هكذا عرفت الله

هكذا عرفت الله

بولس صادق


List of Tables

1.

Bibliography

هكذا عرفت الله. بولس صادق. الطبعة الأولى . 1999. English title: This is How I Knew God. German title: So Habe Ich Gott Kennen Gelernt.

مقدمة الاختبار

قد لا أملك ما يلائم بداية شهادتي هذه إلاّ أن أشكر الله من أعماق قلبي من أجل هذا التحوّل الغريب والإيجابي في حياتي، وكذلك حياة كل من يطلبه بإخلاص، إذ قد قادني بإرادته وقوته الساحرة منتشلاً إيّاي من أفواه الأسود وحظيرة الهالكين. والغريب في ذلك أنّ هذا التحوّل لم يكن بدافع مني أو انعكاس لشيءٍ سمعته، أو كلمة ألقاها أحد من الخدام أو المبشرين إليّ، بل على النقيض من ذلك كله، إذ في الوقت الذي كنت أسعى جاهداً لإحباط خطته لخلاص العالم، والهجوم الشرس على كلمته، وكذلك من يؤمنون بها، كان هو قد أعدَّ العُدَّة كاملة وبإحكام لاصطيادي بشباك لا يمكنني الهروب منها، وهذا هو شأن الإله الحي الذي يبحث عن الضال إن كان صادقاً في توجُّهه حتى ولو كان معاكساً له، فهو يبسط يديه لكل تائب، وينشر نوره لكل تائه في ظلمات العالم، ويقرع بهدوء على باب كلِّ بيت فقير وخرب ليدخله بالغنى الروحي ويعمره بالطهارة والقداسة. فهو يعطي بسخاء ولا يعيِّر، ولا يعطينا كأفعالنا، لكن حسب وعوده وبمقدار رحمته وبميزان عظمته.

ولا أخفي سراً إنّني قد تردَّدت كثيراً في كلِّ مرة كنت أحاول فيها كتابة هذه الكلمات لأنّي قد خشيت أن أكون مبالغاً في ما أقول، أو أن يُنظر إليّ كشخص فوق العادة يبحث عن مجد له لا يستحقه في حين أنّ المجد كله لله. وجانب آخر كان يحول بيني وبين كتابة هذه السطور ألا وهو الكبرياء والغرور الذي كان ما يزال هناك منه بقية باقية لم أكن قد تخلصت منها، إذ اعتبرت الإفصاح عن عمل الله في حياتي إهانة قد توُجّه إلى شخصي الذي كان شديد القسوة على أتباع ذاك الإله الحي الذي تعامل معي وفتح لي عينيَّ لأرى النور الذي لم أكن أعرفه من قبل، وكما سنقرأ في الصفحات التالية، لم أجد بداً من أن أعلن استسلامي في تلك المعركة غير المتكافئة بين شيطان يسكن بداخلي وإله قدوس يعرض عليّ خلاصه ويفتح لي ذراعيه ليتكئني على صدره الدافئ والحنون، حتى استطعت أن أردّد مع أيوب: «بسَمْعِ ٱلأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَٱلآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي» (أيوب 42: 5)، وأطلب كما طلب داود: «قَلْباً نَقِيّاً ٱخْلُقْ فِيَّ يَا اَللّٰهُ وَرُوحاً مُسْتَقِيماً جَدِّدْ فِي دَاخِلِي» (مزمور 51: 10). ذاك هو الرب يسوع المسيح كلمة الله الأزلي وروحه الذي لا ينفصل عنه، إنه هو الطريق والحق والحياة، ومن يؤمن به فلا يموت وإن مات فسيحيا، هو الذي لا يظمأ من يتقبله ولا يجوع من يأتي إليه، هو الأول والآخر، هو الرب يسوع المسيح.

حياتي قبل الإيمان

لا بد لي أن أتكلّم ولو بإيجاز عن حياتي قبل الإيمان، لأنّه من خلالها ستتضح مدى محبة الله لنا نحن البشر، وتُظهِر أنّه في الوقت الذي نسعى نحن جاهدين لمقاومة عمل الله، يسعى هو في الاتجاه المضاد ليجتذبنا إليه كراعٍ يبحث عن قطيع له قد ضاع في البرية القفراء الجرداء.

فقد نشأت في أسرة متدينة أصولية إلى أبعد الحدود، مما دفعني إلى أن أسلك نفس المسلك الديني الأصولي، إما بإرادتي أو بحكم النشأة الأسرية، وبدأت مشواري مع الكُتّاب الصغير الذي كان يقع على أطراف قريتنا الصغيرة الواقعة في إحدى محافظات الوجه القبلي على مسافة 200 كم جنوب القاهرة. كان اهتمامي في البداية مجرد حفظ ما كان مقرراً علينا من السور القرآنية في مادة التربية الدينية بالمدرسة، ثم تدرّج ذلك إلى اهتمام شخصي نابع من حُبّي لكلمات الله. وفي تلك الأيام كان المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ينظم مسابقة سنوية بصفة دورية بين طلاب جميع مدارس الجمهورية في حفظ جزء أو جزئين من القرآن، فطلب مني والدي أن أشارك فيها. وأول مرة شاركت حصلت على المركز الأول وكانت الجائزة 10 جنيهات فرح بها والدي كثيراً، وكان يشجعني على المشاركة باستمرار ليس إلا للفوز بالعشرة جنيهات. استمرّ ذلك حتى استطعت حفظ أكثر من خمسة عشر جزءًا من القرآن قبل أن أنهي المرحلة الإعدادية، وأكملت ما تبقى منه في المرحلة الثانوية. كنت في هذه الفترة أقيم مع الأسرة في منزل العائلة الذي كان يضم بقية أعمامي وأولادهم. وكان واحد من أبناء أعمامي شديد التديُّن، إذ كان يدرس في إحدى كليات جامعة الأزهر، وأخذ يشجعني على قراءة الكتب وفي بعض الأحيان يشتريها لي على نفقته الخاصة. في أثناء هذا الوقت انتقلت أسرتنا للإقامة في بيت منفرد عن بيت العائلة هذا، وسافر ابن عمي إلى إحدى البلاد العربية ليعمل بصفة إمام وخطيب لمسجد هناك، واستمرَّت إقامته هناك مدة عامين، وبعد عودته في إحدى المرات أفهمني أننا لسنا على الإسلام الصحيح الذي يدخل من يدين به الجنة، لأننا لا نعرف إلا القليل، وأنه قد تقابل هناك بقيادات مسلمة وإخوة فارين من ظلم الحكم الطاغي هنا، وطلب مني التعمُّق في دراسة بعض الكتب للإمام ابن تيمية والشيخ سيد قطب وابن حزم الظاهري. ورغم صعوبة الأفكار في بعض هذه الكتب، إلا أنني أعجبت بها كثيراً إذ كانت تضع منهجاً شاقاً يصعب على المرء منا أن يؤدّيه كما هو. فمثلاً وجدت هناك حديثاً يقول: «من أكل مع مشرك أو ساكنه فهو مثله». من هنا بدأت أدخل إلى مرحلة جديدة في حياتي الدينية، إذ بدأت أتفحَّص الناس، من منهم الكافر ومن منهم المسلم، وبدأت أيضاً أجمع النصوص التي تسهِّل عليَّ تمييز المسلم من غير المسلم كي أرسم وأحدِّد علاقتي به حسب نوعية كل منهم، وهنا وجدت نفسي أمام موقف صعب جداً إذ أنّ والدي ووالدتي بناءً على ما وصلت إليه، يُعدّان من الكافرين. فوالدي كان يدخن، ولا يطلق لحيته، ووالدتي لم تكن تصلّي وكانت تسب وتشتم الناس كثيراً، كذلك إخوتي فقد كانوا كفاراً أيضاً، فمنهم من يجلس يشاهد التلفاز ومن لا يصلي، ومن يحلق لحيته ومن يدخن السيجارة، لدرجة أنني قد منعت أخواتي عن تكملة الدراسة في مراحل مختلفة، وطلبت من والدي أن يطلِّق والدتي لأنّها لم تكن على نفس تجاوبه معي مما أثار والدي عليّ. وصلت في نهاية الأمر إلى الاقتناع بأنَّ والدي ووالدتي وإخواني مشركون، وسألت: هل يجب عليَّ مقاطعتهم وعدم الأكل أو النوم معهم؟ فأجابني ابن عمي: نعم، فقلت: إذن، وأين أذهب؟ قال: تعال عندي. هل تثق في عمك وامرأته من حيث الإيمان ؟ قلت: نعم، فهما مؤمنان حقاً، قال: إذن فاذهب وأتِ بمتعلقاتك لتعيش معي بعيداً عن حياة الكفر والشرك التي في بيتك. حملت أمتعتي ورحلت وسط دموع والدتي وأخوتي ولم أشفق عليهم بل كنت أقول: لا مقام لي بينكم اليوم إذ أنكم كافرون، وكنت في غاية السعادة وأنا أراني أهجر بيتي في سبيل الله.

استقر ابن عمي في القاهرة واستأجر شقة بالقرب من جامعة الأزهر حيث كان في السنة النهائية وهذا مما اضطرني للعودة ثانية لبيت أبي، أجرّ أذيال الخزي والانكسار، وسألت ابن عمي: ألّا يعدّ رجوعي هذا معصية ؟ قال : لا، فالضرورات تبيح المحظورات. وقرأ عليّ آية سورة البقرة: «فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ» (سورة البقرة 2: 173). ففرحت كثيراً بذلك. كنت آنذاك في الثانوية العامة وقررت الاجتهاد حتى لا يُقال بأنّ التديّن يعيق الدراسة، ونجحت وحصلت على نسبة مئوية عالية أهلتني لدخول كلية الطب بجامعة القاهرة، وبعد ذلك بدأت أنفصل فكرياً وبالتدريج عن ابن عمي إذ قرأت كثيراً من الكتب كان هو يرفضها قائلاً: إنها تحمل أفكار التكفير والهجرة أو خوارج القرن العشرين. كان كلامه هذا لي دافعاً قوياً لأعرف ماذا يقول هؤلاء الناس الذين نسمع عنهم ولم نقابل أحداً منهم.

وجدت داخل الكلية كثيراً من التيارات السياسية داخل جماعات صغيرة وقانونية مما دفعني أن ألتحق بالجماعة الدينية بكليتي لكي لا نترك الساحة لهم. كان مُقرر الجماعة أحد أعضاء هيئة التدريس وكنت أميناً عاماً لها بالإضافة إلى رجلٍ آخر للاتصالات بالجماعة. لا أخفي أنني وجدت متاعب كثيرة داخل الجماعة لأنهم كانوا يعيشون حياة إسلامية تقليدية بعيدة كل البعد عن المفهوم الصحيح للإسلام من حيث تعاملهم مع غير المسلمين (لا أعني المسيحيين بل المسلمون بالاسم فقط).

بدأت طموحاتي الدينية تنمو باطراد وكنت أسابق الزمن للوصول إلى حالة لا تقل عن حالة من كنت أسمع عن صولاتهم ضد الحكومة والنظام. فبدأت بتكوين نواة لجماعة صغيرة أقوم بتلقينها الإسلام كما فهمته، وكنت ألمس فيهم الطاعة والخضوع. كنا نصلي معاً في زاوية بعيداً عن المساجد لأنها كما علمنا ما هي إلا مساجد ضرار بُنيت على غرار ما بناه اليهود لإعاقة دعوة الرسول.

شعرت بعد ذلك بضرورة ترتيب علاقتي بكل الناس، حسب موقف وفهم الشخص للإسلام. فكل من لا يقبل ما نقول فهو كافر ويعامَل معاملة الكفار: «لاَ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ» (سورة آل عمران 3: 28). لم أجد في ذلك صعوبة لأننا كنا مدفوعين برغبة وحماس شديد لأن نعيش كما كان رسول الله يعيش. وكانت تتراءَى لنا صورة أبي عبيدة بن الجراح الذي قال عنه النبي محمد إنّه أمين هذه الأمة عندما قتل والده الذي رفض الإسلام. كذلك صورة مصعب بن عمير الذي لم يرضخ لتوسّلات والدته وتركها تموت لرفضها للإسلام. وكذلك أبو بكر الذي قال لوالده: لو أنني أدركتك لقتلتك. كل هذه الصور كانت تنمي داخلنا القسوة على الأهل والأصدقاء إن هم رفضوا إسلامنا، ولم يكن ذلك لمجرد الكراهية، بل على العكس فقد كنت أتألم وأنا أرفع صوتي على والدي ووالدتي وأسب أخي وأخوتي وأهددهم بالقتل، والدافع كان الرغبة الصادقة لديّ لأن أطيع الله ورسوله وأصل إلى ما وصل إليه هؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وكنت أضع نصب عيني حديث الرسول الذي يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه».

بحسب نصوص القرآن والسنّة توجَّب علينا تحديد علاقتنا ومعاملتنا مع طائفة من الناس هم أهل الكتاب، والحقيقة هم النصارى، لأنّه يندر تواجد اليهود في مصر وإن وُجدوا فلا يقيمون علاقات مع أحد . من خلال البحث عن سلوكيات الرسول تجاه النصارى، وجدنا الصورة قاتمة جداً، لكنها كانت مريحة لنا إذ كنا نغار منهم في بساطتهم وحسن معاملاتهم، وسرعة إقامتهم لصداقة مع مسلمين اسميين، كان لديهم برود غريب تجاه ما كنا نوجهه إليهم من مضايقات. وقد فسرنا تصرفاتهم هذه على أنّها مجرد محاولة قذرة منهم للخروج من عزلتهم وهم الأقلية في مجتمع أغلبيته من المسلمين، ولم يكن أمامهم سوى هذا الخبث والدهاء في حسن معاملة المسلمين لأنهم إن أبدوا غير ذلك فلن يكون لهم أيّ مقام وسطنا، وهذا هو بعينه ما قاله القرآن عنهم من أنّ الله سيضرب عليهم الذلة والمسكنة. بدأت كراهيتنا للنصارى في صورة مضايقات في الشوارع والطرقات، لكنهم كانوا يتقبلون ذلك بوداعة تثير اشمئزازنا مما يدفعنا لزيادة الكيل من المضايقات. بدأنا نفكر في كيفية إرهابهم فعلمنا أنّ الله قد أحلَّ دماءهم وأموالهم وقال عنها أنها: «فَيء» أي تؤخذ بدون حرب مثل ما فعل الرسول بيهود بني قريظة، إذ حاصرهم وقتل شبابهم وسبى نساءهم واستحل نخيلهم وأجلاهم عن المدينة. ورغم أننا لم نقدر على عمل ما عمل محمد، لكن كنا نسطو على محلاتهم وننهبها، ووصلت درجة عداوتنا للنصارى إلى حدِّ التعدِّي على كنائسهم ودور العبادة في أماكن متفرقة من القرية التي كنت أقطن فيها. كان أشدّها هو تخطيط وتنفيذ عملية تدمير إحدى الكنائس، مما أثار شعور الحكومة حيث تظاهر الأقباط ضد هذا العمل وكان يبدو أنّ الحكومة مسرورة بهذا السلوك، إذ عوملنا داخل السجن على أفضل ما يكون، وعندما أنهينا فترة السجن هذه خرجنا واستقبلنا أهالي القرية استقبال الأبطال مما دفعنا للتمادي في ذلك، ولكن بطرق أكثر دقة وحكمة لا تمكن الحكومة من القبض علينا . كل ذلك تمّ في فترة وجيزة، وتناقل الطلبة في الكلية هذه الأخبار مما دفع أحد قادة التكفير والهجرة إلى طلب الجلوس معي، ليعبّر لي عن فخره بشجاعتي وحبي لله ورسوله. علمت أنّه من جماعة شكري أحمد مصطفى ففرحت وتمنيت لو كنت واحداً منهم، كان صديقي هذا صريحاً جداً في حديثه معي. وفي إحدى العُطل الصيفية قمنا بتنظيم معسكر للجماعة الإسلامية بالكلية حيث حصلنا على الدعم المادي لهذا المعسكر من إدارة الكلية. كان الهدف من هذا المعسكر هو أن نقضي أنا وعضو التكفير والهجرة أكبر وقت ممكن للمناقشة وتداول الأفكار حول الإسلام. بعد المعسكر طلب مني صديقي أن أبدي رأيي في الجماعة الإسلامية، وهل أريد الإنضمام إليها لو أتيحت لي الفرصة ؟ وكان يردّد على مسامعي الأحاديث التي تتكلم عن ضرورة الإنضمام لجماعة تقيم كتاب الله وسنّة رسوله مثل قوله : «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، ولا إسلام بلا جماعة ولا جماعة بلا أمير». شعرت أنّه لا بديل لديَّ سوى الإنضمام للجماعة ما دمت أحب الله ورسوله، وهذه الجماعة هي أفضل ما رأيت من حيث توافق فكرها مع ما كان بداخلي عن الإسلام.

تمّ ترتيب لقاء لي بالقاهرة في منزل أحد الأعضاء ووضعت يدي بيد الأمير شكري قائلاً: «أبايعك على السمع والطاعة في المَنْشَط والمكره، وأن أوثرك على نفسي إلا إن أرى منك كفراً بواحاً». لم تكن البيعة مجرد كلمات تُردد، بل كانت كأنك تضع حياتك في يد الأمير وتكون قد بعت نفسك لله وللرسول. بالحقيقة لقد كنت سعيداً جداً بهذا اليوم ولم أسعد أكثر من هذا اليوم إلا بيوم معموديتي . غرست البيعة هذه في نفسي شيئاً من الخضوع وعدم الخوف وتنفيذ كل ما يطلب مني بدون التفكير في ما ينتظرني من ألم أو مشاكل لأنني اعتبرت ذلك طاعة لله وللرسول، وكنت مستعداً لأن أفعل أكثر مما يطلب مني. بدأت القسوة تظهر على تعاملي مع أسرتي وكنت لا أسلم عليهم، وعندما يسألونني أُجيب قائلاً: إنكم كفار، إنكم تشبهون الذين قال الله عنهم: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» (سورة الكهف 18: 103-104). طلب والدي مني أن أرشده لما يجعله مسلماً في نظري فقلت له: أولاً تطلق لحيتك، لا تستمع إلى الراديو. فوافق. فقلت له إنّ والدتي لا تصلي «وتارك الصلاة كافر» وعليه فهي كافرة وحياتك معها حرامٌ. فثار والدي وحلق لحيته وكاد يضربني بحجر كان أمامه لولا أنني هربت منه. إنّ أول شيء جعلني أتحمّس للانضمام لجماعة التكفير هو أنها كانت شديدة القسوة على النصارى الذين كنت أكرههم وأريد نصوصاً قرآنية تؤيد كراهيتي هذه، بحيث أنطلق تحت مظلة قرآنية فلا يحدث لديَّ شيء من تأنيب الضمير في ما أفعله.

بعد ذلك عيّنني شكري أميراً لمجموعة في ضواحي القاهرة، وللتعبير عن إعجابه بي وبإخلاصي لقّبني بأبي عبيدة، وللعلم فقد كان كل فرد في الجماعة يحمل اسماً حركياً ولم نكن نعرف أسماء بعضنا البعض الحقيقية.

زادت ثقة شكري بي فقام بإرسالي إلى عدة دول عربية وأجنبية حيث كان يتواجد أعضاء للجماعة وقمنا بالتعاون معاً لاجتذاب أعضاء جدد وأخذ البيعة منهم نيابة عن الأمير العام شكري مصطفى. كانت هناك بعض المضايقات من الحكومة مما كان يضطرنا للهجرة لأوقات قصيرة لجبال المنيا والبداري وأسيوط القريبة من إقامتي، لكن في كل مرة كان يتم القبض علينا وترحيلنا للقاهرة كان يُفرج عنا، هذا كله كوَّن لدينا جميعاً شعوراً بأنّ الهجرة الآن أصبحت أمراً لا مفر منه إذ لا مقام لنا بين ظهراني المشركين عملاً بنص الحديث: «أنا بريء من كل من أقام بين ظهراني المشركين». وهذا تطلب منا أن نرسل أحد الأعضاء للبحث عن أنسب مكان يمكننا أن نهاجر إليه الهجرة الكبرى التي لا يحق لنا الرجوع منها إلا لإقامة الدين والقضاء على نظام الحكم الأرضي الذي لا يحكم بما أنزل الله. وفي أحد الأيام من عام 1977جاءنا أمر بضرورة البحث عن شقة مفروشة في أحد الأماكن الشعبية دون أن نسأل لماذا. قمت وأحد الإخوة بالبحث عن هذه الشقة واستأجرناها دون أن ندري سبب ذلك. وفي صباح اليوم الثاني علمنا أنه قد تمَّ اختطاف الشيخ محمد حسين الذهبي على يد رجال من جماعتنا، وبعد لحظات من سماعنا هذا البيان زارنا أحد أفراد الجماعة وحكى لنا ما تم بالضبط. كان الشيخ الذهبي دائم التهجم على أفكار الجماعة، وللحقيقة فقد كان يكتب عنا أموراً غير حقيقية مثل أننا نزوج المرأة لأكثر من رجل. وقد وجهت إليه الجماعة تحذيرات متكررة للتوقف عن مهاجمة الجماعة إلا أنّه استهان بهذه التهديدات والإنذارات. علمنا من أخينا أن الهدف من هذه العملية هو الضغط على الحكومة للإفراج عن بعض القادة الذين تورطوا في عملية الفنية العسكرية مع صالح سرية وكارم الأناضولي، كذلك طلب فدية مادية تمكننا من تغطية نفقات الجماعة المتعددة. فوجئنا في مساء يوم الاختطاف هذا بالقبض على معظم إن لم يكن كل أعضاء الجماعة في كل مصر، حتى من كان له أدنى علاقة بنا دون أن يكون عضواً. أُدخلنا معتقل القلعة وقضينا عامين تحت التعذيب والتحقيق في ما كان يعرف بقضية الانتماء لجماعة مناهضة لنظام الحكم. بعد ذلك أُطلق سراحنا فهربنا خارج البلاد، وانتشرنا في عدة دول عربية انتظاراً لأوامر الأمير الذي عيّنه شكري بدلاً منه. كانت هذه بداية تفتت وانهيار الجماعة وأقول بكل صدق وأمانة: لو لم تكن عملية الذهبي هذه، لكان للجماعة شأن آخر في تسيير الأمور بمصر.

كنا كما سبق وذكرت قد أرسلنا من يبحث عن بلد يمكننا أن نعيش فيه فترة استعداداً للجهاد الأكبر، وكانت النتيجة مشجعة، وبدأ بعض الأعضاء بالهجرة إلى تلك المنطقة تباعاً. وعلى أثر استلامي رسالةً من مكان الهجرة توجّهت إليهم في أوائل عام 1980، وبدأنا نرتب كيفية إقامتنا في هذه المنطقة، خاصة وأننا قد علمنا أنها منطقة صحراوية خالية من السكان، اللهم إلا من بعض البدو الذين يسلكون خلالها للتجارة. وبعد أن انتهينا من كل الترتيبات وبدأنا نرحل على مجموعات متفرقة حيث لم يكن لدينا سوى سيارة واحدة. كان من ضمن أعضاء الجماعة كثيرون من مواطني البلدة التي هاجرنا إليها وهذا مما ساعدنا على سهولة التعرف على جغرافية المكان وعادات وتقاليد هذا المجتمع الجديد. حفرنا آباراً للمياه، اتفقنا على كلمة سر بيننا، وتناوبنا حراسة المعسكر وقمنا بالتدريب على استعمال السلاح، ووفرنا لكل فرد سلاحاً شخصياً للدفاع عن نفسه وقت الضرورة. سارت الحياة بالنسبة لنا في أول الأيام في فرح وسرور، إذ كنا نتذكر هجرة الرسول وننتظر اليوم الذي سنعود فيه إلى مصر فاتحين كما فعل الرسول عند خروجه من مكة. وكان كل واحدٍ منا يترك أهله الكفار ويهاجر في سبيل الله لا يفوته أن يردّد هذه الأبيات الشعرية التي كانت تبث فينا الحماس والنخوة الإسلامية، غير مهتمين بما قد يواجهنا من صعوبات. فكل شيء يحدث لنا هو في سبيل الله وإن متنا فلنا الجنة وإلا فالنصر حليفنا:

Table 1. 

وداعاً يا ديار الأقربينوداعاً فقد تطول السنين    
يعز عليّ ترككم ولكنسأمضي أقصد الحق المبين    
فقومكم ودياري تركواكتاب الله رغم القارئين    

كنا عندما نردّد هذه الأبيات تمتزج فينا مشاعر الزهو والابتهاج بدموع الأسى والحزن على فراق الأهل والأصحاب.

كانت البلدة التي هاجرنا إليها تعاني من القلاقل والاضطرابات وحرب العصابات، وكان أهلها جميعاً مسلحين مما أتاح لنا فرصة حمل السلاح دون مضايقة من أحد. بدأت أخبارنا تتسرَّب للجهات الأمنية هناك عن طريق البدو الذين كثيراً ما كانوا يتيهون في الصحراء فيلجأون إلينا لإرشادهم. وذات يوم فوجئنا بسيارتين مدرعتين تقتربان من موقعنا رصدهما مسؤول الحراسة من خلال التلسكوب الذي كان بحوزته، وعند وصولهما على بعد أمتار من المعسكر فوجئ من بداخلهما بمن يستوقفهم طالباً الاستفسار منهم عما يريدون. طلبوا مقابلة أحدنا ليتعرفوا عن سبب إقامتنا في هذه المنطقة، وإلى أيّ جهة ننتمي، إذ قد تولدت لديهم مخاوف كبيرة من أن نكون موالين للمنشقين هناك. بعد حوار طويل شاركت في بعضه اكتشفوا أننا لسنا من مواطنيهم بل غرباء مما زاد من مخاوفهم تجاهنا. وبعد عدة مناقشات كان علينا أن ننسحب من الموقع في يأس وأسى لعدم تمكننا من تنفيذ ما كنا نصبو إليه، وحيث أننا كنا في بلدة مجاورة لمصر فقد كان الرجوع إلى مصر سهلاً ويسيراً وغير مكلف. لذا وبسبب تصميمنا على الاستمرار في خطتنا قرر الجميع العودة للقاهرة.

تخلفت وبعض الزملاء عن العودة لظروف خارجة عن إرادتنا ومكثنا وحدنا فترة طويلة تعرفنا خلالها على بعض الإخوة الذين كانوا قد شاركوا في حرب أفغانستان وأقنعناهم بأنّ تلك الحرب ليست بهدف نصرة دين الله. فبايعونا وأصبحوا إخوة لنا وقدموا لنا مساعدات كبيرة حتى رجوعنا إلى مصر بطريق البر مطلع عام 1990.

تمّ القبض علينا بمنفذ الدخول للقاهرة وحُوّلنا لوزارة الداخلية، وبعد فترة من التحقيقات أطلقوا سراحنا. حاولنا ومن بقي على بيعته للجماعة إعادة ترتيب الجماعة وكنا نلتقي مرتين شهرياً وذلك لدراسة الأفكار الأساسية للجماعة وإعادة صياغتها من جديد، انتهينا من ذلك في فبراير 1990. وذات يوم طالعتنا الصحف بخبر إلقاء القبض على مجموعة مبشرين كانوا يقومون بتنصير المسلمين الإسميين نظير إغراءات مادية وغير ذلك أو توريطهم في علاقات جنسية. هذا ما عرفناه عن طريق أحد الإخوة الذي كان متخصصاً في قراءة الكتب والمجلات والبحث عن كل شيء يتعلق بنشاط الجماعات الأخرى في العالم. كان ذلك في شهر رمضان مما أثارنا جداً وجعلنا نشعر بالخزي والعار، ودفعنا لضرورة أن يكون لنا رد فعل تجاه هؤلاء الذين يأمرون بالمنكر إذ لا بد من تغيير هذا الأمر أي التبشير، لكن كيف نغيّره؟ هل باليد؟ ذاك صعب جداً. هل باللسان؟ ذاك هو أضعف الإيمان، لكن كيف ومتى؟

بداية الطريق

عندما قرأنا الخبر الذي نقله لنا أخونا، شعرنا بالامتهان والتقصير تجاه الله، وقررنا أن نقوم بدور فعال إزاء عملية التبشير هذه، وإيقافها بشتى الطرق. وبعد مداولات شديدة وطويلة استبعدنا العمل المسلّح لعدة أسباب منها : أنَّ النظام الأمني في مصر قد تطور عما كان عليه في السبعينيات، كذلك فإنّ الكثيرين من نشيطي القادة في الجماعة الذين كانوا يتولون عملية تهريب كل من يشعر أنَّه في خطر قد انتهوا ولم يتم تعويضهم بنفس الكفاءة، إذ قد حكم على البعض بالإعدام أو بالسجن المؤبّد. ولهذه الأسباب استبعدنا الخيار المسلّح وتوجّهنا للبحث عن طريقة أخرى للتعامل مع حركة التبشير هذه. وأخيراً اهتدينا إلى المواجهة الفكرية، وتعرية الزيف والتزوير في التوراة والإنجيل.

لاقى هذا الاتجاه ترحيباً وحماساً من كل القيادات التي كانت مجتمعة، وبدأنا البحث عمن يقوم بهذا العمل العظيم الذي سوف يعلي كلمة الحق ويذهب كيد الكافرين. لم أكن أتوقع ولو بنسبة ضئيلة جداً أن أكون أنا المرشح لهذا العمل، ليس لعدم كفاءتي، ولكن لما يعلمه الجميع عني من كراهية شديدة تجاه المسيحيين. وبعد فترة صمت مريبة مرت خلالها الدقائق كساعات من ليل الشتاء الطويل، انطلق صوت الأمير معلناً اسم الشخص الذي اختاره للقيام بهذا العمل، وعندما سمعت أنّه أنا، كدت أفقد وعيي، وانتابني شعور بالغيظ والتمرّد إذ كيف يطلبون منّي مثل هذا الأمر الذي بالطبع سيتطلب قراءة كتب النصارى واليهود؟ لكنّ صوت الأمير الخافت القائل: هذا أمرٌ وما عليك إلا أن تنفذ إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وذكر الآية التي تقول: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»(سورة الأحزاب 33: 36)، قضى على غيظي وأخمد تمرّدي. حاولت إقناع الأمير بتكليف أحد غيري للقيام بذلك إلا أنّه رفض وقال : إنني أشعر بأنك أفضل من يقوم بالعمل هذا، ولو أنك أتممته جيداً ستكون قد أنجزت مهمّتين في وقت واحد، الأولى: أنك تكون قد قدمت لنا ولكل مسلم بل ولكل العالم حقيقة كانت وما تزال غامضة عن أذهانهم، والثانية: أنك سوف تجني ثمار هذا العمل الرائع لأنه سوف يتم ترجمته وبيعه في كل أنحاء العالم لأهميته، وبذا تكسب مبالغ كبيرة بالحلال الطاهر.

دفعني حديثه هذا إلى استعجال معرفة نوعية وموضوع البحث هذا، قال الأمير: إنّ البحث ينقسم إلى قسمين، الأول: إثبات أنَّ نبوة محمد رسول الله ثابتة من التوراة والإنجيل تصديقاً لقوله: «ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ» (سورة الأعراف 7: 157) ، والقسم الثاني: إثبات تحريف وتزوير التوراة والإنجيل أي الكتاب المقدس، وأنّه ليس الذي أنزله الله وذلك من خلال البحث في الاختلافات والتناقضات الموجودة فيه.

قبلت هذه المهمة على مضض وقلت للأمير إنَّ هذا يتطلب مني أن أشتري توراة وإنجيلاً وأقرأهما!! قال: نعم، ولا بدّ أن تفعل ذلك. فذهبنا في صبيحة اليوم التالي إلى القاهرة، وقطعنا شارع الجمهورية نبحث عن مكتبة تبيع هذه الكتب. وجدنا المكتبة لكن كان من الصعب أن ندخلها بملابسنا التقليدية لأنها مثيرة جداً وقد يطلبون الشرطة اعتقاداً منهم أنّنا جئنا للتخريب. وجدنا رجلاً يسير بالشارع فسألناه عن اسمه وطلبنا منه أن يشتري الكتاب فوافق. سلّمني الأمير الكتاب وانصرفنا متوجّهين إلى منزلي جنوب القاهرة، كنت خلال السفر الذي استغرق أكثر من ساعتين ونصف أحاول التخلُّص من الكتاب بأي وسيلة، فتارة أتركه خلفي، وتارة أتعمَّد نسيانه، وفي كل مرة كان الأمير يحضره لي وينبهني إليه. أخيراً وصلنا إلى منزلي، وبعد فترة غادر الأمير منزلي إلى مدينته. ومن هنا بدأت رحلة المتاعب مع التوراة والإنجيل.

كان أول يوم أخذت فيه الإنجيل شديد الوطأة علي، لاعتقادي بأنّه ليس من عند الله وسوف يجلب لي الشياطين بالبيت ولن أقدر أن أصلي. فوضعته خارج غرفة نومي خوفاً من إزعاج الشياطين، وطاردني هذا الهاجس أياماً عديدة حتى أنني كلما سمعت صوتاً بالمنزل اعتقدت أنَّ الله يعاقبني على اقتناء هذا الكتاب. فكنت لا أدخله غرفتي أوقات الصلاة حتى تستطيع الملائكة أن تدخل منزلي. استمرّ هذا الخوف والقلق فترة من الوقت أدركت بعدها أنني لم أقتن هذا الكتاب بإرادتي بل أنفذ إرادة الله من خلال إطاعة الأمير الذي أوصى النبي بطاعته في حديثه: «من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني». وهكذا أيقنت أنه لا ضير من أن أضع الكتاب في غرفتي والله سيقويني.

كانت كل الوسائل ميسَّرة لي من قبل الجماعة، أتقاضى 500 جنيهاً شهرياً كمصاريف نظير تفرغي لهذا العمل، وعندي الكثير من المراجع التي تساعدني على إخراجه على أفضل ما يمكن وخاصة أن لديّ من الخبرة في أمور النصارى الكثير. إلاّ أنني كنت مراراً أحاول تجاهل هذا الأمر ولكن في كل مرة كان يتراءى لي الحديث الذي يقول: «من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني»، فأسارع قائلاً: لا يا رب! لن أعصيك أبداً، وأستغفر الله ثلاث مرات ثم أقوم للصلاة .

قررت بيني وبين نفسي أن أبدأ رحلة المتاعب هذه، لكن ما أقلقني هو أنني لم أكن أدري من أين أبدأ، ولم يكن لديَّ طريق واضح المعالم للتعامل مع شقّي البحث، مثلاً بخصوص إثبات نبوة محمد، كنت قد توقعت أنني سأجد نفس الاسم «محمد» في التوراة والإنجيل وفي أضعف الأحوال قد أجد أحمداً أو محموداً.عن أيّ اسم في التوراة سأبحث؟ هل عن محمد؟ أم محمود؟ أم أحمد؟ أم ... ؟ أم ...؟ أخيراً التبس عليّ الأمر فقررت الانتقال للجانب الآخر من البحث، وهو البحث عن التناقضات والاختلافات التي تثبت أنّ التوراة والإنجيل ليستا من عند الله. وعلى نفس المنوال فشلت في تحديد قالب معين أو معيار ثابت، على أساسه أُقيِّم كل ما هو في التوراة والإنجيل. فإن توافقا فهما غير محرَّفين وإن اختلفا أكون قد وصلت إلى ما أريده. دفعني ذلك للشك في قدرتي على إتمام هذا البحث، مما أثار حفيظتي وأشعل حماسي فقررت التركيز الشديد للوصول إلى الهدف لأنني لم أعتد الفشل في أي مهمة كنت أُكلف بها طوال حياتي.

كنا نلتقي أنا والأمير مرة في كل شهر نتشاور ونتحاور حول موضوع البحث. وفي كل مرة كنت أطلب منه العدول عن قراره وإسناد هذا العمل لآخر مع استعدادي للتعاون معه. لكن كان لديه إصرار غريب على أن أقوم أنا بإنجاز هذا البحث. صليت ركعتين استخارة لله فتملكتني جرأة غير عادية وقررت البدء في قراءة الكتاب لكن بدون نظام أو تحديد أو أي سند يعينني على الوصول للهدف. بدأت بسفر التكوين ولم أكن أدري ما أبحث عنه. وجدت أسماءً غريبةً أقرأها لأول مرة. فضقت ذرعاً بها وألقيت بالكتاب بعيداً في أحد أركان غرفتي بطريقة عصبية قائلاً : إنَّ هؤلاء اليهود والنصارى أغبياء! كيف يقولون عن كتاب يتكلم بهذه الطريقة وهذه الأسماء إنّه من عند الله، إنهم مجانين. توقفت عن القراءة، وبعد يومين قررت عدم قراءة سفر التكوين لما فيه من أسماء وألفاظ صعبة الفهم، واسترسلت في القراءة. أُعجبت جداً بما هو مدوّن في سفري العدد والخروج وأيضاً سفر التثنية، حيث وجدت الكثير من الأمور التي تتعلق بموسى وفرعون وبني إسرائيل مذكورة بالتفصيل، الأمر الذي أشبع رغبتي. أنهيت قراءة العهد القديم (التوراة) في شهرين لكن دون تركيز. أعدت قراءتها ثانية وكنت أبحث عما ينتمي لمحمد أو أحمد أو محمود بصلة ولم أجد شيئاً. تطرقت إلى العهد الجديد (الإنجيل) وقرأته كاملاً، لكنه لم يقدني لشيء فضقت ذرعاً بهذا البحث وكانت تنتابني ثورة شبه عصبية نحو الأمير الذي أمرني بذلك، وفي آخر زيارة له لي أخبرته أنني لم أجد أي خيط يمكن أن يساعدني على إتمام البحث. فقد قرأت التوراة والإنجيل ولم أجد شيئاً. أخبرني الأمير عن كتاب كنا نتدارسه في الخارج سوف يساعدني كثيراً في بحثي وهو «إظهار الحق» للشيخ رحمة الله الهندي. بحثت عن هذا الكتاب في مكتبتي فوجدته، والحقيقة تُقال إنّه ذو قيمة عظيمة لنا وخاصة عندما كنا ندخل في نقاشات مع المسيحيين لإقناعهم بالإسلام، إذ كان يحتوي على نصوص مغلوطة من التوراة والإنجيل كنّا بعرضها على المسيحيين يقبلون الإسلام، وتكرر هذا مع ثلاثة أشخاص. بدأت أنظم طريقة البحث مستعيناً بعدة كتب بمعاونة الأمير مثل «الملل والنحل» للشهرستاني، و «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لابن حزم، وبعض كتب التاريخ والسيرة، وكلها كانت تهاجم المسيحية. أخذت كل النصوص التي ذكرها ابن حزم وقال إنها تناقض بعضها البعض، وبحثت عنها في الكتاب الأصلي فكنت كثيراً ما أجد النصوص إما مذكورة ولكن بنصوص مختلفة أو منسوبة لأشخاص مختلفين. ولا أخفي سراً أنني وجدت كثيراً من النصوص التي بها اختلافات. لكن لو أخذنا هذه النصوص كحجة على عدم صحة التوراة فعلينا أن نقبل مثيلاتها في القرآن ويكون القرآن أيضاً من عند غير الله. (قمت فيما بعد بالرد عما كنت أعتقده تناقضاً واختلافاً في بحث تحت عنوان: الرد على ابن حزم).

كنت أبحث بإخلاص وبمحبة غامرة لله وللرسول، لم أكن مدفوعاً بفكر عنصري بل كان الدافع هو الانتصار لله ولدينه الحنيف، وقد لفت انتباه المجموعة الصغيرة التي أنا أميرها اهتمامي بالكتاب المقدس وكانوا دائمي الأسئلة عن سبب ذلك. وكثيراً ما كنت ألجأ للكذب عليهم لأنَّ ذلك ضرورة. وأُبرِّر ذلك بأننا نتقابل مع شباب مسيحيين ندعوهم للإسلام مما يحتّم علينا ضرورة معرفة ما يقولون. بعد أن تعثرت محاولاتي للبحث عن مدخل لهدم التوراة من خلال إيجاد الاختلافات والتناقضات، قررت العودة إلى معالجة الشق الأول من البحث، وهو إثبات نبوة محمد من خلال التوراة والإنجيل لتحقيق مصداقية آية سورة الأعراف. فتشت كثيراً في كتاب رحمة الله الهندي ووجدت ما كنت أصبو إليه فانتفضت فرحاً بما وجدت، وشعرت أنني أخيراً قد وجدت ضالتي، صليت ركعتين شكراً لله لأنّه هداني إلى هذه النصوص. بدأت في تدوينها بالترتيب وكما يلي:

  1. تكوين 17: 20، تكوين 49: 10

  2. تثنية 18: 18-20، تثنية 32: 21، تثنية 33: 1-3

  3. إشعياء 42: 9، إشعياء 54: 1-3، أشعياء 65: 1-2

  4. مزمور 45: 1-3، مزمور 149: 3

  5. دانيال 2: 31-32

  6. متى 3: 2، متى 13: 31، متى 20: 1، متى 21: 33

  7. يوحنا 14 : 15

  8. رؤيا 2 : 27

لم تكن تلك هي كل النصوص التي ذكرها رحمة الله الهندي وزعم أنّها إثبات لنبوة محمد، بل كان هناك نصوص أُخر قمت باستبعادها لضعف دلالتها. كان تعاملي مع هذه النصوص غاية في التدقيق والموضوعية لأنّ هذا كان شأننا كجماعة مؤمنة فريدة على ظهر الأرض، فلم نكن نقبل أي نص من أي فرد بدون دليل صادق موثوق فيه. لا أخفي أنَّ هذه النصوص من حيث الظاهر كانت مغرية لأي مسلم لأن يقبلها، لكن بالتدقيق، وهذا حال المسلمين الأصوليين، قد يفاجأ بعدم صحة الاستنباط المستنتج من الدليل. لذا قمت بتجميع كل الكتب التي رأيت أنها قد تساعدني في بحثي هذا، وبدأت أرسم مستقبل حياتي بعد نجاحي في هذا البحث، ومقدار الخدمة التي أكون قد قدَّمتها لله وللرسول إضافة إلى الربح المادي الذي ينتظرني والذي بدأت معالمه تلوح في الأفق عندما ذهبت أنا والأمير إلى مكتبة أنصار السنة وعرضنا عليهم فكرة الكتاب والتي نالت إعجابهم، بل إنهم قد طلبوا منّا فصلاً واحداً فقط من الكتاب وهم سيشترون حقوق طبعه. كل تلك الأحلام كانت تراودني لكن كان يطغى عليها انتصاري لدين الله.

أخذت أعيد قراءة الكتاب المقدس وأصبحت علاقتي به على أحسن وجه حتى أنني أدمنت قراءته، وكنت أكتب الدليل تلو الآخر محاولاً أن أثبّت بالحجج والبراهين أنَّه ينطبق على محمد. لكن المفاجئة كانت غير متوقعة وغير سارة، وربما كان سبب ذلك أنني كنت مبالغاً في تدقيقي، ليس لغرض المبالغة فقط بل للجزم بصدق نبوة محمد، فاستعنت بكتاب ياقوت الحموي «معجم البلدان» عندما تعرضت لاسم مدينة تسمى فاران لأعرف أين تقع وما هو اسمها الحالي. وكذلك استعنت بمعاجم لغوية مثل «لسان العرب» ومعاجم عبرية لأعرف ما معنى شيلون. كنت أريد أن أُخرج كتاباً لا ترد فيه كلمة واحدة دون شرحٍ وتدقيق، ولا يمكن لأحد أن يطعن أو يحتج عليه. لكنَّ الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، إذ بدأ الانهيار التدريجي للنصوص واحداً تلو الآخر. انهار أمامي أول دليل في إثبات أنّ نص التكوين ينطبق على محمد من عدة وجوه.

انتهيت من دراسة كل هذه النصوص ولم أجد فيها ما يدل على ما كنت أبحث عنه. امتزجت لديّ مشاعر الحزن والأسى بالقلق والاضطراب، لكن لم يتبادر إلى ذهني مجرد التفكير في أنَّ محمداً ليس بنبي، بل كان تعليقي الذي أواسي به نفسي هو أنني قد فشلت في الربط بين الأدلة وشخص الرسول. قررت أن أعيد المحاولة ثانية من خلال دراسة كتب أخرى غير كتاب «إظهار الحق»، مثل دلائل النبوة، معجم البلدان، وأعلام الموقعين، والموسوعة العربية الميسرة. كنت أحاول بكل جهدي ألاّ أفشل، لأنَّ الفشل بالنسبة لي هو الدمار الكامل لتاريخ حياة مملوءة بالمشقات والضيقات، فكيف يصبح ذلك سراباً؟ لم تكن المحاولة الثانية أفضل من الأولى بل على النقيض من ذلك، فقد اكتشفت في المرة الثانية أشياء لم أكن أعرفها في المرة الأولى، ولم تكن في صالح البحث بل ضده. كنت بين لحظة وأخرى استرق نظرات أجول بها هنا وهناك متفرساً في الكمّ الكبير من الكتب والمراجع الإسلامية التي تملأ مكتبتي، وأجدني أخاطب نفسي: هل من المعقول أن تكون كل هذه الكتب خادعة، تقدّم لنا شخصية وهمية؟ إن صحّ ذلك فلا يستحق الله منّا أن نعبده، لكن لم أكد أسترسل في ذلك التفكير حتى أردّد: أستغفر الله العظيم! وأنهض متوضئاً لأصلي ركعتين أطرد بهما إبليس .

فجأة وبدون مقدّمات وجدت نفسي أهمل التفكير في موضوع البحث وأعاود قراءة الكتاب للمرة الثالثة. وفي كل مرة كنت أقرأ فيها الكتاب كنت أجد حلاوة غريبة حتى أنني خشيت على نفسي من سحر هذا الكتاب الذي قد يصيبني نتيجة هذه القراءة المستمرة، لأننا كنا نقول، إنَّ النصارى سحرة ويستمدون سحرهم مما يسمونه التوراة والإنجيل. وها هو يشدّني إليه بطريقة غريبة لا أستطيع مقاومتها.

كان الأمير منتظماً في زيارته لي، وفي كل مرة كنت أتوقع منه أن يضيق بي لعدم إنجاز أي شيء، وإعفائي من البحث، لكنه كان في كل مرة أكثر إصراراً من سابقتها على أنني الأفضل للقيام بهذا البحث. عاودت القراءة في إنجيل متى وتعثرت من مطلعه في الأصحاح الأول عندما رأيتهم يردّون نسب المسيح إلى داود، فقلت: إنهم مجانين حقاً، وكنت أتعزى بذلك وأحتفظ ببعض الأمل في أن أجد ما أريد. وفي قراءتي الثالثة لإنجيل متى وجدت نفسي وكأني أقرأه للمرة الأولى وشعرت كأن يداً تمتد نحو رأسي لتربت على كتفي ولسان حالها يقول: أما آن الأوان لتفهم ما تقرأ ولا تنشغل بالخطأ والصواب! وفي الوقت ذاته كنت أشعر وكأني أغيب عن الوعي وأحس بقشعريرة خفيفة لا أدري سببها. وجدت الإنجيل يخبر عمّا نفعله مع المسيحيين وكأنّه يعيش بيننا، وجدته يتكلم عن الاضطهاد والتعيير والقتل الذي كنا نحسبه طاعة لله، قلت: غريب أمر هذا الإنجيل، كيف علم بما نقوله وما نقوم به إزاء المسيحيين؟؟ ربما علموا بذلك وقاموا بتدوينه حديثاً، كنا نفسر محبة المسيحيين وتواضعهم على أنها جبن وخوف منا نحن المسلمين لأنهم قليلون مستضعفون، وكان لا بد أن ينطبق عليهم قول الله: «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ» (سورة البقرة 2: 61). لكنني وجدت نصوصاً تحثهم على المحبة والطاعة والخضوع ومحبة الأعداء. فكيف يمكن لإنسان أن يكتب سبب مذلته بنفسه؟ وللأمانة أذكر أنني كلما قرأت أمر الله للمسيحيين أن يحبّوا حتى أعداءهم طافت بذاكرتي معاملتي السيئة لوالدي ووالدتي، كيف كنت أتفنَّن في القسوة عليهما، ولا يهدأ لي بال حتى أرى علامات الألم على وجهيهما، وأتمادى في القسوة حتى أرى ثمارها. وذات مرة مرضت وأُدخلت أحد المستشفيات حيث أجريت لي عملية جراحية خطيرة. أراد والدي أن يراني ليطمئن عليّ فرفضت وقلت إنه كافر لا أريد أن أراه، كذلك والدتي التي كانت تتعرض لأبشع من ذلك، حتى كانت ترسل لي الطعام عن طريق طرف آخر كي لا أرفضه، وكانت تقف في الشارع أمام شباك غرفتي بالمستشفى ساعات طويلة تلفحها حرارة الشمس الحارقة علّها تسترق نظرة أو نظرات لتراني فيها. وكلما تذكرت ذلك سالت الدموع من عيني ولعنت ذلك اليوم الذي عرفت فيه الله. كنت أعزي نفسي بمحاولة تذكر ما فعله أبو عبيدة بن الجراح وأبو بكر الصديق بوالديهما، ومصعب بن عمير بوالدته فيهدأ بالي قليلاً.

انتهيت من إنجيل متى لكن كلماته لم تنتهِ من ذاكرتي واستمرت تطاردني ليل نهار كلما هممت بفعل شيء شرير. قرأت باقي الأناجيل والرسائل ووجدت فلسفة وبلاغة تفوق ما هي للقرآن، وحيث أنَّ هذه سابقة للإسلام ب 630 سنة فكيف نقول إنَّ القرآن لا يماثله شيء في البلاغة؟؟ وفي إحدى ليالي الشتاء القارس قرأت إحدى السور القرآنية علّي أستطيع التخلّص مما علق بذهني من كلمات إنجيل متى.

كنت وبقية الإخوة نحقد على المسيحيين ونغار منهم لأنهم كانوا قريبين من الناس، يكسبون محبّتهم وودّهم بسهولة، في الوقت الذي كنا نحن عاجزين عن إقامة مجرد علاقة يتوافر لديها الحد الأدنى من التسامح الذي يمكِّننا من دعوتهم للإسلام. وكثيراً ما كان يمثل ذلك لنا عقبة شديدة، إذ أنَّ طريق دعوتنا لا يعطينا أي قدر من التسامح الذي به نقدر أن نبني نوعاً من العلاقات التي تقرّبنا منهم ثم اجتذابهم للإسلام. كانت كل حياتنا حياة عنفاً وقسوة وإرهاباً، ولا غرابة في ذلك إذ لم يكن سلوكنا هذا من عند أنفسنا بل من الله، وإن لم نفعل ذلك فلسنا من الله في شيء، إذ أنَّ الله قد حدّد لنا في القرآن والسنة كيفية معاملة الكفار على اختلاف كفرهم، أكانوا من أهل كتاب أو مشركين أو متمسلمين. ففي أهل الكتاب قال: «يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ» (سورة المائدة 5: 51). هذا بخصوص أهل الكتاب أما بخصوص الكفار من نوعيات أخرى كمسلم لا يصلي أو لا يزكي أو لا يطلق لحيته أو يرتكب أي معصية ولا يتوب عنها فقال: «يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُوِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ» (سورة النساء 4: 144). وبخصوص الأهل والأقارب قال: « يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ» (سورة التوبة 9: 23). وهناك آية أعمّ وأشمل تقول: «لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ» (سورة المجادلة 58: 22). ولو أضفنا إلى كل تلك الآيات الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر أنَّ محمداً قال: «لا تسلِّموا على أهل الكتاب ولا تردّوا عليهم السلام، وإن قابلوكم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه». وهناك أضعاف هذه الآيات التي كانت تحكم علاقتنا بالأهل والأصحاب وغير المسلمين. وهكذا فإنّه لم يكن لنا أي سلطة أو خيارٍ في تحديد هذه العلاقة، لأنّ الفكر الإسلامي عامة والقرآن خاصة لا يعطي للمسلم مساحة لاستخدام العقل، وكل من يستخدم عقله للتأمل في آية أو حديث يعدُّ كافراً إذ عليه أن يقبلها كما فسَّرها محمد، وإن لم يقل محمد فيها قولاً فليسكت عنها ويعتبرها من المتشابه الذي لا يجوز الاقتراب منه. ومن هنا كان الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري عن ابن عباس: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».

تُرى بعد هذا الكم من النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة، هل كان بإمكاننا أن نكون مهادنين أو لطفاء أو موادعين لكل من ليس على شاكلتنا؟ بالطبع لا. ولو حدث فنحن، كما يقول القرآن، نكون قد ركنّا إلى الذين كفروا. «وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ» (سورة هود 11: 113). لذلك كنت كلما تفرست في نص الإنجيل الذي يتحدث عن المحبة والعفو والغفران والتسامح، ملأ الغيظ قلبي، ولكنني كثيراً ما كنت أشعر بالخجل من نفسي وأنا أقرأ في الإنجيل الذي ندّعي بأنّه مزوَّر. وأقول: إذا كانوا هم قد زوّروا الإنجيل واكتسبوا محبة الناس بشهادة المسلم والكافر، فلماذا نحن الذين لم نزوّر شيئاً نفتقد لهذه المحبة؟ كنت أحاول جاهداً أن أطرد من أفكاري ذاك الشبح الذي بدأ يطاردني وهو: ماذا لو لم تستطع أن تصل إلى نتيجة في بحثك؟ لدرجة أنني كلما تطرقت إلى هذا التفكير صرخت بأعلى صوتي قائلاً: أستغفر الله العظيم، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله، وأسارع للصلاة لأتخلّص من تلك الهواجس ولسان حالي يقول: كيف لا .. لا .. لا .. محمد رسول الله حتى ولو لم أجد ما يؤكد ذلك في التوراة والإنجيل. وبمرور الأيام بدأت المشكلة تتفاقم أمامي، إذ بدلاً من أن أفكر فيما يثبّت صدق نبوة محمد في التوراة والإنجيل، وجدت نفسي أمام مشكلة جديدة وهي: كيف ألغي تأثير هذا الكلام العذب الذي عرفته من التوراة والإنجيل، وكيف أقدر أن أثبت أنّ ما علمته بخصوص التوراة والإنجيل ليس من عند الله. لكن كل الأفكار المدونة فيهما جيدة ويستحيل أن تكون من صنع بشر. كيف يقدر البشر أن ينفذوا بهذه الطريقة إلى أعماق المستقبل ويتكلموا منذ ألفي عام عن أمور تحدث الآن؟ لو سلمنا بأنّ هذا من صنع البشر لقلبنا كل الموازين الإلهية إذ نضع الإنسان معادلاً لله في الفهم والحكمة، ونحن نعلم أنّ الله ليس كمثله شيء وهو السميع العليم. وجدت نفسي فجأة أقرأ في سفر المزامير وهو المعروف لدينا بالزبور والأمثال، حتى أنني حفظت آيات من مزموري 23 و143 وكنت أردّدها في الصلاة. وكلما سمعني أحد يعجب جداً بها ويطلب مني أن أكتبها له للدعاء بها.

تكررت محاولاتي في البحث عن أدلة تتعلق بنبوة محمد، وعدم صحة الكتاب المقدس، لكنها كلها باءت بالفشل ولم تتركني وشأني بل زعزعت الكثير من الأفكار والشكوك بداخلي. تظاهرت بنسيان تلك الشكوك لكنها كانت أقوى مني لأنني أحب الله أينما كان، لكن خلفيتي وحبي لديني كانا يمنعانني من مجرد التفكير في أن يكون دين الإسلام ليس هو طريق الله الذي رسمه لنا. بدأت حياتي تضطرب وأفكاري لا تهدأ والقلق يملأني. لم أقدر أن أنام كما كنت من قبل، ولأول مرة وقفت دقائق معدودة وأنا أصلي صلاة الفجر أثناء قراءتي سورة الإسراء وأشرد بذهني قائلاً: تُرى ماذا سيكون موقفك لو فرضنا أنّ الإسلام ليس هو الطريق المؤدّي إلى الجنة؟ حاولت الهروب من الإجابة لكن لم أستطع، لم أكمل الصلاة وأجهشت ببكاء شديد حتى غلبني النعاس، فاستلقيت على السجادة إلى حين أيقظتني والدتي. ذهبت إلى العمل وأنا شارد الذهن لا أدري إلى أين أسير ولا إلى من أتكلم. وبعد عودتي للمنزل وجدت نفسي مدفوعاً بقوة للقراءة في إنجيل يوحنا من الأصحاح الأول حتى الخامس عشر. وجدت فيه كل ما يمكن أن يقال من بلاغة وفلسفة وتعابير لغوية غاية في الدقة والتناسق، خاصة عندما تحدّث عن الخراف والراعي والكرمة والكرّام والأغصان المثمرة وغير المثمرة التي يجب أن تُقطع وتُلقى في النار. صرخت بصوت عالٍ قائلاً: يارب ارحمني أنا عبدك، قل لي أين أنت أرجوك، وإلى أي الفئتين تنتمي، هل أنت عند النصارى أم اليهود أم المسلمين؟ من فضلك تحنّن عليّ فأنا عبدك، على عهدك ووعدك ما استطعت. أعترف بفضلك عليّ. لا أقدر أن أقف أمامك، ولا يليق بك أن تقف نداً أمام نفخة نفختها من روحك. أنت الله القادر وأنا العبد الذي لا يقدر إلا إن سمحت له. أنت الله الرحمن الرحيم، وأنا عبدك بلا حول ولا قوة. ناصيتي بيدك: كل أموري لديك، لقد أحببتك من الصغر، بذلت نفسي طمعاً في جنتك وحباً فيك. لم أكن لأبالي بسجنٍ ولا بعذاب ولا بكل المسكونة إن وقفت أمام طريقي إليك. لماذا تعاملني هكذا؟ كنت أسير على درب محبتك التي علّمنا إياها نبيّك وها أنا أجد نفسي عاجزاً عن أن أستمر على الطريق. كلٌّ يقول إنك إلهه، لكن لا أدري أيّهم على صواب وأيّهم على خطأ، يا رب هل أقسم لك إني أحبك! كلا، فأنت تعلم كم تحمّلت من الصعاب في مسيرتي نحوك، تركت دراستي، وأهلي، وأصدقائي، تغربت كثيراً وسجنت مراراً، وعُذّبت كثيراً لأجلك، فلماذا لا تتجاوب معي؟ إن كنت أنت إله المسلمين فاخلع من فكري كل شيء عدا الإسلام، وإن كنت أنت إله النصارى فاعطني بصيص نورٍ أقتدي به.

كنت لا أنام من الليل إلا سويعات قليلة وكل تفكيري متَّجه نحو ماذا لو وجدت أنّ الإسلام ليس طريق الله، بل أنّ طريق الله هو من خلال التوراة والإنجيل... هل ستسلك مثل ما يسلك النصارى؟ كنت عندما تطوف بفكري هذه الجملة أشعر بقشعريرة شديدة وكأنني ذكرت شيئاً أُلام عليه من الله والناس. وذات يوم تخلّى عني الخوف والشكوك ووجدت نفسي أقول: ماذا تريد؟ كفاك مهاترات. أنت الآن لست كما كنت من قبل، أمامك طريقان كل منهما يبدو مستقيماً فلا تضيع الوقت، وابحث جاهداً عن طريق الله وليس من المهم أن يكون عند اليهود أو النصارى أو المسلمين، المهم أن يكون طريق الله، هذا إن كنت حقاً تبحث عن الله، هذا قدرك ولا بد أن تسلم بقدرك، ثق أنه بقدر إخلاصك سيكون تجاوب الله معك. انسَ أنك مسلم وابحث من جديد، ماذا يمنعك؟ قلت: لا شيء يا رب يمنعني، لكن قُد أنت خطواتي وأعطني قوة لأنّ هذه تجربة صعبة وإن لم تعنّي عليها فسوف تتخبطني الشياطين وأمكث في الأرض حيران بلا سند. أرجوك يا رب ساعدني وأعدك يا رب أن اتبعك أينما كنت حتى لو كنت عند النصارى الذين لا أطيق رؤيتهم. بعد ذلك شعرت بهدوء غريب يسيطر على كل تفكيري وكياني، ولأول مرة وجدت نفسي أفكر بعقلانية وبلا عصبية. فقررت الآتي: إنّ النصارى قد كفروا لسببين. الأول: أنّهم قالوا إنّ الله هو المسيح عيسى ابن مريم. والثاني: أنهم يقولون إنّه مات على الصليب وقام مكفراً عن خطايا الناس. تُرى ماذا يحدث لو أنني توجّهت ببحثي نحو هاتين القضيتين لأتحقق من مدى صحة كل منهما بمفهوم إسلامي، أي أرى ماذا قال علماء ومفسّرو الإسلام بخصوص هاتين القضيتين؟

بدأت أولاً أبحث في كتب التاريخ الإسلامي والسيرة والتفسير عن كل ما يتعلق بالمسيح. وهل تحققت في المسيح كل صفات الله المذكورة في القرآن؟ كانت مصادر بحثي هي الكتب الصحيحة الخالية من الوضع والإسرائيليات، مثل تفسير ابن كثير، «تاريخ الإسلام» للذهبي، «البداية والنهاية» لابن كثير، «الملل والنحل» للشهرستاني، «الفصل في الأهواء والنحل» للعلامة ابن حزم المعروف بأبي محمد، «الأسفار المقدسة قبل الإسلام»، «النصرانية بين العقل والنقل». فكانت نتيجة البحث أنني وجدت صفات للمسيح لم يتناولها المسيحيون أنفسهم في كتبهم. ومن هذه الصفات:

  1. القدرة على الخلق: قال القرآن في سورة الأنعام 6 آية 102: «ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ». وفي سورة الحجر 15 آية 86: «إنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ». وفي سورة الحج 22 آية 73: «إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ ٱللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا لَهُ»، وفي سورة النحل 16 آية 20: «وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ»، وفي سورة النحل أيضا 16 آية 17: «أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ».

    هذه النصوص التي تقصر وتحصر الخلق إلا لله، بل إنّ الله عندما أراد أن يقارن ذاته بالآلهة الأخرى استخدم خاصية الخلق وجعلها ميزة تجعله فوق كل الآلهة. وكما علمنا فإنّ المسيح كان يخلق وباعتراف صريح وواضح من القرآن. ففي سورة آل عمران قال المسيح عن نفسه: «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرَاً بِإِذْنِ ٱللَّهِ» (سورة آل عمران 3: 49). وقال أيضاً في سورة المائدة: «وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي» (سورة المائدة 5: 110). وعندما قرأت ذلك قلت في نفسي : إنّ الله هو الذي أعطى المسيح هذه القدرة، ولم يكن يمتلكها من عند ذاته، لكن عدت لأقول: حتى ولو أنّ هذا كان بسماح من الله فيكفي أنه الوحيد الذي أعطاه الله هذه القدرة ليكون معادلاً له في خاصية من خصائصه اللاهوتية ، ولو كانت كرامة لمحمد لكان أولى بها، بل إنّه قال عن محمد: «فَإِنَّكَ لاَ تَسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاءَ» (سورة الروم 30: 52) وهذه أبسط من الخلق. إنّ الله قد منع محمداً من مجرد إعادة السمع للأصمّ وهو خير خلق الله وخاتم رسله. وتحدّى الله الخلق أن يخلقوا مجرد ذبابة وها هو هنا يعطي المسيح القدرة على خلق الطير، والمسألة لا تقف عند حجم المخلوق بل هي من حيث المبدأ، لأنّ من يخلق القليل يخلق الكثير وهذا لا يمكن أن يكون للناس من دون إذن الله .

  2. علم الغيب: قال الله عن نفسه في القرآن : «قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ» (سورة النمل 27: 65). «وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ» (سورة الأنعام 6: 59). ففي الآية الأولى أسلوب قصرٍ وحصرٍ أي أنّ علم الغيب مهما كان محصور ومقصور على الله يستحيل أن يشاركه فيه أحد. وفي الآية الثانية، لا نافية للجنس أي جنس المخلوقات التي يمكن أن تدعي علم الغيب إذ أنّ مفاتح الغيب عند الله وحده. وقد حكى القرآن عن محمد أنه كان يلوم كل من ينسب إليه علم الغيب فقال: «قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ» (الأنعام 6: 50). وقال لمعاذ عندما قال له إن شاء الله وشئت: «أجعلتني لله نداً والله لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله؟» لكن بخصوص المسيح نجد كل الحواجز تُزال والمحذور يُباح والغير مستطاع للبشر مستطاع لديه، فيقول القرآن: «وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ» (سورة آل عمران 3: 49). والغريب أنّ المسيح في كل تلك الصفات يتكلم بضمير المخاطب وكان لا بد وأن يكون الله المتكلم لأنه المانح له هذه كما كان يحدث مع محمد فيقول له: قل، لكنّ المسيح تفرّد بأن قال عن نفسه، وهذا يعني أنّ ذلك كان بيده ولم يكتسبه من أحد. وهناك في كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير (الجزء الثاني صفحة 86) رواية شعرت بالخجل عندما قرأتها إذ وجدت فيها إقراراً لا يقبل الشك أنّ المسيح كان يمتلك قدرة غير عادية على الإخبار بالغيبيات ولطول هذه الرواية أنصح بقراءتها في الشاهد المذكور.

  3. يشفي المرضى: قال القرآن إنّ الله وحده هو الشافي. مرة على لسان إبراهيم ومرة على لسان محمد فيقول: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» (سورة الشعراء 26: 80). وفي الحديث الصحيح : اللهم لا شفاء إلا شفاءك. وأما المسيح فيقول عن نفسه: «وَأُبْرِئُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ» (سورة آل عمران 3: 49).

  4. يحيي ويميت: الله وحده هو صاحب سلطان الحياة والموت ولا يستطيع أحد أن يحيي ويميت. فقال القرآن: «وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ» (سورة الحجر 15: 23) وقال: «إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ» (سورة يس 36: 12). وقال: «إنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ» (سورة ق 50: 43). وبخصوص المسيح يحكي القرآن أنّه قال: «وَأُحْيِي ٱلْمَوْتَى بِإِذْنِ ٱللَّهِ» (سورة آل عمران 3: 49).

    ويروي ابن كثير في كتاب «البداية والنهاية» رواية صحيحة تثبت أن المسيح كان له سلطان أن يميت كما كان له سلطان أن يهب الحياة. والرواية باختصار أنّ المسيح رأى امرأة تبكي على ابنة لها ماتت منذ زمن طويل فسألها: ما يبكيك يا امرأة؟ قالت: ماتت ابنتي وليس لي ولد غيرها. فقال: أرأيت لو أحييتها لك أتريدين ذلك؟ قالت: نعم يا روح الله. فوقف المسيح على رأس القبر ونادى ثلاث مرات على الصبية ففي الثالثة قامت تنفض عنها التراب وتكلمت مع أمها، وبعد ذلك طلبت من المسيح أن يعيدها للموت فقال لها عودي كما كنت فانغلق القبر عليها وماتت.

  5. القدرة على الرزق: قال القرآن: «إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَاقُ ذُو ٱلْقُّوَةِ ٱلْمَتِينُ» (سورة الذاريات 51: 58). وهذا أسلوب توكيد أنّ الرزق من عند الله وحده. وقد وبخ الله كل من اعتقد أنّه يقدر أن يرزق الناس. وقد تحقق ذلك بالنسبة للمسيح فقال ابن كثير إنّ المسيح كان له كرامة أن يرزق من يشاء، وتجلّى ذلك عندما أطعم الخمسة آلاف نفس بقليل من الخبز والسمك.

  6. ليس كمثله شيء: يقول القرآن عن الله: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ» (سورة الشورى 42: 11). وبخصوص المسيح فلا جدال أنّ ليس كمثله شيء، فقد وُلد من غير رجل، وهو الوحيد الذي قيل عنه: كلمة الله وروح منه، والذي ليس لإبليس سلطان عليه منذ ولادته، والذي كان يحيطه حجاب من دون سائر البشر والذي امتلك صفات الله الفائقة القدرة.

  7. يقول للشيء كن فيكون: يصف القرآن فيما يعدّد من صفات الله قائلاً: «إِنَّمَا قَوْلُنَا لَشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (سورة النحل 16: 40). وقوله: «إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (سورة البقرة 2: 117). هذه صفة فريدة وصف الله بها نفسه أن يقول للشيء كن فيكون وهي ليست كالخلق، وقد تحقق ذلك للمسيح في حادثة تحويل الماء إلى خمر كما يقول ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية».

  8. كان عرشه على الماء: يقول القرآن عن عرش الله: «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» (سورة هود 11: 7). قال القرطبي والحدثي أنّ هذه الآية كانت تنطبق على المسيح الذي تدرع بالجسد وإنّ الله إنما جعل عرشه على الماء ليس على سبيل الدوام ولكن ليختبر إيمان الناس. وقد سار المسيح لتلاميذه ليلاً على سطح بحر طبرية ليختبر إيمانهم ، وقال لهم في هذه الواقعة: «يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَان» (متى 14: 22-33).

  9. له الحكم والأمر: قال القرآن عن الله: «إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ» (سورة الأنعام 6: 57). وقوله: «فَٱصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ» (سورة الأعراف 7: 87). وجاء عن المسيح على لسان محمد فيما يرويه البخاري عن ابن عباس: «لا تقوم الساعة حتى ينزل ابن مريم حكماً عدلاً فيقضي بالحق ويمحو الظلم».

  10. يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار: جاء في سورة الأنعام 6: 103: «لاَ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱلَّلطِيفُ ٱلْخَبِيرُ». هذه صفة أخرى من صفات الله التي تحققت للمسيح كما يروي ابن كثير والقرطبي من أنّ المسيح كان ذات يوم على الجبل فأراد الرومان أن يقبضوا عليه فمرق منهم دون أن يدركوه بينما هو أدركهم وقال بذلك أحمد بن خابط في الفرق بين الفرق.

  11. هو الرحمن الرحيم: جاء في سورة البقرة 2: 163: «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَانُ ٱلرَّحِيمُ». وجاء في سورة مريم 19: 93: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَانِ عَبْداً».

    ذكر الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» والأزرقي في «دلائل النبوة» أنّ المسيح كان على صورة الرحمن وكان رحيماً متحنناً على شعبه إذ أقام ابنة يايرس من الموت برحمته، وترأف كثيراً على المرضى برحمته فخلق عيناً لرجل وُلد بلا عين بوضع طين عليها لأنّ هكذا كانت سُنّة الله في الخلق منذ الأزل.

  12. يضرب الأمثال: جاء في القرآن أنّ من اختصاصات الله أنه وحده هو القادر أن يكلم الناس بأمثال. ففي سورة إبراهيم 14: 25: «وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لِعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (سورة الحشر 59: 21). قال ابن كثير والقرطبي والزمخشري في الكشاف إنّ الله يستخدم الأمثال لكي يقرب للناس ما يريده حتى يقيم عليهم الحجة. وقد كان المسيح وسط قومه يفعل ذلك، والكتاب المقدس في عهده الجديد عامرٌ بالأمثال التي لم يتكلم بمثلها أحد من الأنبياء.

  13. يرسل رسلاً ويعطيهم سلطاناً ويؤيدهم بروحه: فقد جاء في مطلع سورة يس: «وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ» (سورة يس 36: 13و14). ذكر ابن كثير وجميع المفسرين أنّ هذه القرية هي أنطاكية وهؤلاء الرسل هم رسل المسيح وذكر أسماءهم وأنّه كان لديهم سلطان من المسيح. تُرى مَن ومِن البشر كان يملك ذلك؟

  14. عبادة غيره كفر وشرك: جاء في سورة التوبة 9: 30و31: «قَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ... ٱتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ». قال ابن قتيبة إنّ هذه الآية مشكلة لأنّ فيها أنّ عبادة الله والمسيح فرض ولا يعبد من دونهما، لذا فيجب أن يُعرب المسيح كمفعول ثانٍ وليس كمضاف حتى لا يوافق أهل الكتاب من تأليه المسيح.

  15. يأتي في ظُلَلِ من الغَمام: جاء في سورة البقرة 2: 210: «هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ ٱلْغَمَامِ». قال ابن الفضل الحدثي إنّ المقصود هنا هو المسيح الذي سيأتي يوم القيامة على الغمام وهو المقصود بقوله: «وَجَاءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً» (سورة الفجر 89: 22).

الحقيقة أنني وجدت أكثر مما كنت أطلب أو أريد وقد لا يتسع المجال هنا لذكر كل ما توصلت إليه. فقد أعددتها في بحث منفصل تحت عنوان: «حتمية ألوهية المسيح» (غير متوفرٍ حتى الآن). ذاك أنني بعد أن انتهيت من البحث ووجدت ما وجدت غيّرت العنوان من: لاهوت المسيح إلى حتمية لاهوت المسيح وختمته بعبارة تقول: إن لم يقل النصارى إنّ المسيح إله لكان لا بد وأن يكون إلهاً.

أما بخصوص الشق الثاني وهو موت المسيح كفارة عن الخطاة أو ما يُسمى بالموت الكفاري، وهو ما كنا نرفضه عملاً بالآية التي تقول: «وَلاَ تَزِرُ وَازِرةٌ وِزْرَ أُخْرَى» (سورة الأنعام 6: 164)، إذ كيف يموت من لم يرتكب ذنباً عن آخرين أخطأوا. هذا إلى جانب المعضلة الكبرى وهي: هل حقاً مات المسيح؟ لا أدري سبباً لشعوري بالثقة في إمكانية ألا أجد ما يؤكد موت المسيح. وكنت متفائلاً جداً لأنني لن أجد ذلك وبالتالي أكون قد أرضيت ضميري. وبحثت ولم أجد وعليه فتمسكي بالإسلام سيزداد أكثر وأكثر، لذا اندفعت بكل حماس وقوة عسى أن أعوض ما وجدته من دلائل لاهوت المسيح في إثبات أنّه لم يمت ولا يجوز أن يموت نيابياً. فوجئت وأنا أبحث عن الموت الكفاري بما قرأته في تفسير ابن كثير لسورة البقرة وخاصة الآية التي تقول: «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ» (سورة البقرة 2: 54) إذ وجدت نصاً صحيحاً بخصوص هذه الآية فيه أنّ بني إسرائيل أرادوا أن يتوبوا عن خطيتهم بعبادتهم للعجل فلم يتب الله عليهم، وبعد توسّط موسى طلب الله من موسى أن يبلغ بني إسرائيل أنّ السبيل الوحيد للتكفير عن خطيتهم هذه هو أن يقتل كل رجل أو شاب من بني إسرائيل كل من يقابله، ولا تأخذه به شفقة، وقيل كانوا يضعون عصابات على أعينهم حتى لا تأخذهم شفقة بذويهم فيمتثلوا لحكم الله ويقتل كل منهم الآخر. ويقول ابن كثير إنّه قد وقع ما لا يقل عن سبعين ألف قتيل، حتى اكتفى الله وكانت الدماء تسيل كالأنهار. فأمر الله موسى أن يطلب منهم الكفَّ، فقد قُبلت توبتهم، وأما من بقي حياً فقد كفر عنه بدم من مات حتى ولو لم يكن قد عبد العجل معهم، أي هناك شخص لم يعبد العجل مات لتتحقق كفارة من عبد العجل ولم يمت. إذن فلماذا نرفض أن يموت المسيح الذي بلا خطية عمن أخطأ وما زال حياً؟ إنّ الأمرين سواء.

أحسست وكأنَّ الله يطاردني بالأدلة ويفرض عليَّ حصاراً بحيث لم يعد أمامي من سبيل لإنكار أو رفض دعوة المسيح لي لأتبعه، حتى موت المسيح وجدت الكثير من النصوص التي تناولها ابن كثير في تعليقه على آية النساء 4: 157: «وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً». والآيات الأخرى التي تكلمت عن موت المسيح في آل عمران حتى أنّ الاختلاف كان يدور ليس على موت المسيح بل على مدة موته. فمنهم من قال ثلاث ساعات ومنهم من قال يومين ومنهم من قال يوماً واحداً، وهذا حسب قواعد اللغة يؤكد وقوع الموت، وإزاء ذلك كله كنت أزداد غيظاً وتألماً لأنني وددت لو لم أجد شيئاً يبرهن على صحة الفكر المسيحي، لا لشيء، إلا لعزة نفسي وتفاخري وكراهيتي لهم، لكن هذا أمر الله لا مفر منه. فكيف أكيّف نفسي مع هذا الواقع الجديد! لا أدري.

لم أنقطع عن القراءة في الإنجيل الذي أصبح لي صديقاً. كنت في كل مرة أكتشف حلاوته أكثر فأكثر. وذات مرة وأنا أقرأ فيه تسمّرت عيناي على نص يقول: «وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَٱدْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ ٱلَّذِي فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً» (متى 6: 6)، وكذلك حديثه عن المرائين الذين يُصلّون في الأزقة والطرقات والمجامع، وقلت: عجيب أمر هذا الكتاب! هل يجول في الشوارع ويكتب ما يحدث الآن منذ ألفي عام؟ وبسرعة تذكرت أيام كنت أسجد على جبهتي وأضع شيئاً صلباً تحتها حتى تبرز ما يسمى بالزبيبة في جبيني أتفاخر بها بين الناس، وكيف كنت أتباهى بصومي وتسبيحي وتعمُّد ارتداء ثياب محددة لتدل على تديني.

وعلى نفس الوتيرة قمت بالبحث عن موت المسيح وصلبه. هل حقاً مات أم لا؟ درست ما يُعرف بالموت الكفاري ووجدت أكثر ما تناولته الكتب المسيحية بخصوص هذا الموضوع. وفي نهاية الأمر أصبح عندي شبه اقتناع عقلي بلاهوت المسيح وصلبه. قد يعتقد البعض أنني كنت مسروراً بما وجدت. كلا، لقد كنت غاية في الضيق والضجر والتوتر، وتمنيت لو أماتني الله قبل أن أكتشف أنني طوال الفترة الماضية من عمري كنت أطارد سراباً لا أساس له من الصحة. كان الأمر صعباً عليَّ أن أكتشف أنّ النصارى الأذلاء، المحتقرين، الخ... الخ... على صواب وأنا مخطىءٌ. كنت لا أنام، أسير في الشارع أتحدث مع نفسي، تطاردني الأفكار أينما سرت، سيطر عليَّ شك رهيب خاصة عندما كنت أتوضأ لأصلي، فكان أول رد فعل لي إزاء ذلك أن طلبت من الإخوة الذين كانوا يتردَّدون عليَّ ألا يكثروا من زيارتي بدعوى مراقبة الأمن لي. وبالتدريج انقطعت علاقتي بهم. كنت أشعر بالنعاس كلما حاولت أن أقرأ القرآن كعادتي كل يوم، وفي نفس الوقت كنت لا أملّ من قراءة الكتاب المقدس. لا أخفي أنني تعلقت به جداً واتضح ذلك عندما زارني الأمير آخر مرة وإذ لم يجدني قد أنجزت شيئاً في البحث قال: قدّر الله وما شاء فعل. هات الإنجيل، سوف نبحث عن شخص آخر يقوم بذلك بدلاً منك، لأنه يبدو أنك غير مؤهّل لذلك. كان من الطبيعي أن أُسرّ بذلك لأنّ هذا ما كنت أتمناه. لكنّ هذا لم يحدث فقد تغيّر الحال وطلبت منه أن يمهلني شهراً آخر قبل أن يسحب البحث مني لأنني استطعت أن أضع يدي على بداية الطريق، والحقيقة هي أنني لم أكن أريد أن أفقد الإذن في قراءة الكتاب المقدس، ولا أن أفقده أيضاً. وافق الأمير على هذا الاقتراح، ولا أدري لماذا فعلت ذلك. كان يمكنني أن أوافق على سحب البحث مني لأريح نفسي من التفكير والمصير المجهول الذي أحفر مساره بيدي. كنت كلما هممت للصلاة أسمع وكأن هاتفاً يقول لي: كيف تصلي لإله لست متأكداً من وجوده؟ فأجهش بالبكاء، وفي إحدى المرات التي استطعت فيها أن أقاوم وأقرأ القرآن لفتت نظري آية في سورة العنكبوت تقول: «وَلاَ تَجَادِلُوا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِٱلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (سورة العنكبوت 29: 46). حاولت التمعّن فيها أكثر فرجعت إلى ابن كثير والقرطبي وكتاب «الكشاف» للزمخشري لأرى ماذا يقولون في هذه الآية، فأول ما وجدت أنّ الجميع قد قالوا إنها نسخت بآية السيف الشهيرة التي في سورة التوبة. لكن لفت نظري ما هو أكثر من مجرد النسخ إذ الآية تقول: إنّ إلهنا وإله أهل الكتاب واحد، وهنا توقف عقلي عن التفكير، إذ أنّ إلهنا نحن المسلمين قد نسخ كل أنواع المهادنة مع غير المسلمين من الناس واستبدل مكانها القتل والمضايقة والإيذاء، حتى أنه في بعض الآيات يجعل الله عذابه لهم عن طريقنا «قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ» (سورة التوبة 9: 14). وهناك أكثر من 27 نصاً تحرض على القتال الواجب على المسلم نحو غير المسلم، في حين أنّ إله أهل الكتاب يقول: «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لِأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ» (متى 5: 44). ويقول أيضاً: «لاَ تُقَاوِمُوا ٱلشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ ٱلأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ ٱلآخَرَ أَيْضاً. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَٱتْرُكْ لَهُ ٱلرِّدَاءَ أَيْضاً. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَٱذْهَبْ مَعَهُ ٱثْنَيْنِ» (متى 5: 39-41).

أخذت أحدث نفسي أين هذا من قول الله: «فَمَنِ ٱعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَى عَلَيْكُمْ» (سورة البقرة 2: 194)، وفي الحديث: لا يكن أحدكم إمعة يؤخذ حقه ولا يبالي. ومن قوله: «أَعِدُّوا لَهُمْ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُّوَةٍ وَمِنْ رِبَاطِ ٱلْخَيْلِ» (سورة الأنفال 8: 60)، وقوله: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ» (سورة الفتح 48: 29). حقاً يستحيل أن يكون الأبيض والأسمر واحداً، ويستحيل أن يكون الخير والشر واحداً، ويستحيل أن يمكث الليل والنهار معاً، لا بد لأحدهما أن ينفرد بذاته، وعليه لا بد من أن يكون هناك إله واحد فقط. وأنا واثق إنني سأتوصل إليه، لأنني أحب الله ولن يمنعني مخلوق من الإيمان بالإله الحقيقي حتى ولو كان عند اليهود. لكن أريد مساندتك يا رب، لا تتخلَّ عني فأنا الآن غريب مشتت الذهن لا أدري أين أنت. وإن كنت خُدعت فليس عن قصد. أنت تعلم كم أحبك، وكم تألمت من أجل محبتك، يا رب إن كنت تقتص مني معصية عملتها فأسألك الرحمة في قضائك، فأنت الإله وأنا عبدك على عهدك ووعدك ما استطعت، أعترف بذنبي فاغفر لي ولا تقسُ عليَّ في عقابك.

وبدأت ترد على خاطري أفكار غريبة كنت عند مجرد استعادتها أمام ذاكرتي أشعر بالرهبة والخوف والفزع، إذ قلت إنّه لا يمكن أن يكون القرآن كلام الله والكتاب المقدس كلام الله أيضاً. لا بد لأحدهما أن يلغي وجود الآخر. عندما تطرقت لهذه الفكرة انتابني شعورٌ بالرعب والخوف. وكلما سمعت صوتاً اعتقدت أنّ الله سيدمر البيت فوق رأسي لأنني أفكر هكذا في القرآن، وبدت حياتي كأصعب ما يكون. كانت تلك الفترة أشد عليَّ من فترة سجني بالقلعة وتعذيبي هناك. لكن سرعان ما بدأ هذا الشعور يتلاشى، وقررت أن أعيد دراسة القرآن من جديد لأبحث عن كل جانب من جوانبه وأضع الآية التي تقول: «وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً» (سورة النساء 4: 82) وسأكون محايداً جداً، والحقيقة أنني لم أكن محايداً إذ تمنيت ألاَّ أجد شيئاً في القرآن يقودني للتصديق بأنه ليس من عند الله. كانت بداخلي مرارة تجاه المسيحيين، قد أقبل كل شيء لكن ألاَّ أكون مسيحياً وتمنيت لو أنّ الإنجيل هذا لم ينزل على المسيحيين. كانت كلمة «مسيحي» تثيرني وتولد بداخلي رغبة شديدة في الانتقام والعدوان تجاه كل ما هو مسيحي، ولم أدرِ سبب هذا الشعور الذي تملكني، ربما بسبب النشأة التي نشأت عليها وسط أسرة متديّنة تحب الإسلام وتكره المسيحية بسبب تصورها على أنها كفر وشرك، حتى أنّ آباءنا كانوا يحذروننا في طفولتنا من اللعب مع المسيحيين لأنهم خونة وألاَّ نأكل طعامهم لأنّه من الممكن أن يضعوا لنا السم في الطعام. فلا إله لهم يعبدونه ولا يمكن لنا أن نركن إلى إيمانهم أو أمانتهم.

بدأت أدرس القرآن دراسة دقيقة وعميقة، وبدأت تبدو لي أمور ذُهلت عندما وصلت إليها. وتعجبت لماذا لم أدرك ذلك من قبل!! قمت بإعداد بحث تحت عنوان: هل القرآن كلمة الله؟ (غير متوفر حتى الآن) استغرق مني قرابة الستة أشهر، في خلالها زارني الأمير في وقت مفاجئ لم أكن أتوقعه، وكنت في دورة المياه (بيت الخلاء). فاستأذن من والدتي ودخل غرفتي لأنّه كان معروفاً عند أسرتي إذ قضينا سوياً فترة الاعتقال، وكانوا يرونه معي في كل زيارة. اعتقد الأمير عندما شاهد الأوراق المكتوبة مبعثرة هنا وهناك أنني قد أنهيت جزءاً من البحث المطلوب مني وسمعته يقول: بارك الله فيك، هكذا تكون الرجال، إنَّ نظرتي لا تخيب، لقد قلت إنك الوحيد القادر على عمل ذلك، فقلت في نفسي: إنك لا تدري ما تحتويه هذه الأوراق. وخرجت لملاقاته فإذا وجهه قد تغيّر إلى الحمرة وبدا مضطرباً، فجذبني من ياقتي قائلاً : ماذا أقرأ؟ هل أنت كتبت ذلك؟ غير معقول، أنت ... من ضحك عليك؟ من خدعك؟ من أغراك لتبيع دينك؟ قلت له: لو كانت هناك خديعة فأنت صاحبها، ولو كان هناك إغراء فأنت صاحبه، ولو ارتكبت إثماً فهو عليك، لأنك أنت الذي دفعتني لذلك كله. اعتذرت إليك ولم تقبل عذري، كنتم تعرفون كراهيتي للمسيحية والمسيحيين وأصررتم على أن أكون أنا من يقرأ كتبهم. أقسم لك أنني أتمنى لو أنّ كل ما عرفته يكون خطأ. لقد عشت معك أقصى وأصعب فترات حياتنا، أليس كذلك؟ قال: نعم. قلت: هل كنت تلاحظ عليّ شيئاً؟ قال: لا. قلت: إذن فاعذرني، الأمر ليس بيدي ولا هو مجرد معلومات، لكنه يتعلق بقلبي الذي لا سلطان لي عليه. يا ليتك تقرأ ما قرأت وتعلم ما علمت؟ فانتفض هائجاً وأراد أن يمزق الأوراق المكتوبة (ألوهية المسيح والقرآن ليس كلام الله). دار بيننا شجار جاءت والدتي على أثره ثم غادر منزلي قائلاً: نحن قد علمنا ما بك، إنما لي طلب إن كنت تريد أن تبقى حياً. قلت: ما هو؟ قال: المجموعة التي أنت أميرها عساك أن تخبرهم بشيء عن السموم التي تكتبها، وأنا سأقول إنك قد ارتددت ولن أفصح لهم عن السبب، وأحذرك لو حدث منك شيء غير هذا، فإنك أفضل من يعرف ما ينتظرك. أجبته: الحقيقة التي تجهلها أنت هي أنّ الأوضاع تغيرت والأيام غير الأيام، وأنت خير من يعلم ذلك، بصراحة أنا لا أقبل تهديداً لسبب واحد هو أنّك لن تقدر على شيء مما تهدّدني به. ولعلمك فلقد دفعتني أمانتي أن أطلب ممن معي عدم زيارتي هذه الأيام لأنني خشيت أن أعلمهم شيئاً أشك في صحته، ولذا صرفتهم عني لأنني كنت أميناً معهم. لكن أؤكد لك أنني أحب الله، وادْعُ لي أن يعيد الله لي صوابي إن كنت قد فقدته.

عندها أجهشت ببكاء شديد واسترجعت الذكريات الجميلة لحياتنا معاً في السجون والمعتقلات، وكيف كنا نحتمل الصعاب معاً. والحقيقة عزّ عليّ كل ذلك، لكن إن كانت تلك إرادة الله فوداعاً لكل ذكرى طيبة بعيداً عنه وأهلاً بالأشواك إلى جوار الله.

بدأت الجماعة من خلال الأمير تقطع كل صلاتها بي وحتى الذين كانوا يقابلونني يومياً أصبحوا لا يسلّمون عليّ. فعلمت على الفور أنه قد تمّ تكفيري، ولم يكتفوا بذلك بل سحبوا مني المبالغ التي كنت آخذها من بيت المال لأنفق على نفسي منها. لكنني لم أتأثر. لقد تصوّروا أنني سوف أضيق بتصرّفهم وسأعود إليهم تائباً. هم لم يفهموا ما كان بداخلي، كنا قد اشتغلنا معاً في ما يشبه توظيف أموال. اشتركت أنا والأمير وشخص ثالث بالأموال التي عدنا بها من الخارج حيث كنا نتاجر في الملابس الجاهزة، وكنت أنا مسؤولاً عن الاستلام وتوقيع الشيكات لدى التجار الذين نتعامل معهم، ولما حدث ذلك معي لم يسدِّدوا المبالغ المطلوبة فطولبت بسدادها، وأقاموا عليّ دعوى بالمحكمة، وتوقعوا أن اعتذر من جراء كل ذلك وأتوب عن كفري، وقال لي الأمير صراحة في المحكمة: - إذ اقترب من قفص الاتهام - نقدر أن نسحب الدعوى إذا راجعت نفسك وتبت إلى الله وأخبرتنا من أثَّر عليك لتسلك هذا السلوك. فلم أجبهم بشيء، وحكمت المحكمة بأن أردَّ المبلغ على أقساط، قيمة كل قسط 160 جنيهاً.

كان الحكم هذا ضربة قوية لهم إذ أنهم كانوا يهدفون لحبسي، ومرت التجربة بسلام. لكنني أخذت أكلِّم الله بحدة وأكرر قائلاً: لماذا يا رب تفعل ذلك معي؟ هل خصصت العذاب لي وحدي؟ لا أدري ماذا تخبّىء لي في جعبتك من الآلام. من فضلك ترفق بي وهون عليّ فأنا ضعيف لا حول لي ولا قوة، لا تتركني في هذا البحر اللجي تتخبطني الأمواج ولا أدري لأيّ شاطئ تقودني. لِما سمحت لي بكل هذا القلق في حياتي ليعكر عليَّ صورتك الشفافة؟ أرجوك يا رب لا تتركني وحدي وأنا أعدك أن أتبعك أينما كنت لأنني لا أخاف سواك وأنت تعلم ذلك علم اليقين. لم يقطع عليّ مناجاتي هذه سوى صوت والدتي تطلب مني أن آخذ الطعام، لأنني لم أكن آكل معها إذ لا يجوز لي أن آكل مع مشرك وكانت والدتي كذلك .

تطرقت بعد ذلك إلى موضوع غاية في الخطورة والأهمية ألا وهو: إذا كان القرآن ليس من عند الله، إذن فمن يكون محمد هذا؟ حتماً لا بد وأن يكون غير مُحقٍّ في ادّعائه النبوة، لكن كيف أثبت ذلك؟ وبمجرد أن حدثتني نفسي بذلك ارتعبت رعباً شديداً وقلت: غير ممكن ألاّ يكون محمدٌ نبياً وخاصة بسبب معجزاته وإمبراطوريته التي كانت مترامية الأطراف، وكل هذا الكم من الناس الذين اتبعوه. كنت أشعر وكأنني على وشك أن يحل عليّ انتقام الله الشديد ويحيط بي عذابه، لكن بعد أن هدأت ثورتي هذه بدأت أشعر بشجاعة وعزيمة نحو ضرورة البحث في من هو محمد؟ وهل هو نبي أم لا؟ كانت دلائل نبوة محمد ترتكز على عاملين أساسيين هما: أنّه أمي ونزل عليه القرآن، وأنّه كان قبل النبوة معصوماً ولم يرتكب منكراً قط.

الأمية: لم يكن في اعتقادي أن أجد ما يدل على أنّ محمداً كان يقرأ ويكتب لأنّ كل الذي أعلمه وتعلمته أنّه يستحيل ذلك. وهذا مما دفعني لقراءة كتب السيرة مرة ثانية. والحقيقة أنني وجدت أموراً تعجبت كيف كانت تمر عليّ من قبل دون أن أدرك ما فيها. وجدت أنّ محمداً كان يخلو في نفس المكان الذي كان يجلس فيه ورقة بن نوفل والنضر بن الحارث وعمرو بن نفيل وابن ساعدة القس المشهور، وأنّ محمداً كان يتاجر بأموال خديجة الكثيرة وأنّه قد أبرم عقوداً واتفاقيات مع تجار اليمن والشام. وما يُقال من أنّه كان يحمل خاتماً يوثق به اتفاقاته كدليل على أميته غير صحيح. كان لديه فعلاً هذا الختم، وإنّما كان هذا شيئاً بالأمر المتعارف عليه في أمور التجارة، أن يكتب البائع والمشتري الاتفاقية ثم يطبع عليها بالخاتم للتوثيق وهو ما يشابه ختم شعار الجمهورية الآن. وجدت أنّه بعد النبوة كتب صلح الحديبية بيده، وأنّه كان في كفالة عمه أبي طالب ولا شك أنه تعلم من علي أمور الكتابة حتى ولو القليل منها لأنه كان أكبر من علي سناً. وجدته يجلس عند يسار النصراني ويأخذ منه نصوصاً من الإنجيل ويقرأها. وجدت أنّه من غير المنطقي أن يطلب جبريل منه القراءة عند نزوله عليه وهو يعرف أنه لا يجيدها. ولو أضفت إلى ذلك ما وجدته عند البحث عن مدى صدق نبوته الذي قادني لذلك كله فيكون محمد لا بالنبي ولا بالصديق.

عصمته: هنا حدِّث ولا حرج وأي كتاب من كتب السيرة مثل السيرة الحلبية والطبقات الكبرى، وسيرة ابن هشام حتى كتب التفسير التي تكلمت عن آية سورة النحل التي فيها «وَمِنْ ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً» (سورة النحل 16: 67). هناك عدة أحاديث صحيحة تقول إنّ محمداً كان يشرب النبيذ، ويوصي صحابته إذا وجدوه شديد التركيز بكسره بالماء. وكان يأكل من الذبائح التي تذبحها قريش عند الكعبة على الأوثان، ويحل ما حرّم الله ويحرّم ما أحلّه الله، وكان يطمع في نساء أتباعه إن استحسن منهن شيئاً كما حدث يوم خيبر عندما وقعت صفية بنت حيي بن أخطب في سهم عبد الله بن عمر فأخذها منه وتزوجها، وكذلك زينب بنت جحش زوجة زيد. كل ذلك أزال الصورة البراقة وهدم الهيكل المقدس الذي كنت أضع فيه الرسول، ولا أخفي أنني كنت أتألم كلما اكتشفت شيئاً من هذا القبيل.

ورغم كل ما وصلت إليه وللأمانة فقد كنت تواقاً لأن أجد ولو القليل الذي يعينني على أن أبقى مسلماً لأنه الدين الذي رضعته في طفولتي. ومجرد التفكير في تركه كان يقلب حياتي إلى جحيم وخوف ورعب. كنت كلما وجدت شيئاً أو قرأت نصاً حسناً في الكتاب المقدس، أزداد حقداً وحسداً وغيظاً على المسيحيين وتزداد قسوتي عليهم دون أن أدري السبب. فكلما وجدت شيئاً في الإنجيل ذهبت لأخرج كل غيظي على زميلي في العمل. أتلف له متعلقاته الشخصية، أدفع للآخرين مالاً لكي يكيدوا له ويشتكوه للسلطة العليا ، ومرة أحرقت ملابسه حتى اضطر للعودة لمنزله بملابس العمل. كنت أقف أمام أحد المحلات التي يمتلكها رجلٌ مسيحي وأحذر الناس من الشراء منه قائلاً: إنّ بضاعته منتهية الصلاحية لا تشتروا منه. إنهم مخادعون ويريدون أن يدمروا الإسلام، إنهم كما قال القرآن: «لا إيمان لهم»، حتى أنّ هذا الرجل المسن كان يقول لي: يا بني، ماذا فعلت لك؟ حرام عليك عندي أولاد أريد أن أربيهم. وتارة أخرى أحذر زملائي من السلام عليهم وأذكرهم بحديث الرسول: «لا تسلّموا على أهل الكتاب ولا تردوا عليهم السلام وضيِّقوا عليهم الطرقات»، وأقول بصوت عال : هؤلاء خبثاء يتظاهرون بالحب وهم أشد عداوة لله وللمؤمنين لا تنخدعوا بما ترونه عليهم من مسكنة إن ذلك إلا تصديق لقول الله: «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ» (سورة البقرة 2: 61).

وذات يوم حافل بمثل هذه التصرفات أحسست بهاتف داخلي يقول لي: كن صادقاً مع نفسك، هل بعملك هذا ستقدر أن تزيل كل ما علمته من كتبهم؟ أنت قلت إنّك سوف تتبع الله أينما كان، فلماذا كلما أضاء الله لك نوراً تطفئه بيدك؟ كن أميناً مع نفسك حتى تستريح. راجع نفسك، هل تريد الله أم ماذا تريد؟ الأمر ما زال في يدك ولا أحد يفرض عليك شيئاً. رجعت إلى المنزل مهموماً، حاولت أن أصلي لكنني لم أقدر، قرأت في الكتاب المقدس في إنجيل متى ووقعت عيناي على الصلاة التي علّمها المسيح للتلاميذ وحفظتها، وفجأة شعرت ببرود وهدوء غريب ينسكب عليّ أشبه بمن يسكب ماءً ليغسل من ذاكرتي شيئاً ما، وقلت لنفسي: يا رب! هل تقدر أن تجعل عليّ ما أرى المسيحيين عليه من هدوء وصبر وتحمُّل وبساطة ومحبة إن أنا صليت كما هو مكتوب في الإنجيل؟ وشعرت بسعادة بالغة وكأني سمعت الرد يقول لي: نعم. تهلل وجهي فرحاً وأخذت أنتظم في الصلاة الربانية، أقوم في الفجر في مواعيد الصلاة التقليدية التي تعودت عليها وأتوضأ وأبسط السجادة وأقف وأقول : «أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ ٱسْمُكَ. لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي ٱلسَّمَاءِ كَذٰلِكَ عَلَى ٱلأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا ٱلْيَوْمَ. وَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لٰكِنْ نَجِّنَا مِنَ ٱلشِّرِّيرِ» (متى 6: 9-13) وفي النهاية أقول: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله».

استمريت على ذلك كثيراً لكنني لم أجد تغييراً، إذ ما زلت عدوانياً مع أسرتي ومع المسيحيين مما جعلني أقرر أن أترك كل الأديان. فلا الإسلام نافع ولا المسيحية نافعة. ومن يدري؟ فلعلي بعد أن أقتنع بالمسيحية لفترة ما يحدث أن أقرأ في كتاب ما فأجد ديناً آخر أفضل وأبقى طوال حياتي متنقلاً بين الأديان. الأفضل في مثل حالتي هذه أن أعيش مثل ما يعيش الناس الذين لا يهتمون بأمور الدين. لماذا أشغل تفكيري بالدين؟ عندما أموت ليفعل الله بي ما يريد. لكنّ هذا لم يكن حلاً. وفجأة طرأت في بالي فكرة ظننت أنها سبب كل هذه المشاكل. إن السبب هو هذا الكتاب أي التوراة والإنجيل. فلأمزقه وأسترح، وهممت بذلك وإذا رعشة خفيفة تسري ببدني وهاتف يقول: اتركه فقد تحتاجه. ولماذا هذا بالذات، لقد سبّب لك القرآن أكثر من ذلك فلماذا لم تقطعه؟ كنت إذا ركبت سيارة أقول: يا رب تنقلب السيارة وينجو الجميع إلا أنا. يا ليت البيت ينهار فوقي أنا وحدي. يا رب إن كنت لا تريد لي الهداية فخذ نفسي لأن هذا أرحم مما أنا فيه. وفي خضم هذه الأفكار والصراعات والهموم - وكان ذلك في منتصف النهار في يوم من أيام شهر يونيو (حزيران) وأنا أستعيد ذكرياتي الطويلة مع الإسلام والجماعات والإرهاب وأخيراً مع الإنجيل والتوراة وما صار من الأمير تجاهي، وإذ باب غرفتي يُفتح، فاعتقدت أنها والدتي تحضر لي الطعام، فإذا برجل طويل عريض المنكبين طويل الشعر كثيف اللحية وبجواره عمود من نور أبيض وهاج. لم أقدر أن أتطلّع إليه أو أوجّه نظري نحوه وسمعت صوتاً يناديني قائلاً: قم اعتدل، المسيح يريدك. ولم أشعر بنفسي إلا خارج الغرفة أنادي على والدي ووالدتي وإخوتي ليروا المسيح (سيدنا عيسى)، لأنّه مكتوب في البخاري: «من رأى نبياً فقد رأى هدىً لأن الشياطين لا تتمثل بالأنبياء»، فعسى إن رأى أهلي المسيح أن يهتدوا. ثم عدت لغرفتي ولم أجد شيئاً فحزنت جداً وقلت: حتى هذه المرة لم ترد أن تنصفني يا رب! لماذا لم تنتظر لتبرهن لهم عن صدق حديثي، إنّهم الآن لن يقولوا أكثر من أنني جننت. وفعلاً نزل كل إخوتي وأهلي وتوجّهوا نحو غرفتي فلم يجدوا شيئاً وما توقعته حدث إذ قالت والدتي: يا رب، لماذا كل ذلك؟ لقد فرحنا بعودته وهدايتك له بالاستقرار وها أنت الآن تصيبه بالجنون. وأخذت تبكي وتضمّني إليها، ويقول أخي: لا تقلق، سوف أذهب بك لأفضل طبيب نفساني في مصر كلها، وأخواتي يرددن: كل هذا بسبب ما تكتبه طوال الليل. هذه نهاية ذلك الجنون. يا رب اشفه! وبعد أن انتهوا جميعاً من مراثيهم، توجّهت ناحيتهم قائلاً: ألست أنت فلان؟ قال: نعم. ألستِ أنت أمي، وأنت أختي وأنت أخي؟ إني أعرفكم جميعاً، ولو كنت مجنوناً لما عرفتكم. لماذا لا تصدقونني؟ لقد رأيته كنورٍ عظيم وتكلّم إليّ.

كان رأيهم أقوى من كلامي حتى أنني قلت: ما دام الأمر كذلك لماذا لا أكون كما قالوا؟ صحيحٌ إنّ هذا الكلام الذي أقوله كلام مجانين. فعلاً أنا مجنون وعليّ أن أستمع وأخضع لهم في كل ما يقولون. وبدأت أستسلم لكوني مجنوناً. فرقدت في سريري لا أكلم أحداً، ويتوافد عليّ إخوتي يعزونني وأنا لا أنطق بحرف. وفي الصباح اصطحبني أخي بالسيارة لأشهر طبيب نفساني في مصر، ودخلت للطبيب بعد أن نادى عليّ وجلست أمامه وسألني: ماذا بك؟ قلت: لا أدري، أخي جاء بي إلى هنا. فقال الطبيب: إنّ أخاك يقول إنك رأيت سيدنا عيسى؟ قلت: نعم رأيته. قال: هل تقدر أن تصفه لي؟ قلت: وهل رأيته أنت من قبل؟ قال: لا. قلت: وكيف ستعرف ما إذا كان الذي سأصفه لك هو أم لا؟ قال: إنّ حالتك صعبة، وطلب أخي وأخبره أنني مصاب بحالة اكتئاب حاد وبحاجة إلى معالجة بجلسات كهربائية بسرعة تبدأ بست جلسات وتتدرج إلى اثنتين، وطلب منه أن يحضرني للمستشفى مرتين في الأسبوع. فقال أخي: إننا نبعد عن القاهرة بحوالي ساعتين ونصف ومن الصعب أن نأتي، لكن من فضلك حدّد لنا كيفية إجرائها ونبحث عن طبيب يمكنه القيام بذلك بالقرب من مدينتنا. وافق الطبيب ووافقت أنا أيضاً قائلاً: إنني لا أخاف من جلسات الكهرباء فقد أخذتها كنوع من التعذيب بالمعتقل من قبل، وبالتأكيد ستكون أخف بقصد العلاج. ولماذا أرفض؟ فلو كنت مجنوناً فسأستريح مما يدور بفكري، وإن كان غير ذلك فإني أضيفها إلى سابقتها من ألوان العذاب التي تحملتها في بحثي عن الله عسى الله يرحمني.

انتهيت من الجلسات والعلاج الذي قرره الطبيب وتوقعت أن أنسى كل ما كنت أفكر فيه من قبل إن كان ذلك وليد جنون أو بسبب توتر نفسي. لكن بعد أن أنهيت العلاج وجدت نفسي مدفوعاً أكثر لقراءة الكتاب المقدس، ولم أكن أهدأ أو أقدر أن أنام إلا بعد قراءة شيء من الكتاب. أخذت على نفسي عهداً ألاّ أحدث أحداً بأي شيء فيما بعد، وقررت أن أعيش كمسيحي لأرى عمل الله. فإن كان هذا هو طريقه فبالتأكيد لا بد وأن أرى ثمار ذلك وأرى تأييده لي، وإلا عدت كما كنت، أواظب على الصلاة بطريقتي وهي خمس مرات كل يوم: الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء. لم أكن أقرأ شيئاً مما كنت أقرأه في صلاتي السابقة بل فقط «أبانا الذي». احترت كيف أصلي، كيف أزكي، ما هي الطقوس المطلوبة مني حتى آتي بها كاملة لأكون مستحقاً أن يعمل الله فيَّ. لا بدّ لي أن أذهب للكنيسة لأتعلم كيف أعبد الله. لم يلقَ هذا الرأي قبولاً لديَّ. إذ كيف أذهب للكنيسة بهيئتي هذه أو كيف أذهب للكنيسة مذلولاً خاضعاً وأنا الذي كنت كذا وكذا؟ لا... لا... نؤجل الذهاب إلى الكنيسة الآن، يمكنني أن أسأل بعض الأشخاص معي بالعمل. لكن من منهم يوافق على مقابلتي بعد كل ما صنعته بهم؟

وفعلاً جميعاً رفضوا الالتقاء بي لأنّهم خافوا إما أن أقتلهم أو أرغمهم على الإسلام، لكنّ واحداً منهم وافق وإنما بعد شهر. كان ذلك وقتاً طويلاً عليّ، ففكرت أن أقرأ المزيد عن الأفكار التي يفكر فيها المسيحيون. ماذا يقولون؟ وهل هناك كتب لهم كما للمسلمين؟

قررت أولا أن أحلق لحيتي حتى لا تلفت الانتباه إليّ، وأن أستعير قميصاً وسروالاً لأرتديهما بدلاً من الجلباب الذي كنت أرتديه طوال حياتي. ثم ذهبت للمكتبة التي اشترينا منها الكتاب المقدس من قبل، ولم يعجبني كتاب فيها فذهبت لمكتبة أخرى بشارع الترعة البولاقية وأخذت أتفرج على المعروض من الكتب في الخارج، وأردت دخول المكتبة لكن ترددت وشعرت أنني أرتعش. إذ كيف أدخل مكتبة المسيحيين وأنا كنت لا أطيق مجرد النظر إليها، وربما يطلبون مني بطاقتي ويستدعون الأمن فأذهب للمباحث وبالإطلاع على ملفي هناك أكون قد ألقيت بنفسي إلى التهلكة. وبعد تردد شديد دخلت المكتبة ولفت نظري بعض الكتب، لم أكن أعرف ماذا أريد أن أقرأ، لذلك اشتريت كل كتاب استهواني عنوانه، مثل: برهان يتطلب قراراً، وإيماني، وكفارة المسيح. كنت كلما أنهيت قراءة كتاب أحرقه. وعندما انتهيت من الكتب كلها ذهبت للمكتبة ثانية لأبحث عن كتب أخرى فلفت نظري كتاب اسمه: التوحيد والتثليث، وكتاب آخر عنوانه: علم اللاهوت الكتابي، وعندما قرأت الأسعار ووجدت أنّ ما معي من نقود لم تكن كافية. حاولت إرجاع الكتابين إلى مكانهما، فإذا برجل مسن يأتي إليّ ويقول: لماذا أرجعت الكتابين؟ أجبت: لا أريدهما. قال: لو أنك كنت لا تريدهما لما أخذتهما من مكانهما؟ قلت: وما دخلك أنت، هل تحقق معي؟ فوضع يده على كتفي وابتسم وهو يربت عليه قائلاً: يا بنيّ، خذ هذين الكتابين وأنا سأدفع ثمنهما وسأريك عنواني. إن أعجباك فيمكنك إرجاع ثمنهما إليّ وإن لا فيمكنك أن تمزقهما أو تتخلص منهما كما تحب ولن تخسر شيئاً. فقلت له: من أدراك أنني لا أملك ثمنهما؟ أجابني: الروح القدس. قلت في نفسي ما عسى أن يكون الروح القدس هذا؟ وأخذت أفكر كثيراً في ذلك. ذهبت معه إلى منزله وجلسنا بضع دقائق. كنت أخشى أن يطلب مني بطاقتي فيعرف شخصيتي فيعتقد أنني أريد شيئاً ما. لكنه لم يسألني حتى عن اسمي. كنت أقرأ هذين الكتابين وغيرهما من الكتب إما في البيت أو أستأجر غرفة في فندق وأجلس طوال الوقت أقرأ. لم أُرد أن أضيّع دقيقة حتى ولو في الأكل. أريد أن ألتهم كل كلمة تتكلم عن المسيح أو تؤدي بي ولو خطوة واحدة نحو المسار الجديد للحياة الجديدة التي بدأت تقتحم عزلتي. كثيراً ما كنت أجلس في مقهى في شارع الترعة البولاقية روَّاده من المسيحيين، وأقرأ ما اشتريته من كتب. أحببت تعليم المسيح وأحببت أن أكون على ما هو مكتوب بالإنجيل من صفات وخلق، لو عشتها بأمانة لأصبحت ملاكاً يسير على الأرض. كان كل تفكيري يدور حول سؤال يخطر ببالي دائماً وهو: هل من الممكن يا رب، لو أنني قبلتك وعملت حسب إنجيلك، أن تجعلني على صورة أفضل من تلك التي أنا عليها الآن؟ هل من الممكن أن تخلق فيّ قلباً محباً بدل ذاك القلب المملوء عداوة وكراهية؟ وأن يكون لي أصدقاء أحبهم ويحبونني حتى ولو لم يؤمنوا بما أنا عليه؟ وأحبّ أمي وأبي وإخوتي حتى ولو لم يقبلوا ما أنا عليه؟ هل من الممكن أن أحب بلدي وأشعر بالانتماء له كما أرى كل الناس؟ يا ليت هذا يحدث! هل تقدر أن تفعل بي ذلك يا رب؟

لقد كانت أولى الخطوات التي كنا نتبعها في تلمذة كل من ينتمي إلى الجماعة هي أن ننزع عنه أي انتماء سواء للبلد الذي هو منه أو أسرته بمن فيها ولا يكون له انتماء إلا لله ولا ولاء إلا للأمير، لذا لم أكن أصدق أنه يمكن أن أتغير، أو أحب. لقد تركت رؤيتي السابقة للنور والشخص الذي قال لي: قم المسيح يريدك انطباعاً محيراً. إنني أعلم أنّ رؤية أحد من الأنبياء هي دلالة على الهدى. لكن أي هدى ذلك في تلك المرحلة؟ هل هو هدى الإيمان المسيحي أم هو هدى الإسلام الذي كنت عليه من قبل؟ كانت تلك الأفكار تتزاحم في تفكيري حتى أنني لم أكن أشعر بنفسي وأنا أسير في الشارع. التفتُّ حولي وكأنّ أحداً يطاردني. كانت خطواتي تسبقني ولا أعرف إلى أين أذهب. حقاً كانت مرحلة غاية في الصعوبة. وأخيراً قررت أن أذهب لإحدى الكنائس إن كنت أريد أن أحيا كما يريد الله. كان لسان حالي يقول: لقد سمعت الصوت وعليك اتباعه، قد عشت في الإسلام زماناً هذا قدره، لكنك لم تعش يوماً بالإيمان المسيحي لتعرف أيهما أفضل وأقرب إلى الله. ذهبت فعلاً ليس إلى كنيسة واحدة بل إلى عدة كنائس، ولم يكن ذلك بالشيء السهل عليّ إذ كنت أصارع إبليس. وكلما قررت دخول كنيسة من الكنائس يقول لي: أهكذا تدنّت حالتك... تذهب للكنيسة! شتان الفارق بين ذهابك اليوم مذلولاً وذهابك من قبل لتعلّي كلمة الله! هل نسيت ما فعلته بالكنيسة من قبل؟ هل نسيت هتافك الذي كان يدوي في كل أرجاء الكنيسة يوم أحرقتها أنت وإخوانك؟ إن كنت نسيت أذكرك، كنت تقول: «جَاءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً» (سورة الإسراء 17: 81)، أين هو الحق الذي عرّضت نفسك من أجله للموت؟ ألم يعد أمامك إلا الكنيسة، وكر الكفر والشرك؟ هل ستشرك بالله بعد تلك الرحلة الطويلة من الوفاء والإخلاص لله؟ قم من نومك... استغفر الله وتب إليه واشهد ثانية بأنّ لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله. قم اغتسل وارفع عنك تلك الأفكار الشريرة واستعذ بالله من الشيطان الرجيم. وبعد فترة إذ بي أجد نفسي منقاداً بلا وعي للكنيسة وكنت أجد صعوبة في ذلك وأشعر أنّ هناك من يجذبني من الخلف ليمنع ذهابي للكنيسة، حتى أنني صرخت بصوت مسموع قائلاً: سأذهب للكنيسة، سأذهب للكنيسة مهما كلفني الأمر. كفى ما أنا فيه الآن. لم يعد لي صديق، ولم يعد لديّ أي إحساس بأنّ لي أهلاً مثل باقي الناس. لم أعرف الرحمة طوال حياتي، لقد قتلت وسرقت وها أنا اليوم بلا أهل ولا أصدقاء ولا أصحاب ولا أي شيء مما خلقه الله لنا. هل من الممكن أن يكون الله راضياً عني بهذه الصورة؟ أي إله ذاك الذي يأمر بالقتل والكراهية والعداوة والبغضاء لكل من لا يقبل ما نقول؟ ارحمني يا رب، أنا مسكين وضعيف أريد أن أعيش ولو لحظات كأيّ إنسان طبيعي. أريد أن أحب بلدي وأهلي وأصدقائي. لكن كيف وفي أي الاتجاهين أقدر أن أحقق هذا؟ إذن فلأذهب للكنيسة مهما كلفني الأمر حتى ولو حياتي.

اندفعت مسرعاً نحو الكنيسة، لكنّ موقف القس مني لم يكن كما كنت أتوقع بل كان صعباً، إذ رفض الاستماع إليّ وهذا مما زاد من هجمة إبليس عليّ. لكنني وإن كنت فشلت في أن أقنعه بالاستماع لي فلا أنكر أنني خرجت وبي شيء من الراحة النفسية، ساعدتني على تكرار المحاولة. للأسف لم تنجح أي محاولة للجلوس مع أي قس لأعرف منه ماذا أفعل لأكون مستحقاً لخلاص المسيح، إذ أنّ النص يقول: «مَنْ آمَنَ وَٱعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس 16: 16)، وما كان يشغلني هو كيف أؤمن؟ ما هو المطلوب مني؟ كيف أصلي وأصوم وأحج وأزكي؟؟ وفي آخر مرة خرجت من الكنيسة كنت مهموماً جداً أجرّ أذيال الخزي والعار ويهمس إبليس في أذني: لقد رفضوك، إنك تستحق ذلك وسوف يريك الله ما هو أشد من ذلك. لكن ذلك لم يستمر طويلاً إذ سمعت وكأن أحداً يكلمني بصوت خافت قائلاً: اسمع... أنت لا تعبد الناس فلا تيأس من سلوكهم نحوك لأنك تعبد الله، والله لن يخذلك ولن يضيعك أبداً. فقط اصبر وتمسك به إن كنت حقاً تبحث عنه. لن تطول أيام تعبك هذه فالله لا يردّ من يطلبه. ألم تقرأ قوله: «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (متى 11: 28)، قلت: قرأته يا رب، إن لم يكن الآن فقد كانت عيناي تطالعان هذا النص الذي كان مكتوباً على جدار إحدى الكنائس وكنت أراه كل يوم طوال فترة دراستي بالكلية وأنا أركب الأوتوبيس (الحافلة) من المدينة الجامعية حتى الكلية، لدرجة أنني حفظت المكان فكنت كلما اقتربت من المكان هذا أضع يديّ على عينيّ حتى لا أراه. فعاد الصوت هامساً: سلّم حياتك لله وهو يتصرّف. قلت: نعم يا رب، أنا أسلّم حياتي لك لكن ارحمني مما أنا فيه. علمني طريقك فأنا تائه حيران، هذا ما يحدث لي مراراً يا رب. كنت كلما مررت بتجربة مثل هذه أعود وأقرأ في الكتاب فأشعر براحة نفسية غريبة. بعد ذلك فكرت في الاتصال بأحد المسيحيين الذين كانوا يعملون معي ولم يكن هذا بالأمر الهيِّن. ولكن إن أراد الله شيئاً فلا يستطيع أحدٌ أن يمنعه. فذات مرة كنت مع أحد المهندسين في زيارة لصديق له وفي طريق عودتنا طلب مني على سبيل السخرية والاستهزاء أن نزور صديقاً مسيحياً له لأنّه كان يعلم مدى كراهيتي للمسيحيين واعتقد أنه بهذا يريد السخرية بي، ولم يكن يتوقع أن أقبل القيام بهذه الزيارة، ولكن بمجرد أن طلب مني ذلك وافقت على الفور. وكان كل دقيقة يقول لي: إنه مسيحي، هل تعلم؟ أقول: نعم، وأنا موافق على زيارته. فطلب مني ألا أتصرف مع المسيحي بطريقة تسيء إليه فقلت له: لا تخف، سأكون عند حسن ظنك. وذهبنا لصديقه المسيحي الذي كان يعلم عني كل شيء بل طالما كنت أعترض طريقه وأثير المسلمين ضده ونتهجم عليه بالشتائم طالبين منه أن يُسلم. وبمجرد أن رآني أمام شقته ارتعد وأغلق الباب. فعاود زميلي الطرق عليه ثانية ففتح الباب وقال لزميلي: لماذا جئت بهذا إلى هنا؟ ألم يكفك ما يفعله معنا بالمكتب، حرام عليك، إني رجل لا أسيء لأحد. وبعد مناقشات سمح لنا بالدخول وقد لفت نظري الكتاب المقدس على طاولة تتوسّط غرفته، فأخذته وتصفحته قائلاً: هل هذا هو كتابكم المقدس؟ فأجاب بتلعثم وارتباك: نعم. هذا والقرآن كذلك من عند الله وأسرع للمكتبة وأخرج لي مصحفاً: انظر! هذا مصحف كريم كالإنجيل، المسيح ومحمد كذلك، كان يبدو عليه الخوف والفزع مني. وكلما أردت أن أقترب منه ابتعد هو عني وكنا ندور كل منا حول الآخر. وأخيراً اقتربت منه إذ لم يجد مكاناً ينزوي فيه فقلت له: لماذا تبدو هكذا؟ أريد أن أتكلم معك. هذا، بينما دخل صديقه الذي كان يرافقني إحدى غرف الشقة ليستريح فقد كانت تربطهما معاً علاقة قوية. انتهزت هذه الفرصة لأتحدث معه عسى أن يساعدني على بلوغ ما أريد، لكنه لم يتجاوب معي، فطلبت منه أن أزوره مرة ثانية وحدي، فأجاب لا مانع لديه لكنه سيطلب من بعض أصدقائه الحضور. قلت: لا مانع، لكن اكتب لي العنوان، وبعد أن فعل ذلك زرته في اليوم المحدد وإذا به قد جمع ستّةً من الأصدقاء خوفاً مني. تكلمت قليلاً معه ولا أنكر أنني كنت أتكلم كقائد عسكري مهزوم يفاوض المنتصرين. كنت مطأطىء الرأس أنظر إلى أسفل قدميَّ من الخجل، وأنا فلان الذي كان وكان، ها هو يستجدي من المسيحي كلمات تقوده نحو ما كان يحاربه من قبل. لكنَّ سلام الله والرغبة في الخلاص دفعاني للتنازل عن كل شيء، في سبيل الظفر بدخول ملكوت الله الذي طالما بحثت عنه قديماً وقدمت من أجله كل ما استطعت. فلماذا لا أقدم الآن بعد أن اكتشفت أنني كنت ألهث نحو سراب لا وجود له إلا على صفحات الكتب؟ لكنّ الرغبة التي نمت في داخلي دفعتني لعمل أي شيء للوصول لطريق الرب. كان صديقي هذا قليل المعرفة بالكتاب المقدس لذلك لم يقدّم لي جديداً، وكانت لديه مشاكل عائلية حتى أنني قد سمعت من بعض الناس أنّه يفكر في اعتناق الإسلام ليتزوج مرة أخرى، وهذا مما أزعجني وشعرت بأنّه لن يستطيع أن يقدّم لي ما أحتاجه. لكن بعد أن تقربت إليه وتكررت زيارتي له، توطدت علاقتي به كثيراً وكان يُهيِّئ لي مكاناً أقرأ فيه بحريتي ولم يحاول أن يفرض فكراً ما عليَّ إذ كان لي اتِّجاه واحد مُحدَّد وهو الرب يسوع، بعيداً عن الفرق والطوائف التي عانيت منها في الإسلام من قبل. لكنّ الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، إذ لم تدم تلك العلاقة كثيراً، وعلمت أنّ هناك شخصاً آخر أكثر منه فقهاً في الكتاب المقدس لكن علاقتي به كانت غاية في السوء، فكان كلما طلب مني شيئاً في العمل أعطيه بيانات خاطئة محرضاً الناس عليه بل مانحاً إياهم هدايا كلما أهانوه وأضروه. استبعدت أن يوافق على مقابلتي، لكنه وافق وطلب مهلة شهر ليفكر في الأمر وأن أعاود الاتصال به قبل أسبوع من مرور الشهر. أحسست أنّ الدائرة بدأت تضيق حولي، فلا كنيسة تريد أن تسمعني ولا الأفراد يريدون مقابلتي. كانت صورتي عند كل المسيحيين لا تبعث على الارتياح، بل لا أكون مبالغاً إن قلت إنّ من كان يريد تهديد أي مسيحي يقول له: سأقول لفلان...، كنت أشبه بالوحش الذي يخيفون به الأطفال. وبعد انقضاء ثلاثة أسابيع من الشهر اتصلت بالرجل ذاك لأعرف هل ما زال على وعده أم لا؟ لم أكن أملك هاتفاً وكنت كلما خرجت خارج منزلي أخذت الأوراق التي كتبتها معي خوفاً من أن يطلع أحد عليها ويعلم ما فيها ويحدث ما لا تحمد عقباه. كان لديَّ كما قلت أبحاث عن لاهوت المسيح، وهل القرآن كلام الله؟ النبوة ومحمد، هل هو نبي أم ماذا؟ كنت أحمل كل هذه الأوراق مع الكتاب المقدس في حقيبة بلاستيك، وعندما ذهبت لأتكلم في الهاتف من أمام محطة القطار السريع في مدينتي فوجئت بالحقيبة وقد سرقت بكل ما فيها: الكتاب المقدس، الأبحاث، الحافظة، البطاقة الشخصية. لم يتغيّر لون وجهي ولم تظهر عليّ علامات الغضب، إذ كنت أملك برودة أعصاب اكتسبتها من كثرة احتكاكي بالمباحث ورجال الأمن، لكنَّ الأمر الأول الذي سيطر على تفكيري وشغلني كان: ربما يقرأ السارق ما هو مكتوب ويرسله للأمن فيكون من السهل عليهم الوصول إلى كاتبه من خلال البطاقة، وبذا أكون مستحقاً لأقسى العقوبة لأنّ ما في الأوراق هو تهجّم على القرآن وعقوبته الوحيدة الإعدام. لكنّ هذه النقطة لم تشغلني كثيراً فأنا على يقين أنّه عندما تحين ساعتي لن أتأخر ولن أستقدم عنها فنحن ولا محالة ميتون. إنّما الأمر الثاني الذي شغلني وقلب كياني هو وسواس قوي اجتاح تفكيري وسيطر على كل كياني وهو : إنّ الله يحبني كثيراً وها هو يقدم لي الدليل الواضح القوي على أنّ اتجاهي نحو المسيحية باطل وما هو إلا طريق الشيطان. والدليل أنّ الله قد أزاح من أمامك كل تهجم على كتابه ورسوله الكريم وأذهب عنك السموم من خلال فقدان الكتاب المقدس، لا يوجد دليل أقوى من هذا لتعرف أنّك كنت تسير في الضلال، قم الآن ولا تتأخر عن التوبة لله فإن الله «غَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً» (سورة طه 20: 82). قم الآن اغتسل مما لحق بك من دنس نتيجة تفكيرك الشيطاني وسلوكك نحو «الشرك والفسوق». لم يكن أمامي سوى الإذعان لأفكار إبليس الشيطانية خاصة وأنّ صديقي الذي تعرفت عليه من قبل وكان يسمح لي بزيارته والجلوس عنده فترات طويلة للقراءة، عندما علم بأنني فقدت الأوراق هذه ارتعب وملأه الخوف، وطلب مني ألاّ أتصل به أو أزوره حتى نرى نتيجة ما قد يحدث بسبب فقدان هذه الأوراق.

كان ذلك بمثابة الخيط الأخير الذي كنت أتعلق به وها هو يُقطع مثل البقية، فشعرت أنّ الله لا يريد لي هذا الطريق وأنني لن أقدر على الصبر في تلك المعركة إذ أنني بكل صدق ورغم ما توصلت إليه وما علمته وما لمسته من حلاوة وعذوبة في كلمات الكتاب واجتهادي ومواظبتي على الصلاة «أبانا الذي» باستمرار دون انقطاع لم يحدث في سلوكياتي أو شخصيتي الذاتية أي تغيّر، إذ كنت ما زلت أكنُّ الحقد والحسد على المسيحيين، ولم أقدر على مسامحة أحدٍ ولم أستطع أن أقول لوالدتي حتى مجرد «صباح الخير». كنت أخرج من البيت وعلامات الغضب تملأ وجهي وأتعمد إظهارها أمام والدتي وإخوتي حتى يعلموا أنهم كفار وأنني لا أحبهم. كانت روح التمرُّد والعدوانية لا زالت تملأ كياني حتى أنني شككت في مصداقية ما قرأته في الإنجيل. كل هذه وما حدث من فقدان الأوراق اجتمعت معاً عليّ في هجمة شرسة ربما لتعطيل عمل الله فيّ ، أو لكسر الإرادة التي تولدت لديّ نحو محبتي التي بدأت تنمو نحو الإنجيل، ومرة أخرى أجهشت بالبكاء الشديد معاتباً الله عما يحدث لي وهل هذا عدل منه أنّه كلما قررت أن أخطو نحوه وتسير الأمور على ما يرام يحدث ما يعرقل ذلك. بكيت كثيراً وتألمت كثيراً، ولم أجد أمامي سوى أن أقوم ودموع عيني كالأنهار تجري على وجهي حتى لفتت أنظار والدتي، فأخذت تربت على كتفي وتبكي لبكائي وتسألني: ماذا بك يا ولدي؟ فأقول: لا شيء، اتركوني وحدي، لا أريد أن أتكلم مع أحد. لقد تكلمت معكم مرة فاتهمتموني بالجنون، ربنا يسامحكم!

أسرعت إلى غرفتي، وقمت واغتسلت لأزيل ما لحق ببدني من نجاسة نتيجة التفكير في المسيحية وما اقترفته يداي وأخذت أفكر، هل سيغفر الله لي ما قلته على نبيِّه وما كتبته عن قرآ نه؟ وإذ بي أشعر وكأنّ شخصاً يجيب عني قائلاً: أنت لم تتهجم على أحد ولم تتكلم بالباطل، فكل ما وصلت إليه ليس من عندك أنت بل هو نفسه تكلم، ووقفت باسطاً سجادتي ناطقاً بالشهادتين حتى أعود إلى الإسلام ثانية وانتصبت لأصلي فلم أقدر أن أنطق بحرف واحد من القرآن ولم أستطع الإنحناء لأركع، فجلست واضعاً رأسي بين كفي يدي فترة، ثم قمت ولم أنطق سوى كلمات معدودة: يا رب، إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا يضيرني شيء، وإن كنت تقتص مني لذنب فعلته فأسألك الرحمة في قصاصك، وإن كنت تقف في طريق هدايتي فليس ذلك من طبعك، يا رب لم يعد لديّ قوّة لأقاوم ما أنا فيه وإن لم تُظهر لي ذاتك فسأضل. إنني أحبك. سلكت كما أمرت في السابق وفعلت ما لا يستطع أحد أن يفعله اعتقاداً أنّ هذا يرضيك، وعندما أريتني نورك وسمعت النداء أنك تريدني لم أتباطأ، فإلى متى تتركني أتخبط في الظلمات؟ إن كان ما يحدث لي اختبار أعددته لي لتقودني إلى حظيرتك أيها الراعي الصالح فزد من ذلك لأنني بذلك أكون على موعد للقائك.

في تلك الليلة نمت نوماً عميقاً لم أنم مثله ليس من أيام بل من سنوات، وقرب الفجر تقريباً رأيت رؤيا في منامي وإذا برجل عريض المنكبين، كثيف اللحية، فارع الطول، محمر الجبين، سبط الشعر، ملامحه أجمل ما يكون، وإذا به يمتلكني من منكبي ويهزني بلطف قائلاً: «أما زلت تشك فيّ؟» قلت: «من أنت لكي أشك فيك؟ إني لا أعرفك». أجاب: «أنا من تبحث عنه». قلت: «لا أدري، ذكّرني». قال: «اقرأ في الكتاب. لماذا لم تقرأ في الكتاب؟» قلت: «ألم تعلم أنني فقدت الكتاب وكل أوراقي فكيف أقرأ؟» قال: «إنّ الكتاب لا يضيع، قم وافتح دولابك (خزانتك) فستجده هناك وباقي أوراقك سوف تعود إليك خلال أسبوع». انتفضت كمن أيقظه أحد بسوط وأسرعت بدون تفكير نحو الدرج الصغير الذي كان بأحد أركان غرفتي وفتحته وأنا أرتجف فإذا الكتاب الذي فُقد بعينه داخل الدرج. فوقفت لحظات أرتعش وتصطك ركبتاي كمن كان في يوم قارس البرد، ثم احتضنته كطفل كان غائباً عن أمه زماناً ثم عاد، وأسرعت لا أدري كيف نحو والدتي لأوقظها وأقبلها بكل فرح وأعلن لها أنّ ما حدث لي اليوم لن أسمح لكم أن تقولوا عني أني جننت، وأخذت أرتمي في أحضانها باكياً مردداً: «سامحيني يا أماه على كل ما بدر مني تجاهك. كنت أحسب ذلك من الإيمان أما الآن فقد علمت ما هو الإيمان. من فضلك دعيني أقبل قدميك. لن أقبل أقل من ذلك». قالت: «ماذا حدث لك يا بني؟ أخبرني». قلت: «سأقول لك، لكن أسألك بكل ما هو عزيز لديك ألاّ تقولي جننت، قد هداني الله يا أماه». قالت: «ومن قبل، أين كنت؟» قلت: «إنّ الله الذي هداني ليس هو ما كنت أسير في فلكه من قبل». قالت: «هل هناك إله آخر؟» قلت: «نعم، هناك إله آخر يقول لي أن أحبك وأخضع لك». قالت: «من هو هذا الإله؟» قلت: «هو المسيح عيسى كما يقول القرآن»، قالت: «أرجوك يا بني لا تقل ذلك أمام أخوتك كي لا يتهموك بالجنون»، قلت: «حاضر، سأفعل، لكن هل تصدقينني أنت؟» قالت: «لماذا لا أصدقك وقد رأيت الدليل أمامي. إنك منذ عشرين عاماً لم تفعل معي ما فعلته اليوم. اذهب والله لن يتركك، لكن تكتّم الأمر عن إخوتك». قلت: «لو تعلمين ما بداخلي يا أماه لعذرتني في كل شيء. أريد أن أقف في وسط الطريق وأعلن أنّ المسيح هو الله وأنّه غيَّرني، وفعل بي ما عجز إله محمد أن يفعله». فوضعت يدها على فمي لتمنعني من الكلام. لم أنم بعد ذلك إذ كنت أتوق لضوء النهار لأخرج للناس وكأنني قد خرجت إلى الحياة للتو، وذهبت في الصباح الباكر أنظر حولي وإذ بي أرى كل شيء جميلاً وأنّ كل الناس طيبون. أخذت أسلم على كل من يقابلني سواء عرفته أم لا، وذهبت نحو البقال المسيحي الذي كنت أسيء إليه فاعتقد أنني قادم إليه لأفعل ما كنت أفعله معه من قبل. أسرع نحو الدكان ليغلقه، فناديت عليه: «أرجوك انتظر. لا تخف». فوقف متسمّراً في مكانه ولم يتفوَّه بكلمة وإذ بي أجد نفسي أقبّله وأطلب منه أن يسامحني، فلم يكن منه إلا أن بكى وسمعته يقول كلمات لم أدرِ معناها إلا بعد ذلك قال: «هللويا! مجداً لله!» فقلت: «ماذا تقول؟» قال: «ستعرف ما قلت في حينه». وانصرفت وكنت أرى الناس بصورة غريبة حتى أنني شككت أن يكون قد حدث لعقلي شيء. كانت نظرات الناس تلاحقني أينما كنت. لقد دهشوا مما حدث لي، حتى زملائي في العمل كانوا ينظرون إليَّ بتعجب ويضربون كفاً على كف وكأنهم يقولون : ماذا حدث لهذا الإنسان؟ بالأمس كان يبصق علينا وها هو الآن كالحمل الوديع، ماذا يدور في خاطره؟ هل هي مكيدة جديدة يخطط لها؟ كنت أرقب في أعينهم الحيرة تجاه سلوكي الذي تغير جذرياً لكن لم يكن يشغلني ما يقولون أكثر من انشغالي بالإحسان لكل من أسأت إليه، وكذلك الفرحة العارمة التي ملأت قلبي والوداعة اللامتناهية، والهدوء. أحياناً كنت أعتقد أنني في حلم جميل لا أريد أن أفيق منه، لكنها هي قوة الله، كنت على عجلةٍ من أمري لأرى تحقيق الاختبارات التي تثبت أنني حقاً قد تغيرت إلى الأبد وليس مؤقتاً، وأتفكر في ما قاله لي الرجل الذي رأيته في المنام من أنني سأعثر على الأوراق خلال أسبوع. ومرت الأيام وبدأ الشك يتسلل إلى نفسي وكنت أخشى من أن تفسد فرحتي إن لم أعثر على الأوراق، وفي اليوم السابق لتمام الأسبوع كنت قريباً من محطة القطار وأردت أن أتصل بالهاتف، ولم يكن أمامي سوى نفس الهاتف الذي فقدت عنده الأوراق والكتاب المقدس من قبل. ترددت كثيراً وكنت أتقدم نحوه وأرجع ثانية إلى الخلف حتى لاحظ صاحب الهاتف ذلك، فقال: «ماذا تريد؟ أراك متردداً هل حدث شيء؟» قلت: «لا، لكن هاتفك هذا أتشاءم منه، فقد اتصلت منذ أسبوع وفقدت حقيبتي، وأنا اليوم أريد الاتصال لكن لا أدري ماذا سأفقد». قال: «هل الحقيبة تلك لك؟» قلت: «نعم، هل لديك معلومات عنها؟» قال: «هات علامة وأنا أخبرك أين هي». فقلت: «إنها حقيبة بلاستيك بها مجموعة أوراق وكتاب مثل المصحف وبطاقتي وجواز سفري وليس بها أي نقود إطلاقاً». قال: «نعم هي كذلك، غداً تعال وأنا آخذك عند من وجدها». وفي اليوم التالي تمام الأسبوع ذهبنا إلى قرية في ضواحي القاهرة ناحية الجنوب، وقابلنا الرجل الذي عنده الحقيبة فأعطانا إياها. فتحتها ولم أجد الكتاب، فقلت للرجل إنّ الحقيبة ناقصة الكتاب الذي يشبه المصحف. قال: «والله ما أخذت منها شيئاً ولم أفتحها إلا يوم أخذتها، وكان بها أوراق وجواز سفر وبطاقة والكتاب المقدس، ولم أفتحها ثانية حتى اليوم». فرحت جداً بما قاله الرجل وأخبرته أني صدقته، لأن ذلك معناه أنّ الله قد أعاد لي الكتاب بعد أن فقدته. كان سبب سعادتي أنني طوال أيام حياتي كمسلمٍ لم أعهد أن أطلب من الله أو أن أرى مثل ما حدث هذا. حقاً لقد كان يمثل بالنسبة لي معجزة فوق كل المعجزات، حتى أنني عدت لأحقر نفسي أمام عمل الله هذا معي، فقلت: «من أنا يا رب حتى تفعل معي هكذا؟» وحالاً جاءني الجواب: «أنا فعلت وسأفعل أعظم من هذا للذين يحبون الله».

كنت أحدث نفسي قائلاً: لو سمح الله أن يدخلني في اختبار لكي أتأكد من أنني فعلاً قد تغيرت سأكون سعيداً، وسرعان ما استجاب الله لرغبتي، وكان أول اختبار لي في علاقتي الجديدة بالمسيح: كنا في عملنا نحصل على مكافآت دورية، نتعاقب عليها، لكني كنت أجبر زملائي على أن آخذ منهم من هذه المكافآت شهرياً لأنّ هذا مال كفار لا يجب العدل فيه. وذات يوم حان موعد الصرف، وكان هناك زميل يمر بظروف قاسية في منزله وجاء للمدير المسؤول يطلب منه أن يمنحه المكافأة هذا الشهر ليخرج من ضائقته هذه، فقال له المدير: «إنّ الكشوفات قد وضعت وبقية زملائك هذا دورهم وظروفهم مثل ظرفك، أما بخصوص فلان ... فلا نقدر أن نمنع عنه المكافأة فأنت تعرف أنّه إنسان شرير ونحن نتقي شره». في تلك اللحظة دخلت مكتب المدير ووجدته يتهامس مع زميلي فقلت على الفور: «ماذا تقولون؟»، بنغمة هادئة، «أتتحدثون عن المكافأة؟» قال المدير بسرعة وارتباك: «نعم، لكن لا تخف فاسمك مدوّن في رأس الكشف». فقلت: «إذن فماذا يريد فلان؟» قال: «هو يريد أن نضع اسمه في الكشف هذا الشهر، لكنني اعتذرت له». قلت: «ولماذا اعتذرت له؟ يمكنك أن تضعه بدلاً مني». اعتقد المدير أنني أسخر منه، فقال: «قلت لك إنّ اسمك في رأس الكشف ولن يقدر أحد أن يمنعك من المكافأة». قلت: «لكنني أريد أن أتنازل عنها هذا الشهر لزميلي»، فقال: «غير ممكن، أنت؟؟» قلت: «نعم أنا». قال: «كيف؟» قلت: «هكذا مثل ما سمعت. أرجوك احذف اسمي وضع اسمه مكاني، ومن الأفضل أن تتنازلوا جميعاً له هذا الشهر». وسمعته يقول: «سبحان مغيّر الأحوال، ماذا جرى؟ القيامة سوف تقوم، فلانٌ يتنازل عن المكافأة، غير ممكن»، قلت: «لكن الله قادر على كل شيء يُخرج من الآكل أُكلاً ومن الجافي حلاوة» (قضاة 14: 14)، قلت هذا وعيناي مغرورقتان بالدموع من هذا الموقف الذي لم يحدث مثله معي في حياتي، لقد اعتدت أن آخذ ما لي وما ليس لي، أما الآن فقد علمني المسيح أن أعطي. كانت فرحتي لا توصف وأنا أشعر بحلاوة وطعم العطاء.

بدأ أهلي وإخوتي يلمسون هذا التغيّر، فقد كانوا بمجرد أن يروني يطفئون التلفاز ويهرب كل واحد منهم إلى مكانه خاصة أخواتي البنات، لكن بعد هذا اليوم دخلت عليهم ولم يشعروا بي فأسرعوا نحو التلفاز ليطفئوه وكلٌ منهم يتهم الآخر بأنّه هو الذي كان يشاهد ما يبثّه. فقلت لهم: «ليس المهم من الذي أداره، المهم لماذا أراكم مرتبكين؟» وفتحت لهم التلفاز قائلاً لهم: «شاهدوا ما تريدون، أما البرامج التي تخدش الحياء أرجوكم عدم مشاهدتها». قالوا: «غير معقول! أنت تسمح لنا بمشاهدة التلفاز؟» قلت: «وماذا يمنع؟ لو تعلمون ما في داخلي نحوكم لما صدقتم أنني أحبكم كثيراً وأريد منكم أن تسامحوني على كل إساءة بدرت مني نحوكم». وإذا بي أراهم جميعاً يبكون، وكنت كلما خرجت من المنزل وعدت ثانية أقبّل والدتي وأحضر لها هدية، فما كان منها إلا أن تبكي من التأثر وأشكر الله كثيراً أنها كانت سعيدة بي قبل وفاتها وأشعر أنني قد كفرت عن القليل من إساءتي لها، وعوضتها قليلاً عما بدر مني في السابق. كنت فرحاً جداً بهذا الإله الذي أعاد البسمة على شفاه جميع من بالمنزل مؤمنين وغير مؤمنين.

كان الإخوة من المسيحيين الذين ذكرتهم، يتابعون أخباري باستمرار لكنَّ خوفاً شديداً ساورهم من أن يكتشف الناس في القرية أمري فيلقون بالتبعة عليهم. فطلبوا مني أن أترك مصر وأغادر للخارج، لكنني رفضت ذلك بقوة لأنّ ما فعلته بالمسيح والمسيحيين كان يلاحقني باستمرار، لذا أخبرتهم أنني قد صليت من أول يوم تغيرت فيه حياتي أن يساعدني الله لأن أعمل للمسيح بقدر ما أسأت له، وأنا أسأت له بمصر فلن أغادر مصر. ووعدتهم بأنه إذا تمّ القبض عليَّ فلن أذكر أسماءهم في أي حال من الأحوال. وذات يوم طلبوا مني أن أذهب معهم لكنيسة لم أذهب إليها من قبل، فوافقت وتقابلت مع أحد الآباء هناك وقصصت على الآباء ما حدث معي، فرأيت الفرحة والبهجة ترتسم على وجوههم من عمل الله. طلبت منهم المعمودية فتجاوبوا معي وكان ذلك في يوم 9-5-1993، وما زلت أحفظ هذا اليوم لأنّه إن كان لي أن أحسب عمري الحقيقي فهو بالتأكيد يرتبط بهذا التاريخ الذي فيه ولدت من جديد.

ثمار الإيمان

إن كنت قد تكلّمت باستفاضة عن حياتي قبل الإيمان فمن الضروري والمهم أن أتكلم كذلك عن عمل الله في حياتي بعد الإيمان. لم يكن لدى كل المقربين لديّ أدنى شك في أنّه يستحيل أن أتغيّر بهذه الدرجة، ولا أحدٌ منهم كان ليصدّق ما رآه بعينيه فيّ بعد الإيمان. كنت قد طلبت ذات مرة من الله أن يختبرني لأعرف فعلاً هل تغيّرت أم لا، فها هو الله يسمح بإدخالي في التجارب المتنوعة ليس ليعطيني ثقة في ما حدث لي، بل بكل ثقة أقول إنّه قد سمح بذلك ليدرّبني على المهمة الشاقة التي قد وضعها على عاتقي، فأنا لم أختر الطريق الجديد هذا، ولم أختر حياتي مع المسيح، بل على النقيض كنت أحاول تكذيب ما رأيته، فالمسيح هو الذي اختارني، ولم يخترني اعتباطاً بل بالتأكيد لخدمة أعدّها لي وأعدّني لها. وهنا سوف أذكر بعضاً مما قابلني من مضايقات وعمل الله فيها.

كنت أعمل في مكتب يضم بالإضافة إليّ ثلاثة زملاء آخرين لا نجتمع سوياً إلا نادراً إذ كنا نجلس فيه بالتناوب، وكل منا يملك خزانة لوضع متعلقاته الشخصية بها. وذات يوم فوجئت باختفاء بعض الأشياء من خزانتي، ولم أشك في أحد وفي اليوم الثاني تكرر نفس الشيء، وأيضاً لم أشك في أحد وكنت ألقي بالمسؤولية على زوجتي ومرة ثالثة تكرر نفس الموقف فاكتشفت أنّ قفل الخزانة مكسور وقد اختفى مرتّبي الذي نسيته هناك. فعلمت يقيناً أنّ الأشياء اختفت هنا وعن طريق أحد زملائي. وفجأة سيطرت عليّ روح شيطانية رهيبة وأخذت أسب وألعن بأسلوب الإنسان العتيق الذي كان فيّ قبل الإيمان، وكنت أردّد قائلاً: «إن كنت قد قبلت المسيح ورأيتم أنّي وديع وطيب فلا يعني هذا أن تضحكوا عليّ وتجعلوني أُلعوبة». وأقسمت أن أفعل بهم أشدّ مما فعلوا بي، وقررت بيني وبين نفسي أن أحطم كل الخزائن الموجودة بالمكتب وآخذ ما بها وأحرقها وأترك كل درجٍ مفتوحاً كما فعل إبراهيم بالأصنام لكي يعلموا مدى ما يشعر به الإنسان عندما تُسرق متعلقاته. فذهبت وأحضرت مطرقة وجئت لأنفذ ما قررته. أغلقت المكتب بعد أن تأكدت أنّ أحداً لم يرني، ورفعت يدي والغضب والغيظ يسيطران عليّ، وقبل أن أهوي بيدي على أول قفل إذ بشيء يمسك يدي وبصوت خافت يقول لي: «لا تقاوم الشر، وكن صانع سلام». فالتفتّ يميناً ويساراً لأجد الصوت فلم أجد شيئاً. فقلت في نفسي: «يا رب! هل يرضيك ما يحدث لي؟ لكن لتكن مشيئتك، انزع مني الغيظ واخمد النار التي في قلبي، إني أكاد أفقد صوابي. من فضلك يا رب هدّئني». وفجأة شعرت بسلام غريب وكأنّ شيئاً لم يحدث، وأسمع من يطلب مني أن أكتب على ورقة من أوراق التقارير اليومية ما يلي: «أخي الذي يفتح الخزانة، إني في غاية الأسف لعدم تمكني من تلبية ما تحتاجه، لكن من فضلك، اكتب ما تحتاجه وأنا بمشيئة الله سأحاول تلبيته لك، وللدلالة على صدقي لن أستبدل القفل المكسور، واعلم أنّ محبة الله لنا نحن البشر فائقة، وأخيراً لك مني سلام الله الذي يفوق كل عقل والرب يحفظ حياتك إلى الأبد. أخوك فلان».

وبعد أن انتهيت من الكتابة وضعت الورقة في الخزانة وتركتها على وضعها المعتاد وصليت شاكراً الله لمنعي من مقاومة الشر بالشر، وعدت لمنزلي وأنا في غاية الفرح لأنني قد انتصرت على إبليس. وبمجرد أن فتحت لي زوجتي الباب حتى أخذت أعانقها وأحكي لها ما حصل، فقالت: لا تخف، «إنْ كَانَ ٱللّٰهُ مَعَنَا فَمَنْ عَلَيْنَا!» (رومية 8: 31) ومن جهة الفلوس التي فُقدت فالكتاب يقول: «كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ وَلَمْ أَرَ صِدِّيقاً تُخُلِّيَ عَنْهُ وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزاً» (مزمور 37: 25)، إنّ الله قادر أن يسد حاجتنا لأنّه هو المتكفل بنا. وبعد يومين كانت المفاجئة إذ وجدت أحد زملائي قد حضر في وقت دوامي على غير العادة، فسألته: «لماذا أتيت الآن؟» قال: «أريد أن أتكلّم معك». قلت: «فيمَ تريد أن تتكلم معي؟» قال: «من الأفضل أن نصعد إلى مكتبنا لنكون وحدنا». فصعدنا وجلسنا كل في مواجهة الآخر، ورأيته ينظر بوجهه إلى الأرض وقال: «لا أدري ماذا أقول لك، ولا أدري كيف أتصرف». قلت: «ماذا حدث أخبرني؟» فإذ به يفتح حقيبة صغيرة ويُخرج منها كل الأشياء التي أخذها من خزانتي وأنا لا أصدق ما يحدث. ليس لرجوع الأشياء، لكن لأنني لم أكن أتوقع أن يكون هو الذي فعل ذلك. فقد كان شاباً مصلياً ومتديناً، فقال: «هذه الأشياء التي أخذتها من خزانتك، لكن أرجوك لا تخبر أحداً، أما الفلوس فلن أستطع أن أردّها لك لأنّ أولادي كانوا مرضى وبحاجة إلى طبيب، يمكنني أن أردّها لك أقساطاً شهرية». قلت له: «خذ كل هذه الأشياء يا أخي، إنّها الآن ملكك. إنني لم أكذب في ما كتبته لك على الورقة، صدقني! كان الله يعوضني عن كل شيء تأخذه حتى النقود، وأنا واثق أنّ الله سيدبر كل شيء، ولو لم أكن صادقاً لقمت بتغيير القفل بقفل سليم». فقال: «لكن أريد أن أسألك سؤالاً وتجيبني بصراحة. إنك تتكلم كما يتكلم المسيحيون، الرب... الرب... تلك نفس الكلمات التي أسمعها من «جرجس النجار» الذي يسكن بجواري. قلت: «الحقيقة يا أخي عندما حدث ما حدث لي كنت أمام اختيارين، الأول: أن أردّ العدوان بنفس العدوان، وأن آخذ حقي عملاً بالحديث: من مات دون ماله فهو شهيد»، وكذلك: «لا يكن أحدكم إمعة يأخذ حقه ولا يبالي»، أو بمعنى أصح كان لي حرية الاختيار في الطريقة التي آخذ بها ما أُخذ مني. والثاني: أن لا أردّ العدوان بالعدوان، ولا أقاوم الشر ولا أنتقم لنفسي ومن أخذ ثوبي فلأعطه الرداء أيضاً، تُرى أيّ الطريقين أفضل؟» قال: «الثاني بلا شك»، قلت: «وهذا ما حدث مني، إنني تصرفت بما يحفظ العلاقة التي بيننا، ويقوي المحبة، و لا يهم من أين المصدر الإسلام أم النصارى أم اليهود. المهم التصرف السليم، ولو أنني وجدت مثل ذلك في الإسلام لما توانيت عن العمل به فوراً». قال: «من أين لك بكل هذا؟ ومن أين جئت بهذا الكلام؟» قلت «سوف أقول لك، لكن ليس الآن لأنك مشدود بما حدث وعندما تستريح وتهدأ بعد يوم أو يومين أو شهر، ورأيت أنّك محتاج لمعرفة من أين جئت بهذا فسأقول لك».

بعد حوالي أسبوعين قابلني في أثناء تسليم المكتب له وقال: «الآن قد هدأت وأريد أن أعرف منك مصدر هذا الكلام كما وعدت». قلت له: «غداً أقابلك وأقول لك عما تريد». وفي الغد قابلني وسأل نفس السؤال فقلت له: «لحظة واحدة وأخرجت له الإنجيل قائلاً: إن كنت حقاً تريد أن تعرف من أين كل ما فعلته، اقرأ هذا الكتاب». قال: «هذا إنجيل! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». قلت: «نعم هو من الإنجيل وأنت لك حرية الاختيار. إن أردت أن تعرف خذه وأقرأ وإن لم ترغب فأنت وشأنك». أخذ مني الكتاب وظلّ يقلبه يميناً ويساراً وينظر إليّ باستغراب، وأخيراً أخذه وقبل أن ينصرف قلت له: «إن صعُب عليك شيء فيمكنك أن تسألني». وظلّ طوال أسبوعين يأتي بأسئلة متعددة واستمرّ هذا الوضع طويلاً حتى لاحظت عليه تغييراً كبيراً وحبّاً كبيراً للكتاب. وذات يوم قال: «على فكرة، الكتاب هذا، فيه بركة عظيمة. إذ منذ أن أخذته منك وأنا أجد أنّ كل الخلافات التي كانت بيني وبين زوجتي تزول». فطلبت منه أن يقرأ أكثر ليعرف ما هو المطلوب منه.

استوعب الكتاب بدقة حتى أنّه ذات يوم فاجأني بأن طلب مني أن أعلّمه الصلاة المسيحية وكيفيّتها. فقلت له: «ليس لها كيفيّة معيّنة، يمكنك أن تصلّي في أيّ وضع وبأيِّ أسلوب». وبعد ثلاثة أشهر كانت المفاجأة الغير متوقعة. فقد جاءني وأخذ يقبّلني ويسألني كيف يمكنه أن يتعمّد. قبِل زميلي الرب وكان سبب بركة لأسرته كلها. سُعدت أنا أيضاً وأحسست أنّ الله حقاً اختارني للعمل في كرمه، ولأكون من خرافه، ولأكون ممن يصطادون الناس. لكن هذه المرة ليس للضلال بل للخلاص والحياة الأبدية، إذ طالما كنت في الماضي أصطاد الناس لأضمّهم إلى حظيرة الهالكين. فما أجمل أن أعمل في خدمة رب هذا الزمان وكل زمان الرب المخلص يسوع المسيح!

بدأت أشعر ولأول مرة بأنني أحب بلادي وأحب الناس وأحب التسامح والعفو. حقاً أصبحت إنساناً جديداً واستخدمني الرب في اجتذاب نفوس عديدة للمسيح وإعادة بعض الخراف التي ضلّت طريقها وتركت المسيح إلى حظيرة الآب السماوي.

توالت التجارب والاختبارات التي كانت تُظهر لي ما عما كان عالقاً بي من إنساني العتيق، وتوالت معها محاربة إبليس سواء من خلال حياتي الروحية أو الجسدية. فذات يوم كنت ذاهباً لزيارة أسرتي وأخذت حافلة إلى حيث تقيم الأسرة، أجلسني السائق على كرسي يتسع لثلاثة ركاب لكنه جعلني الراكب الرابع. وكان بجواري على نفس الكرسي رجل متديّن كثيف اللحية وزوجته المتنقبة. فبدأ يتصرّف تجاهي بطريقة غير لائقة وأخذ يضيق عليّ المكان ويبسط رجليه بحيث لم يعد سوى سنتيمترات قليلة. نزلت من الحافلة، فسألني السائق لماذا نزلت؟ قلت: «لا يوجد مكان». قال: «هذا الكرسي لأربعة ركاب»، وطلب من الشيخ أن يفسح لي، لكنني أحسست أنَّ هذا الرجل لا يريد أن يجلس أحد بجواره حتى لا يضايق زوجته. فنزلت ودفعت أجرة الكرسي للسائق وطلبت منه ألاّ يُجلس أحداً معهم. وهنا ثارت حمية الرجل فقال: «لا يا أخي، تفضّل اجلس». قلت له: «لا داعي لأن نزاحمك أنت وزوجتك». فأصرّ على أن أركب فركبت وأفسح لي المكان.

سارت بنا الحافلة بضعة أمتار فإذا بالرجل يسألني سؤالاً لم أكن أتوقعه فقال: «هل أنت مسلم أم مسيحي؟» قلت: «لماذا تسأل؟» قال: «أريد أن أعرف فقط»، قلت: «أنا مسيحي». فقال: «خسارة! لو كنت مسلماً لكان لسلوكك هذا شأن عظيم». قلت له: «هل تعرفني؟» قال: «لا». قلتُ: «وأنا أيضاً لا أعرفك، لكن تُرى لماذا فعلت أنا ذلك معك؟» قال: «لا أدري»، قلت: «لدينا نص في الإنجيل يأمرنا أن نحبَّ كل الناس حتى الذين يسيئون إلينا وأنا قد لاحظت قساوتك معي فأردت أن أبيّن لطف المحبة التي تملأنا نحو كل من يسيء إلينا، ولم أجد سوى هذا التصرّف الذي رأيته». «وهل لديكم كتاب؟» «نعم». «وهل تعبدون الله؟» «ومن نعبد إذن؟» «نعلم أنكم تعبدون المسيح والأحبار والرهبان كما قال القرآن». «ليس كل ما تعلمونه عنا صحيح، وإلا لما كان ما وجدته مني. لكن أشير عليك برأي». «تفضّل». «سوف أعطيك الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد أي التوراة والإنجيل لتقرأه وترى ما فيه، فإن أعجبك فهذا خير وإن لم يعجبك فلن تخسر شيئاً».

اتفقنا أن نتقابل في مكان ما وأعطيته الكتاب المقدس. وأصبحنا نتقابل أسبوعياً لأردّ على تساؤلاته. وبعد ذلك بدأنا نصلّي سوياً وبدأ هو يتناقش مع زوجته حتى أنّه كان يريد تطليقها. فأخبرته أنَّ هذا لا يوافق فكر الله وبدأنا نصلي من أجلها. فاستقرّ البيت وعمّ فيه السلام، وأوضحت له أنَّ المسيحية حياة تجمع الناس ولا تفرقهم. «لأَنَّ ٱلرَّجُلَ غَيْرَ ٱلْمُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي ٱلْمَرْأَةِ (المؤمنة)، وَٱلْمَرْأَةُ غَيْرُ ٱلْمُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي ٱلرَّجُلِ (المؤمن)» (1كورنثوس 7: 14). كان صديقي هذا منبهراً جداً بما قرأه في الكتاب المقدس ودخل الرب بيته وبناه من جديد واستقرّ فيه وباركه كثيراً.

لا أريد أن أنهي هذه الشهادة لأنها في الحقيقة لا نهاية لها، لأنّه ما دام الربّ يعمل فيّ فالاختبار مستمر. لكنّ خلاصة ما أريد قوله هو أنّ الله قد وهبني تلك الحياة دون مقابل. بل لو نظرنا للمقابل لن نجد سوى التدمير والتخريب والخطايا، التي لم يعد الله يحسبها علينا ولا يذكرها لنا بعد ندمنا وتوبتنا. «فَإِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلٱبْنُ فَبِٱلْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَاراً» (يوحنا 8: 36). «لِأَنَّ لِيَ ٱلْحَيَاةَ هِيَ ٱلْمَسِيحُ وَٱلْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ» (فيلبي 1: 21). وهذا الشعور يملأني لأول مرة إذ كان الموت من قبل يمثل لي شبحاً مخيفاً سواء من عذاب القبر أو سؤال الملكين أو ... الخ. والآن إلى اللقاء في اختبارات جديدة وتعاملات جديدة مع الرب الذي لا تضيع ودائعه آمين.

مراجع الكتاب

  1. سورة المائدة 5: 51

  2. سورة النساء 4: 114

  3. سورة التوبة 9: 23

  4. سورة المجادلة 58: 22

  5. البخاري كتاب السلام 121

  6. البداية والنهاية لابن كثير ج1 ص 84

  7. ابن كثير في البداية والنهاية ج2 ص 84

  8. تفسير ابن كثير لسورة آل عمران وكتاب البداية والنهاية ج1 ص 90

  9. ابن كثير - البداية ج1 ص 85

  10. الملل والنحل للشهرستاني ص 27

  11. الملل والنحل للشهرستان

  12. نفس المرجع ونفس الصفحة

مسابقة الكتاب

أيها القارئ العزيز،

إذا قرأت هذه السيرة الممتعة بتمعن، يمكنك الاجابة على الأسئلة التالية وذلك بنسخ الأسئلة إلى قسيمة الاتصال بنا في الموقع وإضافة الجواب تحت كل سؤال.

  1. اذكر سببين جعلا بولس يجتهد في دراسة القرآن.

  2. كيف أثّر ابن عم بولس على مجرى حياته كليّاً؟

  3. ما هي نوعية المهمة التي أُوكلت إلى بولس لمجابهة المبشرين؟

  4. اذكر الآية من سورة الأعراف التي حاول بولس إثبات مصداقيتها من الكتاب المقدس؟

  5. اذكر خمسة أعدادٍ من الكتاب المقدس ذكرها الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه «إظهار الحق» معتقداً أنّها تشير إلى النبي محمد.

  6. لماذا أصرّ الأمير بأن يقوم بولس بمهمة الرد على المبشرين رغم محاولة الأخير لأكثر من ثلاث مرات التخلّص من هذه المهمة؟

  7. لماذا كان بولس قاسياً في معاملته مع والديه ومع المسيحيين وحتى مع المسلمين الإسميين؟

  8. اذكر آيتين من القرآن تحث المسلم على عدم التعامل مع الكفار سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين أو من المتمسلمين.

  9. اذكر خمس خصائص إلهية للمسيح توصّل إليها بولس من القرآن.

  10. كيف اقتنع بولس بموت المسيح النيابي الكفاري؟

  11. كيف كانت ردّة فعل الأمير عندما اكتشف مخطوطتي «ألوهية المسيح، والقرآن ليس كلام الله» في غرفة بولس؟

  12. كيف حاول الأمير الانتقام من بولس؟

  13. كيف برهن بولس أنّ محمداً كان يعرف القراءة والكتابة؟

  14. لماذا ظنّ ذوو بولس أنّه مصاب بالجنون؟

  15. كيف شعر بولس بعد انتهاء المعالجة بالجلسات الكهربائية؟

  16. لماذا كان بولس يتردّد مراراً قبل اتخاذ الخطوة النهائية لقبول المسيح ربّاً ومخلصاً؟

  17. لماذا كان المسيحيون يتردَّدون كثيراً قبل موافقتهم بالاجتماع ببولس؟

  18. اذكر بإيجاز كيف تيقّن بولس من تغيّره جذرياً وقبوله المسيح.

  19. لماذا رفض بولس مغادرة مصر عندما طلب الإخوة من المسيحيين ذلك منه؟

  20. هل لك من ذكر بعض ثمار عمل الله في حياة بولس؟

الرجاء استخدام الاستمارة الخاصة بالموقع للاتصال بنا:

www.the-good-way.com/ar/contact

او يمكنك ارسال رسالة عادية الى:


The Good Way
P.O. BOX 66
CH-8486
Rikon
Switzerland