت غنية وذات شهرة طيبة، ولكني كنت لهم كشَوْكة في العين. واكتشفتُ فجأة أني معتمد على غيري. وكانت كلمات أخي لي تحدياً شخصياً، فقررت أن أعتمد على نفسي، وقلت: «لن أحيا على حساب الآخرين!». وبكل أسف لم يكن هذا القرار دافعاً لي على أن أتحمس للدراسة، إنما قررت أن أهرب من المدرسة قبل امتحانات السنة العاشرة من دراستي.

الفصل الثاني: من هو المسيح؟

كنت في السادسة عشرة من عمري عندما بدأت الحرب العالمية الثانية. وكان لا بد للهند أن تدخل الحرب. لقد كانت النازية شراً يجب أن نقف كلنا ضده. ورأى الهنود في النازية عنصرية أمبريالية. ولكن روح الاستقلال كانت تعمّ الهند، فأعلن البرلمان الوطني الهندي بأعلى صوت أن الهند الحرة سوف تشترك في الحرب ضد ألمانيا. وكان لا بد من استشارة الشعب قبل دخول الحرب، وانقسم رجال السياسة فيما بينهم. لقد كرهوا عدوان هتلر، وفي الوقت نفسه لم يكونوا يحبون مساعدة بريطانيا!

ولما كانت الدول المُستعمَرَة لا تستطيع أن تختار حظها وطريقها، فقد وجدت الهند نفسها تحارب مع بريطانيا. وكنت مشتركاً مع المتحمسين في طلب الاستقلال من بريطانيا، ولكني كنت صغير السن لا أدرك أسرار السياسة. وكنت في ذلك الوقت أفتش عن عمل أقوم به، فانضممت إلى سلاح الطيران. ولم أجد صعوبة في أن يقبلوني. وأصبحت ميكانيكياً أعمل في صيانة الطائرات وتلقيت تدريبي في «لاهور» وكان أول تعيين لي في مطار «كلكتا». وبعد ذلك أرسلوني إلى «بورما» و «رانجون». وكنت أعمل تحت الطلب أربعاً وعشرين ساعة يومياً. ثم أرسلوني إلى كلية ضباط الطيران في «كلكتا» حيث انضممت إلى سلاح المخابرات. وتأثرت كثيراً بنصيحة قيلت لي: «عليك أن تربح ثقة العاملين معك». وهكذا حاولت أن أربح ثقة الذين يعملون تحت أمري، وبنيت معهم علاقات شخصية قوية. وتذكرت نصيحة أمي، ومثال أبي، فأحببت الجميع بغضّ النظر عن لونهم وعِرْقهم وعقيدتهم. ولم أعصَ أبداً أوامر رؤسائي، كما لم أسمح لمرؤوسيَّ أن يعصوني.

ولم أكن ضد الإنجليز، ولكني كنت ألاحظ أن علاقاتنا معهم لم تكن طيبة لأن كبار الضباط البريطانيين كانوا ينظرون إلينا بعدم احترام، ويعتبروننا من الدرجة الثانية لمجرد أننا هنود. وكان بعضهم يعاملوننا بغير أدب. وكنا نلتقط كلماتهم الإنجليزية ونستعملها أحياناً دون أن نفهم المعنى المضبوط لكل كلمة. وذات يوم استدعاني أحد الضباط الكبار وسألني: «من أين تعلمت هذه الكلمات الإنجليزية يا ولدي؟» فأجبته: «من الضباط البريطانيين». فقال لي: «هذه لغة سيئة غير مؤدبة، وهي مخجلة. أرجوك ألاَّ تستعملها مرة أخرى».

وكنا نفضل أن نتعيَّن في بلاد بعيدة بالرغم من شدة حرارتها لنكون بعيدين عن الإنجليز. وشعرنا أنهم لا يهتمون بسلامتنا. فذات يوم كلّفونا بإصلاح طائرة، ثم طلبوا من أحدنا أن يقوم بتجربتها، ونسوا أن يعطوا خبراً لسلاح الدفاع بأن تلك الطائرة بريطانية وتحت التجربة. وفي طريق عودة الطيَّار الهندي الذي جرّبها أصابه رجال الدفاع الجوي البريطاني وقتلوه.

ثم حدثت حادثة أخرى مؤلمة أثناء المجاعة في البنغال كشفت عن رداءة الإنسان، ففي سنة 1943 - 1944 أصابت مجاعة شرق وجنوب الهند والبنغال، تبعها وبأ الكوليرا والملاريا. وقالت السلطات الرسمية إن ضحاياه بلغت ثلاثة ملايين نفساً ونصف. فقد كان الآلاف يموتون كل يوم. وكان يمكن أن ننقذ حياة الكثيرين لو أن السلطات المسئولة تصرفت باهتمام وكفاءة، فقد كانت الأدوية والأطعمة تملأ المخازن. عند ذلك بدأت آخذ من الشاي والسكر والأدوية للمحتاجين. لكن المؤسف أن بعض الأغنياء زادوا غنى إذ باعوا الأدوية والأطعمة بأضعاف سعرها، حتى اضطر كثيرون من الفقراء أن يقدموا بناتهم للبغاء. لقد عصف الحزن والبؤس بقلبي وأنا أرى هذه الحالات المؤلمة لمرضى وجوعى وموتى لا ينقذهم إخوتهم في الإنسانية، بل يشربون ما بقي من دمائهم ليزدادوا غِنى! وسألت نفسي: «أين الله وسط كل هذا؟!».

ولكني سرعان ما بدأت أرى النور وسط الظلام. فقد كان بين الضباط الإنجليز بعض المسيحيين الحقيقيين الذين ساروا في خطوات سيدهم المسيح، وأظهروا نور الله ومحبته. وقد نمت بذور هذه المحبة في قلبي حتى أينعت واكتملت بتجديدي للمسيح.

وكان أحد هؤلاء النجوم اللوامع الكابتن «باكستر» وهو ضابط شاب في فرقتنا. ومع أنه كان - شأنه شأن بقية الإنجليز - متحفّظاً، إلا أنه كان متسع العقل، وكانت معاملاته لمرؤوسيه طيبة وبطريقة شخصية. لم يكن يتكبر على الهنود، بل كان يطلب خيرهم. وعندما احتاج الضباط الهنود إلى بعض أدوات الطبخ، أمر فوراً بإعطائها لنا، كما أمر بتقديم طعام خاص للمسلمين يتناسب مع فروض دينهم. وذات يوم احتجنا إلى فُرن من الطين لنخبز فيه بالطريقة التي تعوَّدناها. وانذهلْتُ في آخر اليوم عندما رجعت إلى المعسكر فوجدت فُرناً مبنيَّاً بالمواصفات المضبوطة، قام الكابتن «باكستر» وحده ببنائه كما طلبنا. فزاد إعجابي به. وجعلت أراقبه، فوجدت أنه يلاحظ احتياجات الناس ويعمل على تقديمها. كما كان يتناول إفطاره معنا كل يوم، بينما لم يفعل هذا غيره من الضباط البريطانيين ترفُّعاً علينا. ومع أن هذا شيء بسيط، إلا أنه ترك في نفسي أثراً كبيراً. وذات يوم جاء أحد رجالنا إلى مائدة الإفطار بغير أن يحلق، فلم يوبخه «باكستر» لكنه أعطاه شفرة حلاقة من جيبه. وهكذا كان يفعل لينبّه الجنود والضباط إلى مسئولياتهم.

ولقد أثَّر فيَّ كثيراً موقف «باكستر» أثناء الغارات الجوية، فلم يكن يهرع إلى الملجأ (المخبأ) بل كان يدعو الرجال جميعاً إلى الكنيسة للصلاة. وكانت الكنيسة مجرد خيمة مخصصة للعبادة. وكنا عادة نطيعه. وذات يوم كان هجوم اليابانيين علينا شديداً للغاية. وامتلأت السماء بالطائرات. ودعانا «باكستر» للكنيسة، وذهبنا معه والموت يحيط بنا. وقلت في نفسي: «من المعقول أن نذهب لتلك الخيمة عندما تكون الغارة بسيطة، أما والغارة الجوية قوية فيجب أن نذهب إلى الملاجئ (المخابئ)». ولكنه سرعان ما طمأننا وقال: «سأصلي للرب يسوع المسيح. أنتم لا تحتاجون أن تضعوا إيمانكم فيه، فقط قولوا آمين على طلباتي». ومع أننا كنا في أول الأمر نشك لكننا طاوعناه. وبدأ باكستر يصلي، ولا تزال كلماته ترن في أذنيَّ إلى اليوم: «يا ربي يسوع، أعلِنْ قوتك وعظمتك الآن. أثبِتْ لهؤلاء الرجال أنك حيّ. احفظهم من الغارة من أجل خاطر أحبائهم وآبائهم. عرِّف هؤلاء الرجال أنك حي قادر أن تخلّص، ليس فقط الجسد من الهلاك والموت، لكن النفس من الخطية».

وحدث تغيير في الخيمة كلها عندما كان «باكستر» يصلي، فقد صمت الجميع. والأغرب من ذلك أننا لم نعد نسمع أصوات الانفجارات في الخارج. وعندما خرجنا من الخيمة كان المنظر مذهلاً. كانت أشلاء الرجال متناثرة هنا وهناك. أما الوحدة التي على الجانب الآخر من النهر فقد زالت تماماً بعد أن دمرتها القنابل! وكانت صرخات الجرحى تملأ آذاننا. وكانت إحدى القنابل قد سقطت في النهر فكان ماؤه يغلي، والطين يفيض على جانبيه، وسحابة ثقيلة من الدخان الأسود تخيِّم على المكان معلنة الدمار الشامل الذي حلَّ به. ولم نملك إلا أن نقول: «إن مسيح «باكستر» حيّ، استجاب صلاته وخلَّص شعبه. فمن هو يسوع هذا؟» !

كل ما كنت أعرفه عن المسيح أنه نبي من الأنبياء كما يقول القرآن. ولكني لم أسمع من قبل صلاة بسيطة مباشرة كصلاة «باكستر». وتذكرت أني في طفولتي كنت أذهب إلى كنيسة مع بعض أصدقائي وأستمتع بالترتيل، وألعب مع بقية الأولاد باللعب المتوافرة في فناء الكنيسة. ولكني لم أفهم شيئاً من صلاة القسيس، رغم أن صوته كان عالياً. لم يكن صوت «باكستر» عالياً، لكنه كان يصلي كمن يكلّم صديقاً يقف إلى جواره. وكانت صلاته بسيطة واضحة بلا تكلّف. وسألت نفسي: هل يمكن أن أصلي أنا كما يصلي «باكستر»؟

الفصل الثالث: معارك من داخل ومن خارج

بعد انتهاء الغارة الجوية اليابانية عملت كميكانيكي طيران. ولكن عملي توقف بسبب حادثة كادت تُنهي حياتي، فقد كنا نصلّح الطائرات المتعطلة ونجربها. وذات يوم تلقيت أمراً من القائد أن نعيد إصلاح طائرة، لأن إصلاحها الأول لم يكن كافياً. وعندها تذكرت أن أحد زملائي وهو يجرب طائرة بعد إصلاحها أُصيب فتشوَّه نصف وجهه. ولكن كان يجب أن أطيع الأوامر، فاعتليت الطائرة مع زميلٍ لي. وأمرونا أن نطير ثلاثاً وثلاثين دقيقة قبل أن نعود. ولكن على بُعْد ثلاثين ميلاً من مركز إصلاح الطائرات أُصيبت طائرتنا، وأُصبت أنا أيضاً. فأزاحني زميلي من مقعد الطيَّار وتولى القيادة حتى هبطنا بسلام. ونقلوني إلى المستشفى، وقد احترق نصف وجهي الأيمن. ولم أكن مدركاً لما حدث لي بسبب غيابي عن الوعي. وعندما بدأت أفيق سمعت محادثة بخصوصي. كان أحد الأطباء يطلب دخولي جناح الضباط، بينما الآخر يرفض ذلك لأني لست ضابطاً. وسمعتُ ممرضتين تناقشان الطبيبين، أيّهما أكثر أهمية، الرتبة العسكرية أو حياة هذا الشخص؟ ولكنهما لم تنجحا في إقناع الطبيب، فلم أدخل للعلاج في جناح الضباط. فقررتا أن تأخذاني إلى جناح الممرضات لتقدّما لي عناية خاصة. ولم أكن أعلم أين أنا، لأن عينيَّ كانتا مربوطتين. وكان كل ما عرفته عن إصابتي ما كنت أسمعه من المحيطين بي بخصوصها. ورقدت في تلك الغرفة عشرين يوماً، لقيتُ أثناءها عناية كاملة من الممرضتين اللتين كانتا كملاكين. واستطعت أن أبصر بعيني اليمنى. وفي يوم خروجي عرَّفتني الممرضتان بنفسيهما: «أمبر» و «ماري» ممرضتان هنديتان. وسألتهما عن سر اهتمامهما بي، واندهشتُ من الإجابة. لم يكن ممكناً أن تقولا لي: لأنك شاب جذَّاب، فقد كانت الضمادات تغطي وجهي. ولا لأنهما ستنالان مكافأة مالية، فلم يكن معي شيء. وكم اندهشت إذ قالتا إن اهتمامهما بي يرجع إلى أنهما مسيحيتان. وقالتا: «لقد تألم مخلّصنا لينقذ البشر، فتعلّمنا منه أننا يجب أن نخدم الآخرين».

واندهشت من هذه الإجابة وبكيتُ حتى أغرقتْ دموعي وجهي. لقد خجلتُ من ممرضتين تعتنيان بمريض عاجز لأنهما مسيحيتان. فشجعتاني وقالتا: «لا يجب أن تبكي لأن جرحك حديث». فأحنيت رأسي بإحساسٍ غامرٍ بالشكر، وكم وددت أن أقبّل أقدامهما. لقد رأيت السيد المسيح في تلميذتين من أتباعه. كان هو نفسه يتابعني حتى لا أهرب منه. لقد رأيت أتباعه يعتنون بالآخرين ويطبّقون ما كانت أمي تحاول أن تعلّمه لي. لقد لمستُ حضور الله في شعبه.

وعندما عدتُ إلى المعسكر أعطوني عملاً خفيفاً يتناسب مع حالتي الصحية. فكان عليَّ أن أمنع رجال سلاح الطيران من دخول أجزاء في المدينة لا يجب أن يدخلوها، حرصاً على سلامتهم. وأعطاني هذا العمل فرصة التعرُّف على أهل بلدي. لم أكن أتوقع أن أجد محبة، لكن هذا ما وجدته. فقد تعرفت على شاب هندي اسمه فيليب من ولاية بيهار، كانت صحبته سعيدة، وكنا نقضي أوقاتاً كثيرة في الضحك. وكان كل أصدقائي يحبون أن يكونوا مع فيليب للاستمتاع بروحه المرحة. وذات يوم صدرت الأوامر بنقله إلى مكان آخر، وكان عليَّ أن أبلغه ذلك. وعندما أبلغته حَزِن حزناً كبيراً. ولما سألته عن السبب، قال لأنه تعرَّف على فتاة اسمها كُمْلة، مومس من عائلة حقيرة، يريد أن يتزوجها لينقذها من البؤس الذي كانت فيه. وقال لي: «إن ديانتي تقوم على التضحية. لقد أحب المسيح أشخاصاً مثلي وبذل نفسه من أجل خلاص نفوسهم. فإن كان قد قبلني بخطاياي، فيجب أن أقبل الخطاة بغير احتقار». وقد اندهشت من هذا التعليق. كنت أظن فيليب مجرد شخص ضحوك، أما الآن فقد رأيته في صورة جادة، تحكم مبادئُه تصرفاتِه. كان فيليب كضوءٍ وسط الظلام! وحاولت أن أثنيه عن عزمه في الزواج من كُملة، لكنه رفض تماماً. فقد كان عرضه عليها الزواج تضحية من جانبه على مثال تضحية المسيح.

وأدرك الكابتن «باكستر» ما يفعله فيليب، فشجَّعه على ذلك. وتم إلغاء قرار نقل فيليب. ودعونا كُملة لتقيم بالقرب من المعسكر إلى أن يتمم قسيس المعسكر مراسم الزواج. ثم أخذ فيليب كُملة إلى قريته بكل شجاعة ليعلن زواجه. وكان يمكن أن يتزوج بها في مكان بعيد لا يعرف أحدٌ عنها فيه شيئاً. لقد رأيت في فيليب المحبة التي رأيتها في «باكستر» وفي الممرضتين «أمبر» و «ماري»، وجعلت أتساءل: أين يجد الإنسان شجاعة ليقف ضد الممارسات والعادات الإجتماعية، ويضحي فيتزوج فتاة مثل كُملة؟

الفصل الرابع: الفدائي المجاهد

في مارس (آذار) 1947 عدت إلى جامو إذ شعرت بفراغ في حياتي. بيد أن جوًّا من العداوة والتمزق أرغمني على البقاء لأهتم بسلامة أسرتي ومساعدتهم في الأوقات العصيبة التي كنا نجتازها. كان الهندوس الأغلبية الساحقة في جامو، وكذلك كان المسلمون في كشمير الشمالية، فكنا نعلم أننا محاطون بأناس يعادوننا. لم يكن وَضْع كشمير محدداً، فقد انتهى الحكم البريطاني في الهند في منتصف أغسطس (آب) 1947 . وصار هناك بَلَدان بدلاً من واحد، فلقد انفصلت باكستان المسلمة بجناحيها الشرقي والغربي عن بقية الهند. وانتقلت آلاف العائلات إلى البلد الذي وقع عليه اختيارهم. فبالنسبة للمسلمين كان لزاماً عليهم أن يسيروا مئات الأميال إلى باكستان في الغرب. لقد بلغت المعاناة حداً لا يمكن تصوُّره، وتمخض ذلك عن مذابح مريعة. أما الولايات المستقلة مثل كشمير فقد أُعطيت حق الاختيار في الالتحاق بأي بلدٍ يختاره أهلها. واستمرت أحداث القتل الوحشية بعد التقسيم بشكل متصاعد. فلا أحد يعرف الأمن والأمان، وملأ الرعب كل مكان.

ولكن وسط هذا الظلام الحالك رأيت ومضات أضواء خافتة. ها هو جارنا الطيب الرقيق من السيخ «إقبال سينج» يناشدنا أن نغادر المدينة، لأن الأحوال صارت ميئوساً منها. وقال لي: «إن هدَّد أحدٌ حياتكم فنحن جيرانكم، وسوف نضطر للدفاع عنكم، ولو إلى الموت». في هذا الخضم من الكراهية لمسنا روحاً تُجسّد الكرم، مما بعث فينا الأمل.

وكان لزاماً عليَّ أن أرغم أخويَّ الكبيرين على المغادرة واللحاق بزوجتيهما لئلا يلحقهما السوء. وكانت هذه صدمة عنيفة عليهما، فلهما ممتلكات وأراضٍ في جامو. وفي حسرة وأسى غادرا المكان.

وتسلل الرعب إلى مصنعنا لما اختفى عامل في الرابعة عشرة من عمره يدعى إلياس، وتغيب عن منزله. وأتت أخته وقت الغداء تسأل عنه، فأخبرتها أنه لم يحضر، ولكنها أصرّت على أنه غادر المنزل إلى عمله كالعادة. ملأني الرعب وخشيت أن يكون قد وقع أسوأ الأمور. أخذتُ الفتاة الصغيرة بيدها وسرنا نفتش على أخيها، فوجدنا جثته في أحد الشوارع. شعرتُ بالحزن وانخرطَتْ أخته بجواري في البكاء المر. حاولت تهدئة روعها لكن دون جدوى. بعد ذلك أبلغت الخبر للأسرة وساهمتُ في ترتيب الجنازة. ودُفن إلياس في اليوم نفسه. تُرى، من يأتي دوره؟ كنا جميعاً مستهدَفين لذلك.

وعاد جارنا السيخي يتوسل إلينا أن نغادر. لم يكن هيناً إقناع العمال بالذهاب، لأن راتبهم من المصنع كان مصدر عيشهم الوحيد. لم يكن للمغادرة سوى معنى واحداً: البطالة، وما يترتب على ذلك من جوعٍ قاسٍ لهم ولأسرهم. فضلاً عن هذا كله، كان ولاؤهم للمصنع وطيداً لدرجة لا تسمح لهم بمغادرته في تلك الظروف العصيبة. لكني أصررت على مغادرتهم. ودفعت رواتبهم، وأغلقت المصنع.

كنّا نملك في «جامو» ثلاثة منازل ومحلاً تجارياً ومصنعاً و 400 فداناً من الأرض. والآن حان الوقت لنترك هذا كله. وباقتراب نهاية سبتمبر (أيلول) لبستُ زيّ سلاح الطيران لئلا يتحرش بي أحد. كان الظلام حالكاً حين دنوت من نهر «توي» وكان ذلك بمثابة ستر وأنا أعوم. ونحو الجانب الآخر سمعت كلمة «مَحلّك!» وملأني الرعب، ولكن الحارس سمح لي بالسير، فركضت المسافة المتبقية من العشرين ميلاً حتى وصلت بيتي في «ظفراوال». رحبت بي أمي بحرارة وسط دموع غزيرة. لقد تصدَّعت الحياة حولنا الآن والتي بنيناها بعد عناءٍ مضنٍ. بدت الحياة قاتمة. لكن في رأي السياسيين كانت هذه بداية جديدة ومثيرة في صالحنا، واعتبرونا محظوظين! لقد كان لدينا بيت مريح وطعام كافٍ، والآن أرسلونا إلى معسكر لاجئين. لم يعد للحياة معنى! وغمرني اليأس. كنت أعتقد أن للحياة معنى، ولكني فقدته، ودوري الآن أن أستردّه مرة ثانية! واتجهت للإسلام لعلي أجد ملاذاً واتجاهاً جديداً كي أحيا لأجله وأموت لأجله. تاق كل كياني إلى شيء يستحق كل اهتمامي. كنت مقتنعاً بأن كل ما كان عندي وكل ما مررت به وتدرَّبت لأجله كان بحاجة إلى منفذٍ لاستخدامه. وبدأت آخذ الإسلام بجدية. إنه الدين الذي تربَّيت فيه. صمَّمت أن أصبح مسلماً صالحاً، وصارت الصلاة السمة المميزة لحياتي. فُرض على المسلمين أن يصلّوا خمس مرات كل يوم، لكني اعتبرت ذلك أقل مما يجب واعتقدت أن الفقهاء والمشايخ يمكن أن يبيّنوا لي الصراط المستقيم.

وارتفع النداء للجهاد في كل مسجد. وإذا بمهراجا كشمير يضم محافظته إلى الهند، مما أثار غضب المسلمين، الذين كانوا يفضلون الانضمام للباكستان، أو أن تكون كشمير مستقلة. فدُعي المسلمون إلى الجهاد ليقاتلوا المشركين والكفّار. منذ بداية الإسلام والدين والسياسة رفيقان لا يفترقان. وكان واجباً نبيلاً عليّ أن أُرضي الله سبحانه الذي هدى خطواتي لأصبح مقاتلاً في «حركة الحرية». وأخيراً بدا وكأن الفراغ الشاغر في حياتي يمتلئ.

قابلت السردار محمد إبراهيم، أول رئيس لكشمير الحرة، الذي ألحقني بجيوش المسلمين المقاتلين في «حركة الحرية». سجلت اسمي والتحقت كجندي عادي. لم أشأ أن أتباهى مستعرضاً خبرتي السابقة في سلاح الطيران فلم أخبر أحداً عنه.

وعندما بلغ دوري في «حركة الحرية» ذروته قابلت «سليمة» مرة ثانية. غمرها السرور وأبدت شوقاً لتجديد أواصر الصداقة بيننا وأن نفكر في موضوع الزواج، بعد أن تجرَّدَت أسرتنا من ثروتها، فلن يعترض أحد على زواجنا. ولم يخطر ببالي أن هذا سيكون آخر لقاءٍ بيننا! فقد ذهبت إلى قرية سليمة فوجدتها مريضة ولم يسمحوا لي برؤيتها. ولأني لم أعرف مدى خطورة مرضها، ولأني صممت على السير على النهج الذي رسمته لنفسي، غادرت القرية دون أن أطلب رؤيتها. وفي خلال شهر عدت إلى القرية. وحدث ما لم يكن في الحسبان، كأن صاعقة من السماء هوت على رأسي. رأيت أخا سليمة وأسرتها وأقاربها عائدين من المدافن بوجوهٍ واجمة يعتصرها الأسى. لقد ماتت سليمة ذلك الصباح! هل ماتت بسبب انكسار قلبها، ويقع اللوم عليَّ؟ غمرني الأسى وعذبني ضميري. والآن أُغلق الباب المؤدي لسعادتي الشخصية للأبد. عدت إلى الشعور القاتل بالوحدة، وقلبي منكسر من الحسرة. كان السبيل الوحيد لنسيان هذه الأحزان هو الانهماك في «حركة الحرية»، وكان هذا كل ما لديَّ لأحيا لأجله.

وسرعان ما لاحظ قادة «حركة الحرية» خبرتي وتدريبي اللذين لا يُقدَّران بثمن، فعقدوا العزم على أن أصبح واحداً منهم، واحتفلوا في إحدى الأمسيات بذلك. وكانت السرية أهم شيء في معركة «الحرية» هذه، وكان دوري تدريب الآخرين. وبالتدريج اشتركت أكثر فأكثر في عمل المخابرات. تضمنت عملياتنا كل أنواع الخداع. ففي إحدى المناسبات تنكرتُ وادَّعيت أني هندوسي براهمي لاجئ من باكستان. كانت مهمتي استكشاف قوة وموارد الجيش الهندي في تلك المنطقة. ولما وصلت إلى الحدود أجهشت بالبكاء وشرحت كيف قُتلت أسرتي، وكيف أخذوا ممتلكاتنا. فتأثروا جداً بما سمعوا وطيَّبوا خاطري وأكَّدوا لي مساعدتهم. وحينما طلبوا مني تلاوة ما تيسر من الأسفار الهندوسية تسلل الرعب إلى نفسي، فلم أكن أعرف أي أجزاءٍ يريدون بالتحديد، علماً بأني تعلمتها في مدرستي الهندوسية في جامو. وكان لا بد أن أفكر بسرعة. قررت أن أسترحمهم، وبكيت مرة ثانية وقلت إن كلي حيرة ومجهد تماماً. ولكن حِيَلي لم تنجح معهم، وشكّوا فيَّ. ولم يكن صعباً عليهم أن يحدّدوا ديانتي، فعلامة المسلم هي الختان. كل ما احتاجوه هو تجريدي من ملابسي ليكتشفوا حقيقة أمري. فأخذني اثنان منهم جانباً ليفحصاني، فانتزعت نفسي منهما وقفزت فوق الحائط. وألقيت عليهم جميعاً قنبلة، وانتظرت خمس عشرة دقيقة ثم ألقيت قنبلة أخرى، فاندلعت ألسنة النيران في كل أرجاء المكان. ولم يكن مثل هذا الدمار للحياة البشرية والممتلكات غريباً عليَّ. ولم ينخس هذا ضميري، ما دمت أفعله في سبيل الله!؟

واستمرت الحرب من أجل الحرية طيلة سنتين. وبنهاية هذه الفترة جرت أحداثٌ ساعدتني على تذّكر تلك القِيَم التي تعلمتها كطفل، وهي قدسية الحياة، والحياة لأجل الآخرين. ما كانت هذه المثُل لتغطس في أعماق بعيدة إلا لتعود تطفو على السطح وتحظى بأولوية في حياتي مرة ثانية.

وبينما أنا في طريقي لحضور اجتماع، سمعت من ينادي عليَّ بالاسم الذي اعتادت أسرتي أن تدللني به. ولفرط دهشتي وجدتها أخت أحد الأصدقاء الهندوسيين، تقف وراء نافذة ذات قضبان حديدية. وبصعوبة عرفتها، ولكني تذكرت أنها كانت إحدى أفراد أسرة آوتهم والدتي في بيتنا لمدة شهرين قبل أن يعبروا الحدود إلى الهند. وسألتها: إن كانت أخت سوديش؟ هزت رأسها بنعم. ثم سألتها كيف أتت إلى هنا؟ وأحسَّت بالحرج الشديد الذي منعها من الجواب. فرجوتُها أن تردّ، لأني أدركتُ كم هي مغمومة. وأخيراً حكت لي قصتها الفظيعة، وهي أن اثني عشر أفغانياً من المقيمين في الهند، عبروا الحدود وأغاروا على قريتها وأحضروها إلى هذا المكان حيث تناوبوا اغتصابها الواحد تلو الآخر.

سادني الوجوم والصمت. ماذا يجري أمامي؟ أكان هذا نتيجة حماسٍ ديني؟ هل يسمح الإسلام بهذا السلوك؟ ولأول مرة في تاريخ مهنتي التي اخترتها بنفسي قامت علامة استفهام أمام أنشطتي، وبدأت الشكوك ترتسم في ذهني. كان صعباً أن أطفئ هذه الشرارة. وفي موقفي الحاضر كان واجباً عليَّ أن أفعل شيئاً إيجابياً. أحضرتُ إليها كل ما احتاجته لتضميد جراحها، ثم استخدمت نفوذي لإطلاق سراحها. واعتنت أمي بها حتى شُفيت وصارت قادرة على الرحيل لتلحق بأسرتها عبر الحدود.

وذكَّرني هذا الظلم بمشهدٍ رأيتُه في مدينة جوجارت وأنا في طريقي إلى كشمير في السوق، إذ رأيت البشر يُباعون: ثمن العذراء 300 روبية، وثمن المتزوجة ومعها طفل 200 روبية. أما العجوز فثمنها 50 روبية فقط! كانت صدمة شديدة لا أنساها. كيف يقيِّمون البشر؟ وراودتني الأسئلة!

الفصل الخامس: العدوّ الذي لم أتوقعه

عقد نهرو رئيس وزراء الهند، وعلي خان رئيس وزراء الباكستان اتفاقية سياسية، فتعزَّز موقف الجيش الهندي في كشمير، وساءت معنويات المقاتلين في «حركة الحرية» لأن حركتهم كانت بدون تنظيم أو تفكير سابقين، فعجزوا عن الحرب إلا ليلاً بسبب إمكانياتهم المحدودة.

وذات مساءٍ دخلتُ قريةً مع بعض رفاقي تبعد مسافة قصيرة داخل الحدود الهندية، وسمعت بوجود بعض غير المسلمين فيها، فاستدعيت العمدة (المختار) للتحقُّق من الأمر، فأجابني:

- لا يوجد هندوس يا سيدي، لكن يوجد بيت مسيحي واحد.

- مسيحي؟ تقصد أتباع عيسى.

- أجل، ثلاثة أشخاص فقط.

- هم ليسوا مسلمين. خذنا إليهم، وسنتَّخذ إجراءً بشأنهم.

كان قراري هذا طبيعياً جداً لي في ضوء آخر ما فهمته عن المسيحية. وكنت قد سألت مولانا الشيخ عن تعريف كلمة «كافر» فأجابني: «كل من لا يقول الشهادتين كافر، وهما لا إله إلا الله. محمد رسول الله. لذلك أمام كل واحدٍ خياران: الإسلام أو الحرب. كل من لا ينطق الشهادتين ويخضع لتعاليم محمد فلن ينال سلام الله، ويكون قد اختار الحرب وعواقبها». كان الرد واضحاً ومباشراً. فسألته سؤالاً محدداً: «ما رأي مولانا في المسيحيين؟» فإذ بإجابته تلقيني في غياهب الحيرة. قال لي: «إنهم أهل الكتاب، يؤمنون مثلنا بعبادة الله الواحد سبحانه وتعالى الذي أنزل للناس وحيه. وهم يؤمنون بالتوراة والإنجيل، أما المسلم فبالقرآن الكريم. يؤمن المسلمون أن الوحي أُنزل إلى محمد في القرن السابع الميلادي في مكة والمدينة بطريق جبريل عليه السلام. وأصل الوحي في اللوح المحفوظ، الذي يوجز رسالة الله لكل الأنبياء السالفين وخاتم التنزيل. ويرفض القرآن الاعتراف بأن المسيح ابن الله، لكنه نبي كسائر الأنبياء. كما أن التوراة والإنجيل منسوخان بالقرآن». فقلت له: «لو كان المسيحيون أهل كتاب لما أُدرجوا ضمن الكفَّار. أما إذا كان تعريف الكافر أنه الذي لا ينطق بالشهادتين فيكونون كفرة تجوز الحرب ضدهم». ولم يشأ مولانا أن يطيل الحديث كي يدعم استنتاجي، كما لم يرفض قولي، وتركني في حيرة دون استنارة. فقررتُ لنفسي أنهم ما داموا لا ينطقون الشهادتين فهم كفَّار يجب أن نحاربهم.

وذهبت إلى بيت المسيحيين في تلك القرية. ولما قرعت الباب خرج كهلان ترتعد فرائصهما في ضوءٍ خافتٍ ينبعث من مصباح زيت. فدعوتهما للإسلام. وبينما هما يفتشان عن جواب مناسب خرجت طفلة في حوالي العاشرة من العمر، تقدمت نحوي وقالت: «لا! لا يمكن أن نصبح مسلمين». فانفجرتُ ضاحكاً وسألتها: لماذا؟ فأجابت: لا يمكن أن نغيّر ديننا لأي سبب مهما يكن. قلت لها: «يا لكِ من فتاة غبية! الآن عليكم التفكير في إنقاذ حياتكم بأن تصبحوا مسلمين». لكنها لم تذعن وقالت: «نؤمن بمَنْ قال: أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر، ونؤمن أنه معنا حتى اليوم».

نفد صبري وأهاجني عنادُها وتوصلتُ إلى قرارٍ سريع، فقلت لها: «حسناً! سنقتل الكهلين ونأخذك معنا إلى المعسكر لنستبدلك بفتاة مسلمة من الهند». لكن تخويفي لم يخضع الفتاة ذات العشر سنوات. وبإصرار قالت: «افعل ما شئت، لكن لنا طلب واحد» وسألتها: ما هو؟ أجابت: «لن نطلب منكم أن تعفوا عنا. أعطونا فقط خمس دقائق لنصلي طالبين المساعدة ممن أعطانا هذا الوعد». كانت الفتاة تتكلم بثقة وبغير خوف. سألتها: «هل أنت غبية؟ إن الإله الذي تعبدينه لن يخلِّصك. لم يخلِّص أحدٌ المسلمين من الهندوس، ولا خلَّص أحدٌ الهندوس من المسلمين. ألم تسمعي بما جرى لمعبد الهندوس في قلعة هابتال منذ ساعات؟». قلت هذا لها لأُخيفها. وأما هي فأجابت: «فقط أعطونا بضع دقائق». فسمحت لها بتلك الدقائق، وقلت متهكماً: «لعلكِ تنتجين قنبلة نووية بصلاتك!». خرَّت الفتاة والكهلان على ركبهم. ولم أسمع ما يقولون، لكني لاحظت الدموع تنساب على وجنتي الطفلة وشفتاها تتحركان. انقضى الصمت على أثر قولهم في صوت واحد: «باسم يسوع المسيح آمين». وبينما هم يقولون «آمين» انبعث من الأرض حائط من الضوء اللامع أخفاهم عن ناظرنا. لقد عرفتُ معنى النار المميتة ولهيبها المندلع في الانفجارات، ولكني لم أرَ في حياتي قط مثل هذا الضوء المرهب في سطوعه. كان ضوءاً فريداً أثيرياً لا أجد كلماتٍ تصفه. وبالتدريج اقترب هذا الضوء منّي فملأني الذعر، فقد بدا وكأنه يحاول إحراقي! وبدأ عرقي يتصبَّب بغزارة، ولأول مرة في حياتي منذ كان عمري تسع سنوات شعرت بالخوف الحقيقي القاتل. ولم أعرف ماذا أفعل. وفجأة خطر ببالي أن أطلب غفران تلك المخلوقات البائسة! لكن لماذا؟.. لأنهم أكبر مني، ويبدو أنهم على صلة بقوة أكبر من كل ما عرفت في حياتي. لعله من الأفضل أن أطلب صفحهم. فقلت برعبٍ: «أرجوكم سامحوني». فأجابوا: «نسامحكم باسم يسوع المسيح». وما إن قيلت هذه الجملة حتى اختفى الحائط النوراني، ووقفوا أمامنا مرة أخرى في هدوء وسكينة يترقَّبون ما نأمرهم به. أما نحن فلم نقدر على الانتظار أكثر من ذلك. كان معي بعض المجوهرات التي كنا قد سلبناها من بيوت الهندوس التي هجروها. فتركت لهم بعضها، وسرنا ونحن نشعر أننا أخطأنا في حقهم.

ولم يغمض لعيني جفن إذ بدأ المسيح يدق على قلبي! بدأت أسترجع التجارب السابقة التي عمل المسيح فيها أمامي معجزات. ها هو باكستر الذي تبع المسيح الذي حماني ورفاقي من القنابل اليابانية. فإن كان ما ادَّعاه باكستر صحيحاً (ونحن كلنا أقررنا بذلك) فإني مديون بحياتي لقوة المسيح. ومع ذلك فإني لا أعرف الكثير عنه. فكيف أُظهر امتناني لشخصٍ لا أعرفه؟ لكن كان ينبغي ذلك لأنه أنقذ حياتي. ومن أتباع المسيح أيضاً ماري وأمبر اللتين وضعتا ثقتهما فيه وهما تنقذان حياة شاب مسكين وتضمدان جراحه. ولم ينقذ المسيح حياتي فحسب، لكنه كان حريصاً على أن يعتني تلاميذُه بي وأنا جريح لا حول لي ولا قوة. ترى لماذا يفعل هذا لأجلي، أنا الذي لم أعطِه ولاءً ولا طاعة؟

فإن كان فيليب الذي تبع المسيح نال القوة ليقدّم تضحيات كبيرة، فأنا أيضاً بذلت تضحيات متخلياً عن كل أغراضي الشخصية لأُرضي الله في «الجهاد». لكني لم أشعر بأي علاقة شخصية مع الله، ولم أؤمن أنه منحني الشجاعة لأفعل أي شيء. فقط اتكلتُ على مواردي وعبقريتي. ولكن ها أنا الآن أقف في مواجهةٍ مع المسيح الذي تبعتْهُ تلك الفتاة الصغيرة، فجاء وأنقذها في اللحظة العصيبة. إنه شخصٌ وفيٌّ لوعوده. لقد ساورتني الشكوك في حمايته لوحدتنا أثناء القصف الياباني، أما الآن فلم تعد هذه الشكوك موجودة! لقد رأيتُ حمايته بأم عيني، ولا مفرّ من مواجهة الحقيقة. هذا المسيح بدأ يتابعني أينما ذهبت. والمدهش أني أردت أن أطلب الغفران، أنا الذي لم يسبق لي أن طلبت ذلك من أحد. فهل كانت كل حياتي آثمة وعاصية بسبب كل ما فعلتُه في سنواتي الماضية؟ ووثب إلى مخيَّلتي ذلك النمط المتوالي من حصار المسيح لي عبر هذه التجارب، كما لو كانت حبات لؤلؤ متفرقة تصطفّ في عقدها المنضود. لقد نجوت من الموت، ونلت العناية في مرضي، وعرفت تأثير المسيح بكفارته في هؤلاء الذين صفح عنهم بإسمه. فهل اختارني لشيء ما؟ وما هو؟

لاحقتني هذه الأفكار وعذبتني وكانت تأتي رغماً عني. ومع ذلك لم تكن قوية إلى الحد الذي يسمح بنسيان التزاماتي والأفكار الأخرى. فاستمرَّ اشتراكي في «حركة الحرية». ومع أن حماسي لها تضاءل إلا أنه كان لزاماً عليَّ أن أواصل نشاطاتي.

وذات مساء تمكنت كتيبتي من إضرام النار في قرية في أقصى جامو، وكان العمل يسير ببراعة ومهارة. وكنت أقف بمفردي في زاوية من الحقل على قارعة الطريق أسمع صياح وعويل الجرحى، فانتظرتُ مكاني لأقتل من عساه يهرب منهم في اتجاهي. ولمحتُ عجوزاً على مرمى بصري بين ألسنة اللهيب تحاول أن تمنع ألسنة النيران والدخان عن شيءٍ كانت تحمله. ولما اقتربَتْ رأيتُ طفلاً على كتفها. قلت لنفسي: «خسارة أن تضيع القذيفة! تكفي ضغطة صغيرة على زناد بندقيتي لتقضي عليها وعلى طفلها. وتقدمتُ نحوها فألقت الطفل عند قدميَّ وقالت: اقتل! هيا اقتله! إنه طفل هندوسي وإلهك يحب قتل الناس. لذا اقتله». شُلَّت يدي عن الحركة، وخيَّم سكوت رهيب عليَّ، ولم يعُدْ ممكناً أن أنفّذ مهمتي. كنت سأقتلهما بدون تفكير - ولكن هذه العجوز جعلتني أفكر في ما سأفعله! وانتهزت المرأة فرصة ترددي ونظرت إلى عينيَّ متحدية جريئة وقالت: «يا ولدي، هل عندك أطفال؟»

- كلا يا أمي. لكن إخوتي عندهم.

- هل شاهدتَ الأطفال وهم يبنون بيوتاً من طين في مواسم المطر؟

- نعم يا أمي. أنا نفسي صنعتُ بيوتاً وأحصنة وثيراناً طينية مرَّات عديدة.

كانت المحادثة تجرِّدني من السلاح تدريجياً. يا لمهارتها في إشراكي في المحادثة بطريقتها هي!

- وكيف كانت حالتك عندما هدم أحدهم البيت الذي بنيتَهُ؟

أجبتُ مبتسماً بخجل: كنت أتضايق جداً يا أمي.

- حسناً يا ولدي. صنع الله جسد هذا الطفل بيديه ليعبّر عن صلاحه. فإن ضايقك أن يهدم أحدٌ ما بنيتَه، فكم يغضب الله على ما كنتَ ستفعله؟ هل الله ضعيف لدرجة أنه يحتاج لمساعدتك لإبادة الكفَّار؟ إن كان الله غير راضٍ عن شخص أو شيء، فإنه بنفسه سيضع نهايةً له.

صعقت هذه الكلمات ذهني ونفسي، وصحتُ: «كفى يا أمي! بعد اليوم لن تُرفع هاتان اليدان على أحد باسم الدين. لقد أشعرتيني ببؤسي. لن أعود إلى هذا يا أمي العزيزة. ادعي الله لأجلي. أعلم أنني ضال».

وعلمتُ في صميم فؤادي أنها مُحِقَّة. كانت سبباً في أن تبلغ شكوكي حول أنشطتي الحربية ذروتها. وأخيراً لم أقدر على الاستمرار، فأمرتُ كتيبتي بالانسحاب، مما دفع رجالي إلى الظن بأني مجنون، وبدأوا يتذمَّرون على ما صدر مني بخلاف عادتي، وأصابهم الإحباط. لكنهم أطاعوا رغم ذلك.

في تلك الليلة تأملتُ أساليب عنفي. إن ما رأيتُه جعلني أستشعر أنه لا مفرّ من العقاب في جهنم جزاء ما فعلتُ، بقتل ما صنعه الله سبحانه وتعالى. لقد خضعتُ لأفكار الفقهاء، ولكني مسئول وحدي عن كل ما فعلت. فعلى من يقع اللوم إذاً؟ وبينما هذه الأفكار تعذبني قررتُ ألاّ أستمر في نمط حياتي الحاضرة. لم يعد يسرُّني إرضاء الله بقتل الكفَّار، وكانت الاستقالة السبيل الوحيد لي.

وذهبتُ إلى القائد الأعلى لأقدّم استقالتي من «حركة الحرية» فعَلَت وجهه الدهشة وعدم التصديق وسألني:

- لماذا تريد أن تستقيل؟

ولم أقدر أن أواجهه بكل القصة لأنه سيعتبر ذلك غلوّاً مفرطاً. كما لم أقدر أن أشرح لأي واحدٍ ما كان يدور بذهني، فقلت: «لقد اشتركتُ في الحرب بحريتي، والآن أريد أن أستقيل بحرية».

ولما أدرك القائد الأعلى أنه لا جدوى من الجدل ومحاولة إقناعي بالبقاء، طلب مني تقديم استقالتي مكتوبة! وأعطتني الكتابة فرصة لأربط أفكاري واستجمعها. وكتبت أربع صفحات قرأها القائد الأعلى بصبر. وأعادتني تلك الكتابة إلى صوابي.

غُلب القائد الأعلى على أمره، بيد أنه عرض عليَّ مهمة أخرى، قبلتُها: كانت جمع كل الممتلكات التي يمكن نقلها والتي تركها الهندوس أثناء هروبهم للهند. ورافقني في هذه المهمة بعض المتطوعين كحرس. وأثناء هذا العمل رجعتُ إلى بيتي. وذات يوم ونحن نتناول الغداء رأى أخي معي وشاحاً جميلاً، فسألني كيف حصلتُ عليه، فأجبته أني وجدته وسط أملاك الهندوس التي صادرناها. فما كان من أخي إلا أن أخذ الوشاح وألقاه في النار، وصاح في غضب: «لقد فضحتنا وفضحتَ نفسك! الآن ستبقى في البيت. ومن الآن فصاعداً لن تستمر في نهب ممتلكات الناس. هل سمعتني؟» ودُهشت لأني لم أكن قد فعلتُ شيئاً غير عادي، فحتى الفقهاء اعتبروا مال الهندوس غنيمةً لهم! فبمن أقتدي؟

ولما أجبرني أخي على ترك عملي عدتُ من جديد إلى حياة البطالة - فماذا عساي أفعل بحياتي؟!

الفصل السادس: حاصرني وهزمني

دفعتني مواجهتي مع السيدة العجوز في تلك الليلة المشئومة أن أعزم على ألاَّ أزهق أي روح بشرية. واستقلتُ من «حركة الحرية». لقد هالتني فظاعات الحرب على اختلاف أنواعها وما تتمخض عنه. كنت عند مفترق الطرق، لا أعرف أين أذهب. وساورتني الشكوك والمخاوف، وأهمها أني سأموت وأذهب إلى جهنم، وليس من مصير آخر! أنا الذي لم أعرف الخوف منذ كان عمري تسع سنوات ملأني الخوف من عقابٍ أستحقه. وساورتني الشكوك في وجود الله. ماذا إن لم يكن هناك إله؟ عندئذ لا أُعاقب على أفعالي الأثيمة، ولا داعي للخوف مطلقاً! لقد شهدتُ الدمار والخراب حولي، ولا يمكن أن يكون لله يدٌ في هذا. ورفض ضميري أن يستسلم للكفر. إنه يصيح بأعلى صوت: حقاً هناك إله، فوجود الكون برهان على وجود خالقٍ له. وربما ليس لله دخلٌ مباشر فيما يحدث لخليقته. ولكن لو صدق هذا لكان إلهاً ضعيفاً أو غير مبالٍ، وهذا مستحيل! قال الفقهاء إن الله شرَّع قتال الكفار والمشركين. لكن كيف يكون هذا وهو الذي خلقهم؟ الأجدر به أن يتوّبهم عن كفرهم وشركهم. ومن يدري؟ ولو رضي سبحانه بقتل البشر لوقعت عليه كل المسئولية، لأنه وهب الإنسان حرية الإرادة في المقام الأول. حينما قتلتُ الكفار شعرت أن ذلك أمرٌ إلهي. وكان من السهل عليه أن يتحكم في إرادتي ليحقق مقاصده. وكمسلمٍ تقيٍ آمنت أني أفعل الصواب حين لبَّيْتُ نداء المسجد للانضمام في الجهاد. سلمتُ أمري (فالإسلام يعني التسليم) لذلك لا تقع عليَّ أية مسئولية في ما اقترفته. وإن لم أكن مسئولاً فلا حاجة بي للشعور بالذنب أو استحقاق جهنم. فإن لم أكن مذنباً فلا مبرر للتوبة. وربما كان الخطأ يطوِّقني من رأسي إلى قدمي، لكن الله أكبر من ضميري. كلما فكرت بشأن هذه الأمور ازددتُ غماً وحيرة. كان ذهني يتخبّط ويموج بالأفكار المعذبة في تيهانٍ تام. لم يكن ثمة بصيص من النور ليضيء حياتي. كنت أحياناً أرقد مستيقظاً مفكراً، لا يأتيني النوم إلا بعد جهد. ربما عليَّ أن أتوقف عن التفكير. ربما كل الأديان اختلاقاتٌ من صنع الإنسان قام بها من يريدون أن يُشعِروا الناس العاديين مثلي بنقصهم.

لا بد أن هناك جواباً، ولا بد أن أصل إليه، ولكن ليس من مجيب. أذكر أني هجرت الطعام سبعة عشر يوماً وأنا في اضطراب داخلي، فاغتمَّت أمي المسكينة لأجلي وتوسلت قائلة: «أخبرني يا ابني ما مشكلتك، وسأساعدك». لكن لا يستطيع أحدٌ مساعدتي. كنت بائساً لأجل التعاسة التي سبَّبتُها لغيري، وليس بيدي حيلة. أحياناً كان يخترق ضوء خافت هذه الظلمة الحالكة، فأرى أن الحياة ليست بلا معنى. هناك إله، فالنظام البديع في هذا الكون يُظهر عظمة القوة المسيطرة التي يقف أمامها العالم كله والإنسان موقف المسئولية، فلا يقدر إنسان أن يفعل ما يحلو له دون تفكير في العواقب. ازددت إصراراً على أن أعثر على هذه القوة أو الله وأصطلح معها. أيضاً بدأت أخشى على اتزاني العقلي. كنت معتزلاً عمن أحبوني وأحببتهم.

وفي بداية مايو (آيار) 1949 غادرت البيت بهدوء، ولم أكن أعلم إلى أين أذهب. كانت لديَّ رغبة جامحة في العثور على السلام. فقد قابلت أناساً على وجوههم السلام الذي كنت أسعى إليه، ولم أبذل جهداً لأسلك مسلكهم، ولا أزال مسلماً.

وصممت أن أفحص الإسلام بدقة أكثر، لأن الإنسان الذي يترك دينه لأسباب واهية هو المجنون، ولا سيما إذا كان دينه هو الإسلام. لم أتردد في قبول الشطر الأول من الشهادتين وهو أنه «لا إله إلا الله». وبالنسبة لي لا يمكن أن يكون سوى إله واحد. وتتضح روعة هذا الاعتقاد حينما ننظر إلى الحالة الدينية التي سادت الجزيرة العربية قبل الإسلام، فقد كان العرب مشركين لديهم 360 صنماً في الكعبة، وكانت بدعة اللات والعزى ومناة ركناً أساسياً في عبادتهم. وجاء محمد معلناً أن الله هو الإله الوحيد وهجر الشرك. ومع ذلك سألت: هل يمكن أن يمنحني الإسلام السلام الذي أبحث عنه، وهو يقول إن الله يأمر أتباعه أن يشنّوا الجهاد على المشركين والكفَّار. وكان الاشتراك في الحرب هو الذي أدَّى بي إلى حالة القنوط التي أنا فيها الآن. تعمقْتُ أكثر، ووجدتُ أن الإسلام يعلّمنا أننا يمكن أن نأمل في الغفران بعد الموت إذا عملنا الصالحات، لكني أردت الغفران الآن والسلام والطمأنينة في هذه الحياة. ولم أشأ أن أحيا بقية حياتي على أملِ غفرانٍ قد أناله بعد الموت وقد لا أناله، فهذا لا ينقذني من المأزق الحاضر.

فضلاً عن ذلك وجدت أنه من العسير أن أحترم الفقهاء أو أن أنصت إليهم. كان والدي يقول لي: «أغلب المشايخ فاسقون. استمع لما يقولون لكن لا تقْتَد بهم. إنهم يرسلون الأبرياء إلى حبل المشنقة، كما قتلوا ذلك الزاهد منصور. احترمهم لكن لا تثق بهم. وابعدهم عن بيتك ما أمكن». قال أبي ذلك في وقت أُخذت فيه امرأة مشكوك في أمرها من بيت رجلٍ كان يستظهر القرآن كله بالعربية، ولم يمنعه حفظه القرآن من الفسوق. دفع هذا والدي إلى عدم الذهاب للصلاة جماعةً بالمسجد في يوم الجمعة. أما الناسك منصور فقد عاش في القرن العاشر، وحُكم عليه بالموت في بغداد، لأن المسلمين اعتبروه هرطوقاً مجدِّفاً لأنه قال: «أنا حق» فقد كان صوفياً متقدماً في تصوّفه، فأعلن اتحاده التام بالله. وبالنسبة لوالدي (الذي كان صوفياً) لم ير في قول منصور مشكلة، فقد قال شاعر فارسي متصوِّف:

رجال الله لا يصبحون أبداً آلهة

لكنهم لا ينفصلون عن الله أبداً

ولما تأملت في كلمات والدي فكرت في التصوُّف كطريق للسلام، فبالنسبة للصوفي كانت الطاعة التي يطالب بها الإسلام من خلال السلوك البشري الخارجي أمراً ثانوياً. أما الأمر الأساسي فكان استجابة الإنسان الخاشعة لله، إله المحبة، فقد آمنوا بالاتصال المباشر بالله. وهنا فكرتُ أن هذا كل ما أشتهيته.

واتَّضح لي أني أحتاج إلى المساعدة، فقد كان بحثي الفردي بلا جدوى. وبالتالي قضيتُ الليالي يقظاً عند أضرحة متعددة في رفقة كثيرٍ من الأولياء. ومع ذلك كلما ازددت اصطحاباً لهم زاد أسفي، فقد وجدتهم متورطين في أنشطة تقشعر الأبدان لمجرد ذكرها. مع ذلك لم أستسلم ببساطة، واشتركت مع مجموعة مسلمين منغمسين في المخدرات والموسيقى والرقص بهدف الوصول إلى حالة الوعي الصوفي بالله. إلا أن هذا كان بلا طائل، ولم ينفعني بشيء، بل زاد من حيرتي. وانتهى بحثي عن السلام بخيبة أمل كبيرة. وفي قنوطي تذكرت ما جاء في سورة الفاتحة 1: 6 و7: «ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالِّينَ. آمين». ويُقصد بالصراط المستقيم إيمان الإسلام. وهو أيضاً جسر ضيق جداً يعتقد المسلمون أنه قائم على فوهة جهنم. فالمسلمون الصالحون يعبرونه آمنين، أما الآخرون فيقعون في النار.

وما أن فقدت كل ثقتي في الشرائع البشرية حتى شعرت أنه لا بد أن يكون هناك طريق آخر للنجاة. وواظبت على الاستيقاظ مبكراً أتضرع إلى الله أن يهديني. ومن أعماق قلبي صرخت طالباً المساعدة الروحية: «يا إلهي القدير، بك أستجير. يا من خلقت السموات والأرض فأحسنت الخلق وقدَّرت الرزق وما أعجزك التدبير. أسألك بكل إسم سمَّيت به نفسك، أو علَّمته أحداً من خلْقك، أو استأثرْتَ به في علم الغيب عندك، أن تشرح لي صدري وتيسّر لي أمري وأن تهديني سواء السبيل. يا أرحم الراحمين، يا رب المستضعفين، نجني من سوء الظن بك، والعمل إلا لك. اللهم هذا حالي لا يَخفى عليك. أنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك. ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ قضاؤك. فأرني الحق حقاً وارزقني اتِّباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه. إنك نعم المولى ونعم النصير».

ولا أتذكر التاريخ، لكنها كانت الثالثة أو الرابعة صباحاً وأنا أؤدي صلاتي كالمعتاد. وكنت في حجرة الانتظار في محطة سكة الحديد حينما قلت هذا الدعاء بالتحديد. وفجأة تحسَّسْتُ شخصاً ما خلفي وقد وضع يده الحانية على كتفي قائلاً: «تكفيك نعمتي». قال هذا ثلاث مرات. وشعرتُ كأن صدمة كهربية سرت في أوصالي فزال الثقل على الفور من على ذهني، وغمرتني نشوةٌ من القوة والطرب. وكان الشعور بالغفران والمصالحة حقيقياً جداً. وبطربٍ جذلان بدأتُ أردّد ما قاله لي: «تكفيك نعمتي». لم أشعر بمثل هذا الفرح الغامر من قبل، وحقاً كان سماوياً.

وكان هناك عامل سكة حديد ينظف على مقربة من المقعد الذي كنت أجلس عليه، لاحظ فرحي فسألني: «هل أنت مسيحي؟» ولما هززتُ رأسي بالنفي اندهش قائلاً: «فلماذا تردد: تكفيك نعمتي؟». فأجبته: «كل ما أعرفه أن شخصاً قالها لي، وأراني ألواحاً كُتبت عليها كل أعمالي الشريرة. لكن بمسحة واحدة من يده عادت تلك الألواحُ نظيفةً بيضاء. ومنذ تلك اللحظة شعرت كأني إنسان جديد، وزال عن كاهلي وروحي ذلك الحِمل الثقيل، وقلبي يريد أن يغني بصوت مسموع». وهنا أجابني الرجل: «ينبغي أن تشكر الرب يا ابني لأجل هذا الخلاص. فالرجل الذي أتى إليك كان الرب يسوع المسيح، وقد قال هذه الكلمات للرسول بولس. لا أعلم أين بالتحديد، لكني أعلم أنها مكتوبة في الإنجيل الطاهر. والرب يسوع يريدك الآن أن تصبح خادمه». فسألته: «كيف يا سيدي؟ كيف أصبح خادمه؟». فأجاب: «تعمَّد باسم يسوع المسيح واتبعه في الحال». سألته: «أخبرني بالتحديد ماذا أفعل. لقد بلغتُ نقطة انعطافٍ في حياتي». فأجاب: «يا ابني لا أعرف أكثر من ذلك. كل ما أعرفه أنه إذا سافرت إلى «إيسانجري» فهناك قسيس اسمه رومال شاه، سيساعدك» . وأسند عامل النظافة العجوز مكنسته إلى الحائط، واقترب أكثر مني وعيناه تترقرقان بالدموع. عانقته وبكى كلانا بحرارة، وأطلقنا العنان لعواطفنا العميقة. ولبرهةٍ قصيرة تساءلت: هل هذا الرجل مطلوب للقتل لأنه مشرك؟ .. وكرهتُ هذا التساؤل وصرفته من فكري، وغمرني التأثر أن الله المحب أرسل هذا الرجل، ابن الطبقة المحتقرة، بل أقل الطبقات ليرشدني إلى الخطوة التالية.

وظلت الكلمات «تكفيك نعمتي» ترن في أذنيَّ حتى ركبت القطار إلى «إيسانجري». انتهى الاضطراب أخيراً ووصلت إلى السلام. يا لها من غبطة غمرتني فلم يقدر ذهني أن يستوعبها كلها. الرب يسوع الذي خلَّص حياتي من الموت الجسدي، واعتنى بي في مرضي، وأراني تضحيته، وكشف لي عن نعمته الكافية تماماً، قد غزا قلبي الآن وانتصر! لن أتوه بعد اليوم في العالم وأنا أفتش عن معنى الحياة، فقد وجدته! لقد وجدت المسيح، بل وجدني المسيح الذي يصالحنا مع نفسه. هو لي وأنا له.

الفصل السابع: رحلتي مع المسيح

تحررت بشكل عجيب من اليأس القاتل الذي كان قد استولى على قلبي وذهني. كان قلبي يفيض فرحاً. وفي إيسانجري بمقاطعة «فيصل أباد» قابلتُ القس رومال شاه، الذي حيَّاني بحرارة واستضافني. وبعد الغداء ابتسم وقال: «حسناً يا سيدي، لماذا تريد أن تصبح مسيحياً؟» كان الرجل يتكلم بشكل غير رسمي، مع أنه لا يعرف شيئاً عن خلفية بحثي عن السلام. فقلت: «ليست القضية أني أريد أن أصبح مسيحياً، بل أن المسيح هو الذي اختارني والتقى بي حوالي الثالثة من صباح اليوم وقال لي: تكفيك نعمتي».

وكانت عند القسيس صورة للمسيح المصلوب، فأمسك بيدي وأشار للصورة، فسألت نفسي: «هل كان هذا نفس المسيح الذي كلَّمني؟» ولكنه مضى يقول: «جرَّد الناس المسيح حتى من ملابسه. لقد عُرِّي وجُلد وسُمِّر على الصليب. فماذا عساه يعطيك؟». وكان يمكن أن تضايقني أسئلته لو كنت في حالة كبريائي الأولى، لكني اليوم أفتش عن سلامه! كان الخلاص كل ما سعيت إليه، والآن وجدته. فلو كنت مغروراً لغضبت وتضايقت. لكن الموقف بجملته كان جديداً تماماً بالنسبة لي، فلم يكن لعواطف الغضب أو الكبرياء محل في قلبي الذي امتلأ بالسعادة. لم أكن أعرف ذلك وقتئذ، لكني اكتشفت فيما بعد أنهم ينظرون بارتيابٍ لمن يستفسر عن المسيحية أو يريد أن يصبح مسيحياً. يبدو أن كثيرين يريدون أن يصبحوا مسيحيين بسبب الفوائد التي يمنحها المرسلون، وهي التعليم الجيد والطعام والملبس والمأوى. وليس مدهشاً أن الذين أتوا إلى المسيحية من الهندوسية كانوا من طبقة الكنّاسين أفقر الفقراء. لكن لا ينبغي علينا أن نفترض أن كل هؤلاء المهتدين يأتون للكسب المادي. لا بد أن هناك كثيرين مثلي وجدوا في المسيحية الشبع لأقصى ما يشتهون إليه، وعليهم تنطبق الكلمات التالية:

لا شيء في يديَّ أملكُ

سوى أني بصليبك أمسكُ

فإما أن تغسلني بدمك، أو أنني أهلكُ!

فقلت للقسيس: «لا تقل إن المسيح قليل الحيلة ولا يقدر أن يمنحني شيئاً، لأنه أعطاني كل ما بحثت عنه. لقد جعل مني إنساناً جديداً ووهبني راحة البال». فقال لي: «كل ما بوسعي أن أفعله لك هو أن أرسلك إلى صديقي «القس وتون» في جوجرا، وهو يقدر أن يساعدك» .

لم يقبلوني فوراً، ويبدو أن الطريق طويل! فقد أعطاني القس رسالة وقليلاً من النقود لدفع نفقات المواصلات إلى جوجرا. إلا أن هذا لم يثبط همتي، فقد كان لإيماني الجديد معنى كبيراً جداً في حياتي، إذ اكتشفت أخيراً الكنز العظيم، ولن يقدر أحد أن يأخذه مني. علمت عندئذ أن الطريق للأمام لن يكون مفروشاً بالورود. ها هو القس «وتون» يخبرني أنهم سيمتحنون إن كانت رغبتي في المسيحية حقيقية، وعلى نتيجة امتحاني يترتَّب أمر معموديتي. إنها ليست إجراءً يحدث للشخص ضمن مجريات الأحداث، بل هي تكريس للمسيح وملكوته، فتنفتح أمام المهتدي للمسيح حياةٌ ذات أسلوب جديد، تحمل في طياتها مجموعة جديدة من القيم.

وفي البلاد الإسلامية يقتضي التحوُّل للمسيحية انفصالاً عن مجتمع وعبوراً للحواجز الثقافية. ويمكن أن تكون التجربة مؤلمة، ولذلك لا يمكن إجراء المعمودية بسهولة. ويشبه اعتناق المسيحية في البلاد الإسلامية ارتكاب خيانة، ولذلك يتخلى المهتدون للمسيحية عن امتياز الحياة في مقاطعة إسلامية كمسلمين. وفي بعض البلاد الإسلامية قد يكون هذا التحول سبباً في رفع الحماية القانونية عنهم، لأنهم مرتدُّون، والمرتدّ لا يرث ولا يُورَّث، ولا يحميه القانون. فليس بمقدور المهتدي للمسيحية أن يلجأ للقضاء إذا تعرضت ممتلكاته أو عائلته لاعتداء. وليس غريباً أن يتعرض أحد المهتدين من الإسلام إلى المسيحية للموت!

بيد أني كنت سعيداً بالاختبار، وهنا تمكن كلانا من التحقُّق من حقيقة ولائي للمسيح. وقد هيأ القس «وتون» لي غرفة الزوار، وكل أثاثها سرير مهشم قديم تفترشه بطانيتان. ولم تكن حياتي سهلة، فمرةً أمضيتُ ثلاثة أيام جائعاً حتى خارت قواي، إذ كان القس «وتون» مسافراً. وحينما عاد اغتم لذلك وطيّب خاطري. كان هذا جزءاً من الاختبار، لذلك لم أذكره وقتها لأحد. ولم أكن أحب مغادرة غرفتي كثيراً لأن الناس كانوا يتحدثون عني بأشياء قاسية. فمنهم من قال إني تنصَّرت لأبحث عن فتاة لأتزوجها، والبعض قال إني أبحث عن المال، وآخرون قالوا إني أبحث عن عمل لديهم في الإرسالية. أما أنا فلم أقل شيئاً. كانوا يتنافسون على حيازة رضى وإعجاب المرسَلين بدلاً من إرضاء المسيح الذي يخدمونه. وكنت أنا وسطهم مسكيناً لا حول لي ولا قوة. ومع ذلك كان القس «وتون» لطيفاً جداً معي، وأخذني إلى بيته وأوصى الطباخ أن يعتني بي ويعدّ لي الطعام. ولكن حرارة المكان كانت فوق احتمالي، فأقنعت القس «وتون» أن ينقلني إلى مكان آخر.

ولم أشأ أن أخبرهم عن ماضيّ في الثراء، وكضابط في القوات الجوية الملكية حتى يغيّروا معاملتهم لي. ولما طُلب مني أن أعمل حارساً ليلياً قبلتُ هذا بسرور، لأني لم أشأ أن أُثقل على أي واحد.

كانت المدرسة وبيت الضيافة في جوجرا مغلقين أثناء شهر يونيو (حزيران) فتكفَّل بالعناية بي رجل قديس اسمه «سِواك بوتا مسيح». كان هذا الأمر فضلاً من الله عليَّ أن أكون بالقرب منه. فعلى الرغم من قلّة أجْره كان كريماً في مساعدتي. هكذا الدنيا! فأسخياؤها متواضعون يخدمون إله الحق بلا تذمر. وقد أرست صداقته الأساس في نموّي الروحي، فمنه تعلمتُ طبيعة الإيمان المسيحي الحقيقية، وما تتضمنه الحياة المسيحية العملية. كانت الصلاة ركناً هاماً في حياته، بل إن حياته كلها كانت حياة الصلاة. كم أمضينا ليالٍ في الصلاة والوقت يمضى دون أن نشعر. وفرح قلبي جداً بمخلّصي الذي أعلن ذاته لي. وفي نهاية سبتمبر (أيلول) 1949 أُخبرت أن معموديتي ستكون في 2 أكتوبر (ت1) في أول اجتماع لمؤتمر جوجرا. ووضعوا أمامي بضعة أسئلة للتحقُّق من عمق إدراكي للخطوة التي أخطوها، منها ما عدد الكتب التي قرأتها، وأجبتُ أني قرأت كل كتب القس وتون. وتمت معموديتي في 2 أكتوبر (ت1) مما كان سبب فرحٍ كبيرٍ لي وأنا أحتذي مثال ربي.

الآن صرت جزءاً حقيقياً من عائلة المسيح. وتواضعت تقديراً لإخواني المسيحيين، وكعلامةٍ على ذلك اتخذت اسم «غلام» أي «عبد» فصرت «غلام مسيح» أي «عبد المسيح» بوصفه اسم معموديتي. كان الأسبوعان التاليان لمعموديتي عامرين بالفرح منذ أن شعرت بالانتماء للمسيح ولشركة المؤمنين به. كان ربي حقيقياً جداً بالنسبة لي، وكان تصميمي على خدمته بقية حياتي ينمو يوماً بعد يوم بقوة وثبات. شعرت بفضل الله عليَّ كخالق مُحب، مما جعل حبي له يزيد أكثر فأكثر على الرغم من عدم استحقاقي.

وسرعان ما تعلمت قيمة اجتياز النيران المُصفِّية، فحدث أن سافر القس وتون والسيد شاران داس والقس ب.م أغسطينوس الذين عمّدوني، فقد ذهبوا إلى لاهور لحضور اجتماع. وكنت بمفردي حينما قابلت عمي الغاضب بصحبة أخي الأكبر، وقد أتيا لأجلي. وفي معظم البلاد الشرقية تشمل «الأسرة» ليس فقط الأم والأب والإخوة والأخوات، ولكن أيضاً الأعمام والأخوال والخالات والعمات. وعلينا واجبات ومسئوليات أمامهم، وليس من حقي أن أعاملهم كأن شيئاً لم يحدث. كان من المستحيل أن أعلن استقلالي عنهم لما لديهم من الجاه والسلطان والثروة. وقدَّم لي عمي خيارين: إما أن أذهب معهم على الفور دون أن أعرِّف أحداً بذلك، أو أن ينفذوا تهديدهم. لو رفضت أن أذهب معهم سيذهبون إلى مسئولي المدينة ويعلنون عن ارتدادي، مما يثير غضب الناس فيضربوننا أنا ومسيحيي «جوجرا». كانت أسرتي الجديدة المسيحية ستتعرض للمتاعب إن لم أستجب لطلب عائلتي الأولى المسلمة. ولم أشأ أن أكون سبباً في ذلك. وعلى الرغم من أني تضايقت ولم أعرف كيف أعالج هذه الأزمة التي باغتتني في بداية الطريق، إلا أني تذكرتُ من سلّمتُه حياتي، وأردتُ أن أطيعه. كانت مشيئته هي القوة التي تهدي حياتي، لذلك قلت لعمي: «سأسأل سيدي».

وأغلقت الباب وسألت الله ماذا يجب أن أفعل. ولم يتركني حائراً، بل قال لي: «اذهب معهم، لأنك يجب أن تدعو عشيرتك الأقربين للإيمان بي. وستشهد لي أولاً في أورشليم، ثم السامرة، ثم أقاصي الأرض». وكم أدهشني أني أسلك على نهج تلاميذ المسيح، كما جاء في كتاب الله العزيز في أعمال الرسل.

وعدتُ إلى أقاربي وقلت لهم إني مستعد أن أذهب معهم. لم أخش أن أستأمنهم على نفسي لأني علمت أني في يدي صاحب الأذرع الأبدية التي تحملني وترفعني. وهكذا رافقتهم إلى ليلابور والتي تسمى الآن «فيصل أباد».

الفصل الثامن: الهروب بمعجزة

كان اهتدائي للمسيح مصدراً لراحة بالي، مما جعل لحياتي مغزىً ومعنى. وما أعظم الفرق بين حالي الآن وما كنت عليه! ولكن عائلتي كانت تطلب شيئاً واحداً: أن أترك المسيحية وأعود مسلماً. كان تحوُّلي عاراً لهم لا يمكن أن يتجاهلوه، حتى قالت لي بنات أختي إن خُطَّابهن رفضوهنَّ بسبب تحوُّلي. كان ما حدث معي غماً للأسرة. كنت أعلن لهم أن المسيح ليس مجرد نبي كأي نبي، لكنه ابن الله، الأمر الذي جعلهم يعتبرونني مشركاً لأن الله لم يلد ولم يولد. وبما أن مفهوم البنوَّة في الإسلام جسدي محض، كان اعترافي إشراكاً، مع أن الأفكار المجازية ليست غريبة على التراث الإسلامي. فأحد الصحابة يدعى «أبو هريرة» لولعه الشديد بهذه الحيوانات، وسُمي أحد أعمام محمد «أبو جهل» لأنه رفض نبوة محمد، وهلّم جراً. والأمر نفسه ينطبق على بنوة المسيح لله، فهي بنوية روحية.

وكانت أسرتي تدرك أنه إن كان المسيح هو ابن الله، تكون لنبوَّة محمد كرسول الله ووحي القرآن مكانةٌ ثانية بعد المسيح، وقد ضايقهم هذا ضيقاً عظيماً.

عاملتني أسرتي بوصفي كافراً، وأرغموني أن أتناول طعامي في الشارع. إلا أني لم أتذمر، بل أكلت شاكراً. كان اضطهاد أسرتي لي فرصة لأجاهر بالدعوة إلى الإيمان بالمسيح، فجاء الفقهاء من كل صوب وحدب يحاججونني. فهذا شاب فقيه حديث التدريب يرفع الراية البيضاء بعد وقت قصير، ولكنه من فرط يأسه وصفني بالجنون. ثم جاء فقيه شيخ لم يراجعني في قراري، ولكنه أخذ يضحك مني بصوت عالٍ، ثم قال: «إذاً أنت مسيحي!». ولما سألت منه النصح والإرشاد قال: «أي إرشاد تريد؟ هناك سبب واحد لأجله يعتنق أمثالك المسيحية». وعلمت ما يدور برأسه، فقد ظنَّ أني آمنت بالمسيح لأتزوج فتاة مسيحية، فطلبت منه أن يأذن لي بالكلام، وقلت: «لقد أتيتُ لأستمع لك لأن أسرتي تعلق عليك آمالاً كبيرة في هدايتي للصراط المستقيم. لكني لم أتوقع منك مثل هذه الاتهامات الغليظة. إن الجنس والدِّين أمران مختلفان، ومن يقبل الدين أو يرفضه بسبب الجنس مجنون. أحب أيضاً أن أشير إلى أني كمسلم كان من حقي أن أتزوج أربع زوجات، وأكثر من ذلك إن وسَّع الله لي في الرزق! أما بعد وفاتي فإن لي اثنتين وسبعين حورية في الجنة. لكن الدين والإيمان يسموان على هذه الاعتبارات الأرضية، ولا يمكن التنازل عن العقيدة لمجرد الجنس. لقد اتهمتَني بأني جعلتُ الجنس والزواج الركيزة التي يرتكز عليها إيماني بالمسيح، مع أن بقائي في الإسلام كان يضمن لي أفضل مما تقدمه لي المسيحية في هذا المجال». وهنا صرخ فيَّ الفقيه الشيخ: «اخرس أيها المتوحش السافل». أجبتُ بوداعة: «لا داعي للغضب. هيا نتحاجج» فصاح في غضب: «اطرحوه على السلالم»

وهنا لم يُطق أخي ذلك، وردَّ غاضباً: «رويدك، رويدك. إياك أن تلمسه، فلو كانت القضية هي ضربه حتى يخرَّ جريحاً لتولَّت الأسرة ذلك».

بعد هذه المحاولات الفاشلة أدرك عمي وأخي أنه ليس من السهل إقناعي بالعدول عن إيماني. وقررا إرسالي إلى لاهور، لعل قريباً لنا هناك «يردّني إلى صوابي». وفي لاهور اعتدت زيارة الكابتن اسحق في جيش الخلاص في القرية المجاورة ليلاً لنصلي معاً. كما جاء صديقي «دوجلاس» لزيارتي وتشجيعي والاطمئنان عليَّ. وسرعان ما فاحت رائحة أخباري هذه. وقررت عائلتي التخلّص مني بوضعي في كيس وإلقائي في نهر «رافي» السريع الجريان، والذي تكفَّلت تياراته القوية بقتل الكثيرين من الذين ينصبّ عليهم غضب إخوتهم من البشر!

وذات ليلة شتاءٍ قارس البرد كان من المقرر أن يقوم النهر بوظيفته المألوفة معي، فحبسني أهلي في غرفة حتى يحين الموعد الذي حدَّدوه للتخلُّص مني. ولم يكن لي من ملاذٍ سوى الصلاة. وكنت منذ أن آمنت قد تعودت على حفظ آيات الكتاب المقدس، فبدأت أتلو تلك الآيات، وكم سبَّبت لي آيات مثل «الرب راعيّ» تعزية كبيرة. وجعلتُ تارة أبكي وتارة أردد الآيات. لكني معظم الوقت تحدثت مع الرب. علمت أنه حاضر وأنه سيحتضنني بعد موتي. كنت محصوراً بين الفرح بوجودي في حضرته والغم على عذاب الموت الذي يدبرونه لي. فرحت لأني عرفت قوة الرب، أما أن تُنهي أسرتي حياتي فهذا ما كان محزناً. لكني لم أشك ولو للحظة في إحسان الله. ولم أفكر أني أخطأت الطريق الذي اخترته. علمت أن المسيحية هي الصراط الوحيد لي. كان عندي اليقين أني سأكون مع الرب بعد وفاتي، ولا شيء يزعزع هذا الاعتقاد عندي.

وبينما أتلو وأردد الآيات، هزّني قول الرسول بولس: «فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ ٱلٱثْنَيْنِ: لِيَ ٱشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً. وَلٰكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي ٱلْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ» (فيلبي 1: 23 ، 24). راودتني الرغبة في الحياة لأجل إخوتي الذين يعيشون في الظلام، حتى أعلن لهم أخبار الإنجيل المفرحة بواسطة موت المسيح وقيامته لأجل الجنس البشري. تذكرت كلمات «الصادهو سندر سنغ» السيخي الذي آمن بالمسيح: «الموت لأجل المسيح أسهل من الحياة لأجل المسيح، فالموت يستغرق ساعة أو ساعتين. أما الحياة لأجل المسيح فمعناها الموت يومياً». وسألت نفسي: أليس من الأفضل أن أتألم لأجل المسيح كل يوم؟ وأدركت عظمة تضحية المسيح لأجلي بموته على الصليب. صليت بحرارة، لا خوفاً من الموت الجسدي، ولكن لأحيا وأموت يومياً شاهداً للمسيح الذي أحبني وبذل نفسه لأجلي.

«سيدي ومخلصي، إن روحي مطمئنة لأني أعلم أني بعد هذه الحياة سآتي إليك. لن يكون هناك حاجز بيني وبينك. لكن الناس، خصوصاً من يريدون قتلي ويخططون له، سيشمتون لأنهم نجحوا في إنهاء حياتي. إن الموت هو البوابة التي أدخل منها إلى الحياة. جزءٌ مني يشتاق إلى الدخول، لكن موتي يعني نهاية شهادتي لاسمك في هذا البلد. فإن كان ذلك يرضيك، أخرِجْني من هنا الليلة، وأعطني امتياز إعلان خلاصك العظيم بين البشر، لأخبرهم كيف تعطي الخطاة اليقين بأن لهم حياةً أبدية في الآخرة. أشتهي يا ربي أنه كما نطق لساني بأوامر قَتْل الآخرين، أن يعلن من الليلة كلماتٍ تمنح الحياة. طهِّرني هذه الليلة من الأنانية والقلق على حياتي. وإن أبقيتني حياً، أعدك بأن ترتبط نفسي بخدمتك كل أيام حياتي، ودافعي الوحيد هو إعطاء المجد لاسمك. لقد كنت أجد سعادتي في قتل من خلقتهم، فساعدني لأعمل على جذبهم للحياة معك. فإن كانت تلك مشيئتك الكريمة فلتنجني هذه الليلة بالذات من هذا المكان. آمين يا رب العالمين».

بعد أن فرغت من الصلاة وجدت أنني بدلاً من أن أتجمد من البرد كان جبيني يتصبب عرقاً. وفجأة فتح شخصٌ ما القفل من الخارج. لكن لم يتقدم أحد نحوي. وإذا بي أسمع صوتاً يقول: «هيا اركض، فإني فتحت الباب لأجلك». ولما لم أر أحداً علمت أن الله يكلمني. ولم أعرف إلى أي اتجاه أجري، فأخذت أجري تجاه «ري ويند» مهتدياً بشريط سكة الحديد. ودخلت قرية وجدت في ساحتها صبيةً يلعبون، فسألت أحدهم: «يا ابني، أيوجد مسيحيون هنا؟» فأجاب: «نعم، أبي هو القسيس هنا» فرجوته أن يأخذني إليه، فإذا هو الكابتن صموئيل في جيش الخلاص الذي كان طيباً جداً معي حينما أخبرته بما جرى. طمأنني أني في أمان تماماً، ولو كانت هناك مشاكل فسيفديني ولو بحياته. صرفنا وقتاً قصيراً في الصلاة، وأراني سريري ثم أرسل إلى طبيب القرية الذي أعطاني حقنة وبعض الأدوية. قضيت أربعة أيام عنده، ثم استأذنته في الانصراف إلى «جوجرا» وهناك في 15 ديسمبر (كانون الأول) فرح بي أصدقائي، وخاصة القس «وتون» والقس أوغسطينوس وبوتا مسيح والأستاذ شاران داس. وكانت قصة هروبي العجيب سبب فرحٍ كثيرٍ لنا.

وفي عيد الميلاد تعبَّدنا أنا وصديقي باوا مسيح في قريته مع آخرين من مناطق نائية، وكان أهم شيء بالنسبة لي أني صرت عضواً في المجتمع المسيحي، فكان الحب بيننا متبادلاً. إن الشركة المسيحية المتميزة بالانسجام والثقة هي مصدرٌ للتشجيع والعون على نمو النضج المسيحي. كنت آمناً مطمئناً بين أصدقاءٍ قبلوني كفردٍ منهم، لذا أرفع قلبي بالشكر لله عز وجل.

الفصل التاسع: الكرازة بالمسيح

في هذه الشركة المسيحية، وفي جوٍّ من الطمأنينة والسلام بدأت أفكر في أسلوب خدمتي. اقترح راغبو الخير لي في «جوجرا» أن أقوم بعمل حُرّ، واقترح آخرون أن أتفرغ لخدمة الله. بيد أني علمت ما أنا عازم على فعله منذ أن نجّاني الله في تلك الليلة من الموت المحقق.

وبينما أحمد الله على كل ما صنعه بي طلبت طلبة أخرى: «يا رب، أعطني النعمة أن أعلن أعمالك العجيبة للعالم. أعطني أن أحيا لك في ولاءٍ، حافظاً نفسي من الآثام والمعاصي. أعطني المحبة التي يمكن أن أغوص في أعماقها، فلا يجذبني العالم ويجرفني إليه. أنِر طريقي وأنا أدوس على هذه الطرق المحجرة لئلا أتعثر وأجلب العار لاسمك يا ذا الجلال والإكرام».

اقتنعت أن عملي للرب سيكون في الكرازة، وأن أبدأ من حيث كنت موجوداً. ذهبت إلى القرى حول «جوجرا» برفقة بعض الإخوة وبدأت في الدعوة بالإنجيل. وبعد مدة ليست بقصيرة كنت أدعو أهالي القرى في البنجاب إلى الإيمان بالمسيح. في البداية كنت أفعل هذا سيراً على الأقدام، ثم بعد ذلك اشترى لي صديق درَّاجة. اعتاد الناس أن ينادوني «صادهو» أي «يا تقي». اعتدت أن أجلس مع الفقراء أينما ذهبت لأني أردت أن أشاركهم حياتهم، فإن جاعوا جعت مثلهم. ولم تصبح حياة الثراء الماضية عقبةً في طريقي. وكلما ذهبت إلى منطقة جديدة قدمت نفسي إلى راعي الكنيسة هناك، فلم أفعل شيئاً في أبروشيته بغير موافقته. هذا معناه أني سأعظ المسيحيين وأعضد إيمانهم.

وبينما كان من المقرر أن أشترك في الخدمة في اجتماعات كنيسة أسقفية، وكنت أنتظر في مكتب الراعي الساعة التاسعة مساءً، قال لي الرب بوضوح: «يجب أن تذهب وتشرح اختبارك لإخوتك في لاهور. هذا هو المكان الذي يجب أن تبدأ منه». ولم أتردد في طاعة سيدي، إذ شعرت بالإلزام أن أذهب في هذه الليلة عينها. تركت دراجتي وأخذت القطار إلى لاهور. طرقت باب أخي وفتح مندهشاً متسائلاً وفي عينيه وميض من الأمل: «هل رجعتَ؟» وأجبت: «رجعتُ لا لأسكن معكم، ولكن لأخبركم أن الرب يسوع المسيح هو المخلّص. لقد خلّصني، وأعرف أنه يقدر أن يخلّصكم أيضاً». تغيَّرت ملامح وجهه على الفور، وحاول جاهداً أن يكظم غيظه وأجاب بشدة: «شكراً جزيلاً. نحن لا نحتاجك ولا يسوعك ولا خلاصه. مع السلامة». وأغلق الباب في وجهي. كنت حزيناً لذلك لكني لم أندهش. كنت مستريحاً لأني قمت بواجبي على الرغم أنه لم يأت بثمر. رسخت في أعماقي كلمات الرب لي، وتيقنت أني يجب أن أدعو أصدقائي المسلمين إلى خلاص المسيح.

وفي مارس (آذار) 1950 تُوفيت والدتي متأثرة بحزنها على انفصالي عنهم. حزنتُ جداً أني لم أرها قبل وفاتها. لكني لم أسمح لهذه المأساة أن تعطلني عن خدمة الرب.

وبعد وفاة أمي تزايدت كراهية إخوتي لي، ونصبوا كمائن لقتلي. وذات ليلة ألحوا أن أزورهم في البيت، فذهبت مع اثنين من أصدقائي. وهناك وجدت شيخاً فشل أن يرجعني إلى الإسلام، فلم يكن لديه جديد ليقوله. وأخيراً قدموا لي الشاي. وحينما رشفت قطرةً منه وجدته لاذعاً جداً، وعلى الفور أدركت أنه مسمم. لم أخش لأن الرب يسوع قال إن من آمن واعتمد باسمه يعمل معجزات، وحتى لو شرب سماً مميتاً فلن يضره (مرقس 16: 18). هنا خطر ببالي أن هذه هي الفرصة ليتحقق هذا فيَّ. حينئذ شعرت بالدوران وطلبت من رفيقيَّ أن ننصرف، دون أن يعرف إخوتي بما كنت أشعر. ثم طلبت منهما أن يتركاني وحدي في بيتي، وكانت الساعة العاشرة مساءً. وبدأت أصلي: «يا رب، إن متُّ الليلة سيقول الناس إن المسيحية باطلة». وما إن انتهيت من الصلاة حتى تقيأت مرتين وخرج السم من أحشائي، ثم نمت مطمئناً.

وفي صباح اليوم التالي كان إخوتي قلقين لمعرفة ماذا جرى، فأرسلوا خادمهم ليتقصَّى أخباري، فطلبت منه أن يخبرهم أني ما زلت على قيد الحياة. وكان هذا مشكلةً جديدةً بالنسبة لهم، لأن حياتي تعني أني سأشاركهم الميراث، فأرسلوا من حاول قتلي، فأسرعت بكتابة تنازل رسمي لإخوتي عن كل حقي في الأراضي الخاصة بوالدي، لعل هذا يريحهم ويزيل خوفهم مني.

وأحسست بالخطر على حياتي في البنجاب، فتطوع القس «شاندو راي» ذلك الرجل الطيب القلب الودود لمساعدتي في الانتقال إلى «سوكور» في السند. عملت لشهور قليلة في جمعية الكتاب المقدس هناك. ورأيت أني في هذا العمل أنجرف عن الرؤية الحقيقية التي أعطاني الرب إياها، فقد كان عملي مكتبياً وتجارياً فقط. ولم أحسّ بالارتياح، لذلك تركتُ هذه الوظيفة. لقد رأيتُ نفسي كمبشر، ويجب أن أُعِدَّ نفسي لهذه المهمة.

بدأت أتعلم اللغة السندية وتمكنت من ذلك بسرعة. وصرت أكتب وأتحدث بها بلا عناء. إلا أن ارتفاع درجة الحرارة في السند كان عقبةً أمامي. وعدت إلى البنجاب لفترة من الوقت. وهناك التقيت بقسيس شاب في «فيصل أباد» دعاني للعمل في مؤتمرات الشباب وفتح لي بيته وشجعني على الانهماك في الخدمة.

وذات مرة دُعيت للخدمة في كنيسة، وحان الوقت لتقديم العطاء ولم يكن في جيبي سوى نصف روبية. لم أشأ أن يمرَّ الطبق دون أن أقدم لله عطيةً. لذلك مددتُ يدي ببساطة في جيبي ووضعت النصف روبية - كل ما معي. انتهت العبادة، لكن ماذا سأفعل وليس معي نقود الآن؟ وفاتني أني يمكن أن أختبر مدد الله العجيب لي. ولما رجعت إلى بيت صديقي الباكستاني، قالت لي زوجته: «يا أخي، أتت إلى هنا ممرضتان لأنهما عرفتا أنك مسافرٌ غداً، وتركتا لك هذا المظروف». أخذت المظروف إلى غرفتي وفتحتُه فوجدت كمية من الروبيات، معها ملحوظة تقول: «أرشدنا الرب إلى أنك محتاج لنقود لسفرياتك. نكون شاكرتين لك قبول هذا المبلغ». وجَمْتُ ساكتاً! فيا له من إله صالح فعلاً!

وهناك مناسبة أخرى لن تمحوها الأيام من الذاكرة، كنت آنذاك في طريقي لزيارة رجل أظهر اهتماماً بالإيمان المسيحي، ولكني لم أجده. وجلست متضايقاً في الأتوبيس، وإذا برجلٍ يجلس إلى جواري، سألني عن عملي، فقلت له إني مبشر، ففرح جداً لأن الله استجاب لدعائه. لقد حجَّ إلى مكة سبع مرات دون أن يجد السلام الذي كان يبحث عنه، وأخبرني أن شخصاً أعطاه الإنجيل بلغته، فقرأه، لكنه ما زال يحتاج إلى من يساعده على فهم الأشياء الصعبة. لقد كان مثل الوزير الحبشي (أعمال الرسل 8). وشرعت أشرح له الإنجيل. وحينما أتت محطة نزوله دعاني إلى بيته الذي يملكه، كما كان يملك سبعة آلاف فدان. بعد محادثة طويلة طلب مني أن أصلي لأجله. أخبرته أن بإمكانه أن يصلي بنفسه، فاندهش جداً وتساءل: «أحقاً بإمكاني ذلك؟» فأجبت: «نعم. إن أحببتَ التحدُّث إلى الله فتحدَّثْ إليه إذن». حينئذ رفع دعاءه إلى الله وصلى هكذا: «يا ربي يسوع، أشكرك لإرسال عبدك لي ليقودني إلى الصراط المستقيم. فاقبلني اللهم وأنا أقبلك مخلِّصاً لي من اليوم، آمين يا رب العالمين».

الفصل العاشر: كلّي للمسيح

قادني الله سبحانه إلى الصراط الذي اختاره لي والذي أسلمت نفسي له. وبهذه الطريقة وحدها يمكن أن أعيش حياتي لمجد الذي أحبني أولاً. لم أقدر أن أفعل شيئاً بقوتي الشخصية، فما وصلتُ إليه وما حدث معي من معجزات كان بفضل عمله هو في حياتي. كان الطريق مليئاً بالأشواك وأصعب مما توقعت. لكني لم أغفل للحظة أن يسوع الناصري مشى فيه من قبل. ألهمَتْني هذه الفكرة وشدَّت من إزري طوال الطريق وأنا أحمل الصليب. لقد قال، وهو أصدق القائلين: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي» (مرقس 8: 34). كان هذا هو الطريق الذي نهجتُه رداً على محبته العظيمة لي. وبالرغم من الوحدة التي تُفرض على من يسلك طريق الخدمة، إلا أني لمست الصلة الوثيقة بيني وبين ربي الذي كان يحسّ بي. وهبني الموتُ لأجل المسيح القدرةَ على اختبار قوة قيامته، إذ فيه اختبرت نصرة الحياة على الموت في هذه الحياة. لقد هجرني الأهل والخلان، ومن حسبته بحبيبٍ تحوّل إلى ألدّ الأعداء لي. لم يعد لي صديق أو قريب تأنس به نفسي كما لو كان هذا موتاً اجتماعياً. إلا أني واصلت السير في الطريق الذي اخترته. إن موتي لربي يومياً أمرٌ لا يُستهان به، ولكني لم أندم على ذلك.

حينما كانت النفوس تخلُص وتتغيَّر كان هذا يجلب لي فرحاً كبيراً، مع أن عددهم قليل. وحينما كان الناس يسيئون إليَّ ولا أنتقم كانوا يعتبرون هذا ضعفاً. إلا أني لست أفضل من سيدي، فلن أنتظر ما لم يحدث معه. أعلم أنه إذا انقضى أجل المؤمن بالمسيح فليست هذه نهايته، بل بداية حياة جديدة وأفضل. لذا حينما أمضي عن هذا العالم فلن تسنح لي الفرصة لأموت لأجله. أحب أن أشجع الكثيرين ليمجِّدوا سيدي ويحمدوه. لقد قادني ربي وإلهي بأمانة طوال هذه السنين، فأشكر الله الذي التقى بي، وأدعو الله أن كل من يقرأ في هذا الكتاب عن خلاصه يُكتب اسمه في سفر الحياة مع القديسين الذين يحمدونه في نورٍ أبدي.

خاتمة

خدم «غلام مسيح نعمان» المسيح لعشر سنوات كمبشرٍ بالإنجيل. ثم تخرَّج من كلية اللاهوت في «جيجراناوالا» ورُسم قسيساً في الكنيسة الأسقفية. وتزوج ممرضة اسمها «ديزي» شاركته بمحبةٍ وأمانةٍ في كل صراعات الحياة، وأنجبا ولدين وبنتاً، قُتل أحدهما بسبب إيمانه وإيمان والده بالمسيح، وبقيت الابنة والابن الثاني مع والدهم يخدمون المسيح الحي.

الناشرون - 1991

مسابقة الكتاب

أيها القارئ العزيز،

إن قرأت هذه السيرة الممتعة بتمعن، تستطيع الإجابة على الأسئلة التالية بسهولة، وان كان لديك أي أسئلة أو استفسارات عن هذا الكتاب، يمكنك الكتابة إلينا مباشرة عن طريق استمارة الاتصال الموجودة على الموقع.

  1. لماذا صار والد نعمان صوفياً؟

  2. لماذا توقف نعمان عن متابعة دراسته وانضم لخدمة سلاح الطيران؟

  3. ما هي المبادئ المسيحية التي جعلت ماري وأمبر تخدمان نعمان الجريح؟

  4. ما هي الدوافع التي جعلت فيليب يتزوج الفتاة الساقطة؟

  5. كيف استحلّ نعمان لنفسه الانضمام للمدافعين عن الحرية؟

  6. ما هي الحقائق القوية التي أبعدت نعمان عن الحرب والقتل؟

  7. كيف استجاب المسيح صلاة الفتاة الصغيرة ونجّاها وأهلها؟

  8. ماذا قالت الهندوسية العجوز لنعمان لتبعده عن مواصلة القتل؟

  9. ماذا كانت كلمات المسيح لنعمان الذي كان ينتظر القطار؟

  10. كيف شرح الكنّاس الفقير كلمات المسيح لنعمان؟

  11. كيف تعلَّم نعمان الشركة المسيحية والصلاة؟

  12. ماذا كان معنى المعمودية لنعمان؟

  13. لماذا سار نعمان مع عمه وأخيه إلى بيتهم؟

  14. كيف حاولت عائلة نعمان أن ترجعه إلى حظيرة الإسلام؟

  15. كيف حاول شقيق نعمان قتله؟

  16. ماذا كانت صلاة نعمان وهو ينتظر الموت في كيسٍ يُلقونه في مياه النهر الباردة؟

  17. كيف نجَّى الله خادمه من الموت في النهر؟

  18. أين بدأ نعمان خدمته لله؟

  19. كيف تعلّم نعمان الإيمان بعناية الله الصالحة رغم أنه دفع كل ما عنده في طبق العطاء؟

  20. كيف شجع الله نعمان في الأتوبيس، بعد أن لم يجد الشخص الذي أراد أن يكلّمه عن المسيح؟

الرجاء استخدام الاستمارة الخاصة بالموقع للاتصال بنا:

www.the-good-way.com/ar/contact

او يمكنك ارسال رسالة عادية الى:


The Good Way
P.O. BOX 66
CH-8486
Rikon
Switzerland