الله واحد في الثالوث الأقدس

الله واحد في الثالوث الأقدس

القمص. زكريّا بطرس


Bibliography

الله واحد في الثالوث الأقدس. القمص زكريّا بطرس. الطبعة الأولى . 1978. الطبعة الثانية . 2000. English title: God is One in the Holy Trinity. German title: Gott ist Einer in der heiligen Dreieinigkeit.

هذا الكتاب

عندما يكون الإنسان طفلاً، تُعطى له الحقائق العويصة مبسّطة مجملة، ولكن عندما ينضج هذا الطفل ويكمل إدراكه، لا تشبعه المعلومات المجملة المبسّطة، وإنّما يسعى باحثاً عن دقائق الأمور وتفاصيلها إذ يضحى عقله مستعدّاً لتقبّلها واستيعابها.

وهذا هو الحال مع البشريّة، فعندما كانت في مرحلة الطفولة الفكريّة، أعطاها الربّ صورة مبسّطة مجملة عن ذاته، على قدر ما تستطيع أن تدرك. ولهذا يقول بولس الرسول: «وَأَنَا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَالٍ فِي ٱلْمَسِيحِ، سَقَيْتُكُمْ لَبَناً لاَ طَعَاماً، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ، بَلِ ٱلآنَ أَيْضاً لاَ تَسْتَطِيعُونَ» (1 كورنثوس 3: 1-2).

وعندما جاء ملء الزمان ونمت عقليّة المؤمنين بدأ الربّ يعلن عن ذاته بأنّه واحد في ثالوثه الأوحد، ويكشف لنا عن هذا السرّ العظيم الذي كان خفيّاً عن البشريّة في طور عجزها الروحيّ والإدراكيّ. وعندما أنعم الربّ علينا بعطيّة الروح القدس، كشف لنا عن حياته الخاصّة وكيانه الإلهيّ، كما يقول بولس الرسول «أَعْلَنَهُ ٱللّٰهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ ٱلرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ ٱللّٰهِ» (1 كورنثوس 2: 10).

ولا زالت هذه العقيدة سرّاً يجهله الجسدانيّون، ويعترضون عليه لقصور إدراكهم لحقائق الإيمان القويم وسرّ الله المكتوم.

من أجل هذا وضعت هذا الكتاب - بنعمة الله - لتبسيط وإيضاح ما غلق فهمه، وما عسر إدراكه، حتّى يستطيع كلّ من يقرأه أن يؤمن بهذا السرّ الإلهيّ، ويعلم أنّ هذه العقيدة لا تتعارض مع العقل بل تشبعه. ويرى أنّ الذين يحاربون هذا الإيمان عن غير معرفة، تشهد كتبهم لهذه العقيدة شهادة واضحة.

وإنّني إذ أضع هذا الكتاب بين أيدي الجميع، إيضاحاً لإيماننا الأقدس، أرفع قلبي إلى العليّ ليجعله سبب بركة للكثيرين، ويفتح أمامهم باب الإيمان القويم فينعموا بمحبّة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة وموهبة الروح القدس، الثالوث الأقدس في الإله الواحد، الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين.

القمّص زكريّا بطرس

«...مُسْتَعِدِّينَ دَائِماً لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ ٱلرَّجَاءِ ٱلَّذِي فِيكُمْ بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ» (1 بطرس 3: 15)

الفصل الأوّل

وحدانيّة الله الجامعة في الثالوث الأقدس

* وحدانيّة الله

* الثالوث الأقدس

* حتميّة الثالوث في الوحدانيّة

وحدانيّة الله في المسيحيّة

نحن معشر المسيحيّين نؤمن بإله واحد لا شريك له غير محدود، مالئ السموات والارض، خالق الكلّ، أزليّ قبل الأكوان، أبديّ لا نهاية لملكه.

وهذه العقيدة واضحة تماماً في الإنجيل المقدّس وقانون الإيمان المسيحيّ كما سترى.

  1. السيّد المسيح نفسه أوضح هذه العقيدة بفمه الطاهر عندما جاءه أحد اليهود ليسأله عن أعظم الوصايا فَأَجَابَهُ: «إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ ٱلْوَصَايَا هِيَ: ٱسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هٰذِهِ هِيَ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلأُولَى» (مرقس 12: 29 و30). وهي صدى وتوكيد لما جاء في سفر التثنية (6: 4-9) ولو صيغت هذه الوصيّة بلغة القرآن لكانت هكذا «الله إلهنا هو الله أحد، الله الصمد».

  2. وبولس الرسول يوضح أيضاً ذلك بقوله: «أَمِ ٱللّٰهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضاً؟ بَلَى لِلأُمَمِ أَيْضاً، لأَنَّ ٱللّٰهَ وَاحِدٌ» (رومية 3: 29 و30).

  3. ويعقوب الرسول يوضح ذات العقيدة بقوله «أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ ٱللّٰهَ وَاحِدٌ. حَسَناً تَفْعَلُ» (يعقوب 2: 19).

  4. ومن هذه النصوص وغيرها التي يذخر بها الكتاب المقدّس أُخذ قانون الإيمان المسيحيّ الذي تردّده الكنيسة على مدى الأجيال «بالحقيقة نؤمن بإله واحد... خالق السموات والأرض ما يُرى وما لا يُرى».

فنحن المسيحيّين نؤمن بإله واحد وليس بثلاثة آلهة. أمّا عن قولنا «الآب والابن والروح القدس» فهذا ما سنوضح مفهومه الصحيح في حديثنا عن الثالوث الأقدس.

الثالوث الأقدس في المسيحيّة

إنّ عقيدة الثالوث لا تعني مطلقاً وجود ثلاثة آلهة كما يتوهّم البعض، ولكن مفهوم هذه العقيدة هو أنّ الله الواحد:

* موجود بذاته، فأعلن مسمّياً نفسه (الآب).

* ناطق بكلمته، فأعلن مسمّياً نفسه (الابن الكلمة).

* حيّ بروحه، فأعلن مسمّياً نفسه (الروح القدس).

ولا يُفهم من هذه التسميات وجود علاقة جسديّة كما في المفهوم البشريّ وإنّما دلالاتها روحيّة.

وليست هذه التسميات من وضع إنسان أو اختراع بشر، وإنّما هي كلمات الوحي الإلهيّ في الكتاب المقدّس كما سترى:

1 - قال السيّد المسيح لتلاميذه «ٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ ٱلآبِ وَٱلٱبْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (الإنجيل بحسب متّى 28: 19).

* فالوحدانيّة واضحة من قوله «عمّدوهم باسم» ولم يقل عمّدوهم «بأسماء» الآب والابن والروح القدس.

* والثالوث واضح من قوله «الآب والابن والروح القدس».

2 - يوحنّا الرسول يؤكّد هذا المفهوم بكلّ وضوح قائلاً «فَإِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي ٱلسَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: ٱلآبُ، وَٱلْكَلِمَةُ، وَٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ. وَهٰؤُلاَءِ ٱلثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ» (رسالة يوحنّا الأولى 5: 7).

وبمقارنة الآيتين تجد ألقاب الثالوث الأقدس؛ الآب والابن والروح القدس.

هذا هو الثالوث الأقدس في الإله الواحد الذي نؤمن به.

حتميّة الثالوث في الوحدانيّة

ممّا سبق يتّضح حتميّة الثالوث في الوحدانيّة، إذ أنّه:

* لا يمكن أنّ الله الواحد الذي أوجد الموجودات كلّها يكون هو نفسه بلا وجود ذاتيّ.

* لا يمكن أنّ الله الذي خلق الإنسان ناطقاً يكون هو نفسه غير ناطق بالكلمة.

* لا يمكن أنّ الله الذي خلق الحياة في كلّ كائن حيّ يكون هو نفسه غير حيّ بالروح.

لذلك تحتَّم أن يكون في «الله الواحد» «ثالوث أقدس» على نحو ما أوضحنا وهذا هو إيماننا القويم «الله واحد في ثالوث وليس ثلاثة آلهة».

الفصل الثاني

شهادة القرآن لوحدانيّة الثالوث الأقدس

* شهادة القرآن لتوحيد المسيحيّين

* شهادة القرآن لثالوث المسيحيّة

* شهادة القرآن أنّ المسيح كلمة الله

* شهادة القرآن للروح القدس

شهادة القرآن لتوحيد المسيحيّين

يشهد القرآن للمسيحيّين بأنّهم موحّدون بالله وغير مشركين، وأنّهم ليسوا كفرة. ويتّضح ذلك ممّا يلي:

  1. سورة العنكبوت 29: 46 «وَلاَ تَجَادِلُوا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ... وَقُولُوا آمَنَّا بِٱلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ».

    وبهذا يشهد القرآن أنّ المسيحيّين أهل الكتاب يعبدون الله الواحد.

  2. سورة آل عمران 3: 113 - 114 «مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللهِ آنَاءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِٱللهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ...».

    وفي هذا إيضاح جليّ بأنّ أهل الكتاب (أي المسيحيّين) يؤمنون بالله الواحد، يتلون كتابه الموجود بين أيديهم في أيّام محمّد، ويسجدون لله الواحد أثناء تأدية العبادة له.

  3. سورة المائدة 5: 82 «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا (أي المسلمين) ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ».

    ويتّضح من هذا أنّ النصارى ليسوا مشركين بالله. فالمشركون واليهود هم أشدّ الناس عداوة للمسلمين أمّا النصارى فهم أقرب الناس مودّة لهم.

  4. سورة آل عمران 3: 55 «إِذْ قَالَ ٱللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ».

    يتّضح لك من هذا أيضاً أنّ الذين تبعوا المسيح (وهم المسيحيّون) ليسوا كفرة، بل أنّ الله ميّزهم عن الكفرة ورفعهم فوقهم.

فمن كلّ ما تقدّم تأكّد لك شهادة القرآن للنصارى بأنّهم يعبدون الله الواحد ولا يشركون به.

شهادة القرآن لثالوث المسيحيّة

ويذكر القرآن ثالوث الله الواحد تماماً كما تؤمن به المسيحيّة. فقد مرّ بنا أنّ ثالوث المسيحيّة هو:

ذات الله وكلمته وروحه.

وهذا هو عين ما ذكره القرآن وفي آية واحدة:

سورة النساء 4: 171 «إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ».

ففي هذه الآية إنّ الله له:

* ذات: في قوله «رسول (الله)»

* وكلمة: في قوله (وكلمته) فالهاء ضمير مفرد غائب يعود على الله.

* وروح: في قوله «وروح منه» فالهاء في (منه) ضمير مفرد غائب يعود على الله. ولا يقول المسيحيّون بأكثر من هذا. وقد تأكّدت شهادة القرآن لعقيدة الثالوث. وهذا لا يقتضي الشرك بالله وأنّ لا إله إلاّ هو.

شهادة القرآن أنّ المسيح كلمة الله

يشهد القرآن أنّ المسيح هو كلمة الله. وذلك ممّا يلي:

  1. سورة النساء 4: 171 «إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللهِ وَكَلِمَتُهُ».

  2. سورة آل عمران 3: 39 «... أَنَّ ٱللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى (أي يوحنّا المعمدان) مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللهِ».

    وقد فسّر الإِمام أبو السعود ذلك بقوله (مصدّقاً بكلمة الله أي بعيسى عليه السلام... إذ قيل إنّه أوّل من آمن به وصدّق بأنّه كلمة الله وروح منه. وقال السديّ: لقيَت أمُّ يحيى أمَّ عيسى، فقالت يا مريم أَشعرتِ بحبلي؟ فقالت مريم وأنا أيضاً حبلى. قالت أمّ يحيى: إنّي وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله تعالى (مصدّقاً بكلمة من الله). (تفسير أبي السعود محمد بن محمّد العمادي ص 233).

  3. سورة آل عمران 3: 45 «إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ» وإشارته إلى الكلمة «بضمير مذكّر في قوله بكلمة منه اسمه» ولم يقل «بكلمة منه اسمها». دلالة واضحة على أنّه لا يقصد بها مجرّد كلمة عاديّة، بل كما وضّحها أحد علماء المسلمين وهو الشيخ محيي الدين بن العربيّ إذ قال: الكلمة هي الله متجلّياً... وهي عين الذات الإلهيّة لا غيرها. (كتاب فصوص الحكم الجزء الثاني ص 35).

وقال أيضاً «الكلمة هي اللاهوت» (ص 13).

أليس هذا هو عين ما قيل عن السيّد المسيح في إنجيل يوحنّا «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللّٰهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ... وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدا» (يوحنّا 1: 1 و14).

ولاحظ أيضاً الإشارة إلى الكلمة بضمير المذكّر في القول «كان الكلمة» ولم يقل «كانت الكلمة» ويفسّر ذلك بقوله «وكان الكلمة الله» وقد ظهر في الجسد «والكلمة صار جسداً».

شهادة القرآن للروح القدس

يذكر القرآن في آيات عديدة الروح القدس على أنّه روح الله وأنّه أيّد السيّد المسيح به كما يتّضح ممّا يلي:

  1. سورة البقرة 2: 87 وأيضاً آية 253 «وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ».

  2. سورة المائدة 5: 110 «إِذْ قَالَ ٱللهُ يَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً».

ويقول الشيخ محمّد الحريري البيّوني «روح القدس هو روح الله» (كتاب الروح وماهيّتها ص 53).

هذه شهادة القرآن وعلماء الإسلام لعقيدة الثالوث الواحد التي يؤمن بها المسيحيون.

الفصل الثالث

ألقاب الثالوث الأقدس

* الآب

* الابن

* الروح القدس

ألقاب الثالوث الأقدس

ممّا سبق عرفنا أنّ المسيحيّة تؤمن بإله واحد في ثالوث: ذات الله. كلمته. وروحه. ويطلق على هذا الثالوث أسماء أخرى:

الآب (ذات الله)

الابن (كلمة الله)

الروح القدس (روح الله)

وتقوم في وجه هذه التسمية اعتراضات من غير الفاهمين، إذ يظنّون أنّها تفيد التوالد التناسليّ والعلاقات الجسديّة. وحاشا للمسيحيّة من هذا المفهوم، ولذلك سنوضح القصد من هذه التسمية فيما يلي:

الآب

مفهوم كلمة الآب:

نحن المسيحيّين لا نقصد بهذا اللفظ المعنى الجسديّ بل:

أوّلاً - المعنى المجازي:

فالله هو مصدر كلّ الكائنات وخالقها، فيسمّى أب المخلوقات جميعها، لا سيّما العاقلة، كما يقول النبيّ موسى «أَلَيْسَ هُوَ أَبَاكَ وَمُقْتَنِيَكَ، هُوَ عَمِلَكَ وَأَنْشَأَكَ؟» (تثنية 32: 6) أو كما قال النبيّ إشعياء «يَا رَبُّ أَنْتَ أَبُونَا» (إشعياء 64: 8). وفي العهد الجديد أعلن الرسول بولس «لَنَا إِلٰهٌ وَاحِدٌ: ٱلآبُ ٱلَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ ٱلأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ» (1 كورنثوس 8: 6).

وبهذا المعنى ترد لفظة الآب في اللغة مثل: أبو الخير، أبو البركات، وأبو الفضل وغيرها، ولا تؤخذ بمعنى التوالد أو التناسل الجسديّ بل بالمعنى المجازيّ.

ثانياً - المعنى الشرعيّ:

ففي حالة التبنّي، لا تعني لفظة «الآب» أنّه قد أنجب الابن المتبنَّى، بل أنّه قبله في محلّ ابن، ومنحه كامل الحقوق الشرعيّة، واعتبر نفسه مسؤولاً عنه ملتزماً به كأبٍ حقيقيّ. ويقول الرسول بولس في هذا «... أَخَذْتُمْ رُوحَ ٱلتَّبَنِّي ٱلَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا ٱلآبُ!» (رومية 8: 15) أو «لِنَنَالَ ٱلتَّبَنِّيَ» (غلاطية 4: 5). فأبوّة الله لبنوّتنا قائمة على حقوق شرعيّة إلهيّة.

ثالثاً - المعنى الجوهريّ:

وهو المعنى الإيجابيّ الذي لا ينطبق إلاّ على أقنوميّة الله تعالى. فالابن انبثق من الآب قبل كلّ الدهور، منذ الأزل كما تنبثق الكلمة من الفم أو كما تنبثق الأشعة من الشمس. والمسيح الذي هو الابن تجسّد في أحشاء (القدّيسة) العذراء مريم، لأنه كان منذ الأزل روحاً من الله الروح. جاء في الإنجيل بحسب يوحنّا: «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً» (يوحنا 1: 14). ويسوع نظر إلى الله على أنّه أبوه بهذا المعنى الجوهريّ الخاصّ المتفرّد الذي لا ينطبق على أحد سواه «لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلٱبْنَ إِلاَّ ٱلآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلآبَ إِلاَّ ٱلٱبْنُ» (متّى 11: 27).

رابعاً - المعنى الروحيّ:

بعد أن سكب الله روحه القدّوس في جميع المؤمنين بابنه، وُلدوا ثانية ولادة روحيّة، متجدّدين من هذا الروح الإلهيّ اللطيف «اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ ٱللّٰهِ» (يوحنّا 1: 13). وقد علّمنا يسوع المسيح أن نصلي «أبانا الذي في السموات ليتقدّس اسمك» وعليه فلا يحقّ لأيّ إنسان عاديّ أن يسمّي نفسه ابن الله والله أباه ما لم يحصل على التبنّي الشرعيّ ومسحة الروح القدس الذي يعلن لنا سرّ اسم الله (الآب). فلا نؤمن بأبوّة الله بطريقة جسديّة، بل بطهارة القداسة، في ولادة المسيح، وفي حلول الروح القدس في المؤمنين به.

الابن

مفهوم كلمة ابن:

في قولنا المسيح ابن الله لا نقصد أنّ المسيح جاء عن طريق تزاوج على طريقة ما. فقولنا «ابن» لا نقصد بها العلاقة الجسديّة أو الولادة التناسليّة، وإنّما نقول «المسيح ابن الله» أي أنّه جاء من عند الله. فالله هو روح، لذا تنبع بنوّة المسيح من أبوّة الله الروحيّ.

ومع أنّ هذه البنوّة ليست مجازيّة، إلاّ أنّ اللغة العربيّة استخدمت كلمة (ابن) في اللغة والقرآن والحديث بهذا المعنى، وليس للدلالة على التوالد التناسليّ كما يتّضح ممّا يلي:

كلمة «ابن» في اللغة:

في كثير من التعبيرات اللغويّة تُستخدم كلمة ابن على غير التوالد التناسليّ، كقولنا عن الطلبة «أبناء العلم» وعن المواطنين «أبناء الوطن» وعن المصريّ «ابن النيل» وعن الأعرابيّ «ابن البادية»... وعن الكلمة التي يتكلّم بها الإنسان «بنت شفة» فنقول مثلاً «لم ينطق الرجل ببنت شفة» أي أنّ الرجل لم ينطق بكلمة.

كلمة ابن في القرآن:

جاءت في القرآن كلمة «ابن» لتفيد غير التوالد التناسليّ، كما يتّضح لك ممّا يلي:

سورة البقرة 2: 215 «قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَى وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ» ويقول المفسّرون كلمة «ابن السبيل» تشير إلى المسافر، وقال الأِمام النسفيّ والشيخ حسنين مخلوف «دُعي ابن السبيل لملازمته للطريق» (تفسير النسفيّ جزء 1 ص 86 صفوة البيان لمعاني القرآن الشيخ حسنين مخلوف جزء 1 ص 80).

حديث قدسيّ:

جاء في حديث قدسيّ «الأغنياء وكلائي والفقراء عيالي» أي أولادي، فهل يُفهم من هذا أنّ الله أخذ زوجة وأنجب منها أولاداً هم الفقراء؟!

إذاً فكلمة «ابن الله» لا تفيد التوالد التناسليّ بالطريقة البشريّة، وإنّما قُصد بها نسب المسيح إلى الله. وليس في ذلك كفر ولا إشراك، لأنّ بنوّة المسيح تنبع من أبوّة الله الروحيّة. فالله هو الآب والمسيح هو الابن على الإطلاق، وبالمعنى الوحيد الخاصّ الذي لا ينطبق على غيره.

الروح القدس

قد مرّ بنا الحديث عن الروح القدس أنّه روح الله، وقد ورد ذكره في القرآن في مواضع كثيرة منها:

سورة يوسف 12: 87 «وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ ٱللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ ٱللهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ».

سورة البقرة 2: 87 و253 «وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ».

وقال الإمام النسفيّ «بروح القدس أي الروح المقدّسة... أو باسم الله الأعظم» (تفسير النسفيّ جزء 1 ص 56).

سورة المائدة 5: 110 «ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ».

وقال السيّد عبد الكريم الجبليّ عن الروح القدس إنّه غير مخلوق، وغير المخلوق أزليّ، والأزليّ هو الله دون سواه (مجلّة كلّيّة الآداب سنة 1934).

وقال أيضاً الشيخ محمّد الحريري البيومي «روح القدس هو روح الله، وروح الله غير مخلوق» (الروح وماهيّتها صفحة 53).

هذا هو الثالوث الأقدس في الله الواحد الذي نؤمن به، وهذا هو سرّ تسميته بالآب والابن والروح القدس.

* فالآب لقب الأبوّة الجوهريّة في الله.

* والابن لقب كلمة الله المتجسّد.

* والروح القدس هو روح الله بالذات.

الفصل الرابع

الثالوث المعترَض عليه

* ثالوث المريميين

* موقف المسيحية منه

* موقف الإسلام منه

ثالوث المريميّين

قبيل الإسلام، وفي القرن الخامس الميلاديّ، ظهرت بدعة (أي تعليم غريب غير صحيح وفيه كفر وهرطقة) بين الوثنيّين الذين اعتنقوا المسيحيّة، وكانوا قبلاً أي في زمان وثنيّتهم يعبدون «الزهرة» ويقولون عنها «ملكة السماء». وعندما اعتنقوا المسيحيّة حاولوا التقريب بين ما كانوا يعبدون وبين العقيدة المسيحيّة. فاعتبروا مريم ملكة السماء أو إلهة السماء بدلاً من «الزهرة» ولذلك أطلقوا على أنفسهم اسم «المريميّين» (الله ذاته ونوع وحدانيّته - عوض سمعان صفحة 127، وكتاب القول الإبريزي للعلاّمة أحمد المقريزي ص 26) وبذلك أصبحت عقيدتهم أنّ هناك ثلاثة آلهة هم:

الله... مريم... والمسيح!!

موقف المسيحيّة

وبمجرّد ظهور هذه البدعة حاربتها الكنيسة المسيحيّة وقاومتها وحرمت معتنقيها من شركة الإيمان، وقاطعت كلّ من يقول بقولهم.

ولم ينتهِ القرن السابع الميلاديّ حتّى اندثرت هذه البدعة، ولم يعد لأتباعها وجود.

وأكّدت الكنيسة إيمانها الأقدس بأن العذراء مريم إنسانة بشريّة وليست إلهة، وأنّ الله واحد له ذات واحدة، ناطق بالكلمة، حيّ بالروح. والكلمة هو المسيح الذي تجسد إنساناً في عالمنا «عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ ٱلتَّقْوَى: ٱللّٰهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَد» (1 تيموثاوس 3: 16).

موقف الإسلام

عندما ظهر الإسلام في القرن السابع للميلاد، وجد بعض أتباع هذه البدعة المريميّة قبل أن تختفي تماماً، فحارب الإسلام عقيدتهم وثالوثهم (وليس ثالوث المسيحيّة) ويتّضح هذا من الآيات الآتية:

  1. سورة المائدة 5: 116 «وَإِذْ قَالَ ٱللهُ يَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ ٱللهِ؟».

    واضح جدّاً أنّ الاعتراض هنا يقصد به المريميّين الذين نادوا بأنّ مريم إلهة، وهذا ما لا تقول به المسيحيّة.

  2. سورة الأنعام 6: 101 «بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّى (كيف) يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ (زوجة)».

    كذلك يُفهم من هذه الآية أنّها تعترض على قول المريميّين بأنّ مريم إلهة وصارت لله صاحبة أنجب منها ولداً!!!

  3. سورة الإخلاص 112 «قُلْ هُوَ ٱللهُ أَحَدٌ ٱللّٰهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ». وهي تردّ على بدعة المريميّين الذين يقولون إنّ هناك ثلاثة آلهة الأب والأمّ والابن، وإنّ هذا الابن جاء عن طريق التناسل.

  4. سورة المائدة 5: 73 «لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ ٱللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ». وهي تؤكد نفس المعنى وتنفي ما ذهب إليه المريميّون بوجود ثلاثة آلهة.

ومن كلّ ما تقدّم يتّضح أنّ الإسلام لم يحارب إيمان المسيحيّة بأنّ الله واحد له ذات واحدة ناطق بالكلمة، حيّ بالروح كما في الآية «إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللهِ وَكَلِمَتُهُ... وَرُوحٌ مِنْهُ» (سورة النساء 4: 171). ولكنّ الإسلام يحارب ثالوثاً آخر هو ثالوث بدعة المريميّين الذين يؤلِّهون مريم العذراء ويعتبرونها إلهة أنجبت المسيح عن طريق التناسل، بعد أن اتّخذها الله سبحانه صاحبة (أي زوجة).

هذا الكلام الذي استقبحته المسيحيّة وحاربته بشدّة وحرمت القائلين به. أمّا إيمان المسيحيّة القويم فهو الإيمان بإله واحد في ثالوث الآب والكلمة والروح القدس.

الفصل الخامس

إشراقة النعمة

* برهان الروح

* تخبّط في الظلام

* نعمة الإعلان

* جاذبية حنان

* نور الإيمان

* أعظم برهان

برهان الروح

قد تمشّيت معك يا عزيزي القارئ خلال هذا البحث إلى الآن مظهراً صحّة إيماننا في الثالوث والوحدانيّة بأدلّة عقليّة ومنطقيّة، أو بمعنى آخر بالحكمة الإنسانيّة. ولكن بولس الرسول يُرينا أنّ الإيمان لا يأتي بحكمة بشريّة، بل ببرهان الروح والقوّة فيقول «وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ ٱلْحِكْمَةِ ٱلإِنْسَانِيَّةِ ٱلْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ ٱلرُّوحِ وَٱلْقُوَّةِ، لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ ٱلنَّاسِ بَلْ بِقُوَّةِ ٱللّٰهِ» (1 كورنثوس 2: 4 - 5) فدعني أتكلّم عن برهان الروح والقوّة.

برهان الروح يكون في القلب لا في العقل وحده: «لأَنَّ ٱلْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَٱلْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ» (رومية 10: 10). ويأتي الإيمان القلبيّ نتيجة إشراقة النعمة داخل الإنسان لتُظهر له سرّ الإيمان وتكشف له عن محبّة الله وعمله العجيب من أجله، حتّى ارتضى أن يظهر في صورة إنسان ويسير في طريق الجلجثة حاملاً صليب العار ليفدي إنساناً خاطئاً نظيري.

واعلم يا أخي أنّ الربّ مستعدّ أن يشرق في قلبك لإنارة معرفة مجده، لأنّه يحبّك شخصيّاً برغم خطاياك وشرورك وتجاديفك التي جدّفت بها عليه. وهو مستعدّ أن يغفر ويصفح وينسى آثامك، إن أقبلت إليه في ندامة وفي خضوع وسلّمت حياتك وقلبك له. وثق تماماً أنّه لا يرفضك، فقد قال «مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجاً» (يوحنّا 6: 37).

فأقبِل إليه الآن، وألقِ بخطاياك أمامه، وهو بكفّارته يطهّرك من كلّ خطيّة «ودَمُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ» (1يوحنّا 1: 7). قُلْ له «بدّد يا ربّ ظلمة قلبي. أشرق بنورك أمامي. عرّفني طريقك. احفظني من الشرّ حتّى لا يتعبني».

تخبّط في الظلام

ما من شكّ أنّ الاعتماد على العقل وحده لإدراك الحقائق الإيمانيّة أمر محال، فالوحي الإلهيّ يقول «أَإِلَى عُمْقِ ٱللّٰهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ ٱلْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟ هُوَ أَعْلَى مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ، فَمَاذَا عَسَاكَ أَنْ تَفْعَلَ؟ أَعْمَقُ مِنَ ٱلْهَاوِيَةِ، فَمَاذَا تَدْرِي؟» (أيّوب 11: 7 - 8).

فكيف إذاً الإله غير المحدود يدركه عقل محدود؟

فإذا لم ينتبه البعض لهذه الحقيقة ضلّوا عن الإيمان وتخبّطوا في دياجير الظلام وإليك بعض الأمثلة:

  1. مجال الفلسفة: تعتمد الفلسفة في تفكيرها على العقل المجرّد، لذلك وجدنا تضارباً واختلافاً بين الفلاسفة على مرّ العصور. فمنهم الملحدون ومنهم المؤمنون. ويعطينا الفيلسوف الإنجليزي «كارليل» (1795-1881) مثلاً واضحاً على مدى التخبّط في ظلام الفكر البشريّ.

    فقد بدأ كارليل حياته مؤمناً، ثمّ قرأ فلسفة «هيوم» وغيره من الفلاسفة المتشكّكين فاقتنع بآرائهم وتبدّد إيمانه... وبينما هو عاكف على البحث والاستقصاء قرأ فلسفة «شيلر» و «جوته» و «فخته» فتأثَّر بآرائهم وتغيّر موقفه، وأخيراً عاد إلى الإيمان.

    وبهذا تحقّق الفيلسوف كارليل من هذه الحقيقة الخالدة التي قرّرها بعد طول بحث ودراسة وهي «أنّ العقل لم يعد هو مصدر المعرفة الحقّة، بل صار القلب هو ذلك المصدر» (تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم ص 322).

  2. مجال المسيحيّة: كم من هراطقة (الهراطقة أناس خرجوا عن الإيمان) أرادوا أن يخضعوا حقائق الإيمان لمقاييس العقل البشريّ فألقوا بأنفسهم في التهلكة أمثال «أريوس» و «مقدونيوس» و «نسطور». فأريوس لم يقبل عقله إمكانيّة ظهور الله في جسد إنسان فنفى لاهوت المسيح، واجتمع بطاركة الكنيسة وأساقفتها في العالم كلّه وناقشوا هذا الموضوع وفقاً لتعاليم الكتاب المقدّس وحكموا بفرز أريوس ونفيه ودحض تعاليمه المنافية للإيمان.

  3. مجال الإسلام: (مذكّرة التوحيد والفرق مقرّر للسنة الخامسة بالأزهر للشيخ حسن متولّي ص 105-118) وكم من فرقة مختلفة ظهرت في الإسلام وتضاربت معتقداتها، فمثلاً: الخوارج وغلاة الشيعة والنصيريّة يغالون في نعت عليّ بن أبي طالب.

    والجبريّة والمعتزلة والقدريّة (زالت وبقي تأثيرها) أنكروا صفات الله.

    والأشاعرة المتريديّة والزيديّة والأماميّة والإسماعيليّة يقولون إنّ للعالم مديرين، الأوّل هو الله والثاني هو النفس ويبيحون المحرّمات.

    والبهائيّة، يغالون في وصف زعيمهم بهاء الله.

    والدروز يغالون أيضاً في نعت الحاكم بأمر الله الفاطميّ.

ألا يدلّ هذا كلّه على تخبّط العقل في ظلام الفكر القاصر، وعلى احتياج العقل لإشراقة النعمة ونور الإيمان.

نعمة الإعلان

ما من إنسان يستطيع بعقله أو بحكمته المجرّدة أن يصل إلى معرفة الله، إنّما يحتاج الأمر إلى إعلان إلهيّ، حتّى يستطيع الإنسان في ظلام فكره أن يعرف السرّ المخفيّ عن العقول البشريّة القاصرة. وقد عرف بعض الفلاسفة أهمّيّة هذه النعمة وأطلقوا عليها نظريّة الإشراق «فلا يمكن معرفة الله (كما قال أحد الفلاسفة) إلاّ بفضل إشراقٍ من الله، فالله هو المعلّم الباطن» (تاريخ الفلسفة الأوروبّيّة في العصر الوسيط ليوسف كرم ص 32) «هو النور الحقيقيّ الذي ينير كلّ إنسان في هذا العالم».

وقد تكلّم الكتاب المقدّس عن هذين الموضوعين: عجز الإنسان وضرورة الإعلان.

عجز الإنسان:

يوضح الكتاب المقدّس عجز العقل البشريّ عن إدراك الأمور الإلهيّة، فيقول في سفر أيّوب «أَإِلَى عُمْقِ ٱللّٰهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ ٱلْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟ هُوَ أَعْلَى مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ، فَمَاذَا عَسَاكَ أَنْ تَفْعَلَ؟ أَعْمَقُ مِنَ ٱلْهَاوِيَةِ، فَمَاذَا تَدْرِي؟ أَطْوَلُ مِنَ ٱلأَرْضِ طُولُهُ وَأَعْرَضُ مِنَ ٱلْبَحْرِ» (أيّوب 11: 7 - 8).

وقال أحد الحكماء «ابحثوا عن الربّ الضابط الكلّ وأنتم لا تدركون سرّ حكمته... كيف إذاً تبحثون عن الله وتعرفون عقله وتدركون أفكاره؟».

وقال بولس الرسول «يَا لَعُمْقِ غِنَى ٱللّٰهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ ٱلْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ ٱلٱسْتِقْصَاءِ! لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ ٱلرَّبِّ، أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيراً؟» (رومية 11: 33 - 34).

من هذا يتّضح عجز الإنسان عن معرفة الأمور المختصّة بالله.

ضرورة الإعلان:

يحتاج الأمر إذاً إلى نعمة الإعلان أو «إشراق الله» ليعرّفنا بسرّ حكمته كما قيل في الكتاب «يَا لَيْتَ ٱللّٰهَ يَتَكَلَّمُ وَيَفْتَحُ شَفَتَيْهِ مَعَكَ وَيُعْلِنُ لَكَ خَفِيَّاتِ ٱلْحِكْمَةِ!» (أيّوب 11: 5-6).

إنّ الله مستعدّ أن يعلن لك عن نفسه، فمن صلاة السيّد المسيح ترى هذه الحقيقة إذ يقول «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا ٱلآبُ رَبُّ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذِهِ عَنِ ٱلْحُكَمَاءِ وَٱلْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ» (متّى 11: 25) ولعلّك تدرك من هذا الكلام أنّ إشراقة النعمة في القلب تعلن للبسطاء المشبَّهين هنا بالأطفال. أمّا الذين يريدون أن يدركوا بالعقل والحكمة وحدهما تلك الأسرار فلن يبلغوا إليها. لقد أعلن الله الآب سرّ الإيمان لبطرس الرسول فقال «أَنْتَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لٰكِنَّ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متّى 16: 16-17).

إنّ يسوع المسيح نفسه أيضاً مستعدّ أن يعلن لك عن ذاته وعن سرّ الإيمان إذ يقول: «لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلٱبْنَ إِلاَّ ٱلآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلآبَ إِلاَّ ٱلٱبْنُ وَمَنْ أَرَادَ ٱلٱبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ» (متّى 11: 27).

لقد تكرّم الابن فأعلن لبولس الرسول سرّه فقال «لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (غلاطية 1: 12).

والروح القدس في ملء نعمته يعمل الآن في العالم معلناً لكلّ إنسان طريق الإيمان ليتمتّع بشركة النعمة ويعرف الربّ حقّ المعرفة. هذا ما وضّحه بولس الرسول في قوله: «لٰكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ ٱلْكَامِلِينَ، وَلٰكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هٰذَا ٱلدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هٰذَا ٱلدَّهْرِ، ٱلَّذِينَ يُبْطَلُونَ. بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ ٱللّٰهِ فِي سِرٍّ: ٱلْحِكْمَةِ ٱلْمَكْتُومَةِ، ٱلَّتِي سَبَقَ ٱللّٰهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ ٱلدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، ٱلَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هٰذَا ٱلدَّهْرِ - لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ ٱلْمَجْدِ. بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ ٱللّٰهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. فَأَعْلَنَهُ ٱللّٰهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ ٱلرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ ٱللّٰهِ. لأَنْ مَنْ مِنَ ٱلنَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ ٱلإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي فِيهِ؟ هٰكَذَا أَيْضاً أُمُورُ ٱللّٰهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ ٱللّٰهِ. وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ ٱلْعَالَمِ، بَلِ ٱلرُّوحَ ٱلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ، لِنَعْرِفَ ٱلأَشْيَاءَ ٱلْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ ٱللّٰهِ، ٱلَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضاً، لاَ بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ (أي الفلسفة)، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ، قَارِنِينَ ٱلرُّوحِيَّاتِ بِٱلرُّوحِيَّاتِ. وَلٰكِنَّ ٱلإِنْسَانَ ٱلطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ ٱللّٰهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيّاً. وَأَمَّا ٱلرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» (1 كورنثوس 2: 6 - 15).

يتّضح لك من هذا الكلام نقطة جوهريّة في غاية الأهمّيّة وهي ضرورة تحوّل الإنسان الطبيعيّ إلى إنسان روحيّ حتّى يستطيع أن يقبل ويعرف الأمور الخاصّة بالله. فاطلب من الربّ أن يغيّرك ويعلن لك عن ذاته. ولا بدّ أن يستجيب لأنّه «يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ ٱلنَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ ٱلْحَقِّ يُقْبِلُون» (1 تيموثاوس 2: 4).

جاذبيّة حنان

قال فيلسوف مشهور: «إنّ الإنسان لا يملك أن يبلغ بقوّته الطبيعيّة إلى طبيعة الله، ولكنّ الله هو الذي يجذب إليه الإنسان ويرفعه إلى بهاءٍ لا يدركه عقل» (تاريخ الفلسفة الأوروبّيّة في العصر الوسيط ص 54).

حقيقة لا يمكن أن يُقبل أحد إلى الله إن لم يجتذبه هو، كما قال السيّد المسيح له المجد: «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ ٱلآبُ» (يوحنّا 6: 44). وإذ عرفت عروس النشيد هذا السرّ صرخت قائلة «اُجْذُبْنِي وَرَاءَكَ فَنَجْرِيَ» (نشيد الأنشاد 1: 4).

والربّ يجذبنا إليه بحبّه وحنانه. فإذ تذكر النفس البشريّة مقدار محبّة الله لها تُسبَى في محبّته. ويقول الرسول «نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً» (1 يوحنّا 4: 19).

ألا تدري ما فعلته محبّة الله من أجلك؟ يقول بولس الرسول «ٱللّٰهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لأَجْلِنَا» (رومية 5: 8). لقد دفعته المحبّة أن يتّخذ جسداً بشريّاً ويسير في طريق الجلجثة حاملاً الصليب ليوفي عنّي وعنك قصاص الخطيّة الذي نستحقّه وهو الموت... وبسرّ عجيب يدخل القبر الرهيب، ويطفئ نار اللهيب، ويفتح لنا باب الرجاء وطريق المجد، وحطّم بقيامته سلطان الموت وأغلال الخطيّة، وذهب في حبّ عجيب ليعدّ لنا مكاناً في ملكوته الذي سرّ أن يعطيه لنا (لوقا 12: 32). وعن قريب يأتي المسيح ليأخذنا، حتّى حيث يكون نكون نحن أيضاً معه في مجده (يوحنّا 14: 2 و3).

إيه أيّتها المحبّة الإلهيّة! أيّ امتياز أعطيتنا، وأيّة كرامة وهبت لنا، وبأيّ حنان جذبتِنا!

عن غير طريق الحبّ لن تعرف الله. فالعبادة ليست مجرّد تعاليم وعقائد ونظريّات وفرائض، وإنّما هي قمّة الحبّ وأسمى درجاته. وليس الله «صورة» لكائن قد صنعتها عقول البشر وتخيّلتها أفكار الناس وحدّدتها تعاريف رجال الدين وحلّلتها نظريّات الفلاسفة واللاهوتيّين بحسب ما يتناسب مع عقولهم من آراء ومفاهيم، بل كما قال الرسول: «اَللّٰهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي ٱللّٰهِ وَٱللّٰهُ فِيهِ» (1 يوحنّا 4: 16).

فهل ارتبط قلبك بمحبّة الله؟ لا ترتبك بالنظريّات والمناقشات، ولكن يكفي أن تتأمل في الله المحب وستتطهر نفسك من أنانيتك.

نور الإيمان

عندما تشرق النعمة في قلب الإنسان يستضيء بنور الإيمان ولا يمكن للمرء أن يصل إلى الإيمان الحقيقيّ بدون إشراقة النعمة كما يوضح الكتاب قائلاً «قَدْ جَاءَ نُورُكِ وَمَجْدُ ٱلرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ. لأَنَّهُ هَا هِيَ ٱلظُّلْمَةُ تُغَطِّي ٱلأَرْضَ وَٱلظَّلاَمُ ٱلدَّامِسُ ٱلأُمَمَ. أَمَّا عَلَيْكِ فَيُشْرِقُ ٱلرَّبُّ، وَمَجْدُهُ عَلَيْكِ يُرَى. فَتَسِيرُ ٱلأُمَمُ فِي نُورِكِ، وَٱلْمُلُوكُ فِي ضِيَاءِ إِشْرَاقِكِ» (إشعياء 60: 1 - 3).

وقال بولس الرسول: «لأَنَّ ٱللّٰهَ ٱلَّذِي قَالَ أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ ٱلَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱللّٰهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (2 كورنثوس 4: 6).

وقد أشرقت النعمة في حياة كثيرين نذكر منهم:

شاول الطرسوسيّ: وهو رجل يهوديّ متعصّب كان يضطهد المسيحيّين ويجرّهم إلى السجون، ويحكي هو عن نفسه قائلاً «فَأَنَا ٱرْتَأَيْتُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ أُمُوراً كَثِيرَةً مُضَادَّةً لٱسْمِ يَسُوعَ ٱلنَّاصِرِيِّ. وَفَعَلْتُ ذٰلِكَ أَيْضاً فِي أُورُشَلِيمَ، فَحَبَسْتُ فِي سُجُونٍ كَثِيرِينَ مِنَ ٱلْقِدِّيسِينَ... وَلَمَّا كَانُوا يُقْتَلُونَ أَلْقَيْتُ قُرْعَةً بِذٰلِكَ. وَفِي كُلِّ ٱلْمَجَامِعِ كُنْتُ أُعَاقِبُهُمْ مِرَاراً كَثِيرَةً، وَأَضْطَرُّهُمْ إِلَى ٱلتَّجْدِيفِ. وَإِذْ أَفْرَطَ حَنَقِي عَلَيْهِمْ كُنْتُ أَطْرُدُهُمْ إِلَى ٱلْمُدُنِ ٱلَّتِي فِي ٱلْخَارِجِ. وَلَمَّا كُنْتُ ذَاهِباً فِي ذٰلِكَ إِلَى دِمَشْقَ، بِسُلْطَانٍ وَوَصِيَّةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ، رَأَيْتُ فِي نِصْفِ ٱلنَّهَارِ فِي ٱلطَّرِيقِ، أَيُّهَا ٱلْمَلِكُ، نُوراً مِنَ ٱلسَّمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ لَمَعَانِ ٱلشَّمْسِ قَدْ أَبْرَقَ حَوْلِي... سَمِعْتُ صَوْتاً يُكَلِّمُنِي بِٱللُّغَةِ ٱلْعِبْرَانِيَّةِ: شَاوُلُ شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي... فَقُلْتُ أَنَا: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ: أَنَا يَسُوعُ ٱلَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. وَلٰكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ لأَنِّي لِهٰذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لأَنْتَخِبَكَ خَادِماً وَشَاهِداً بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ، مُنْقِذاً إِيَّاكَ مِنَ ٱلشَّعْبِ وَمِنَ ٱلأُمَمِ ٱلَّذِينَ أَنَا ٱلآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ ٱلشَّيْطَانِ إِلَى ٱللّٰهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِٱلإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ ٱلْخَطَايَا وَنَصِيباً مَعَ ٱلْمُقَدَّسِينَ» (أعمال الرسل 26: 9 - 18).

وهكذا أشرقت النعمة واستنار شاول بنور الإيمان وأصبح فيما بعد بولس الرسول فيلسوف المسيحيّة.

الشيخ ميخائيل منصور (عن كتاب باسمه طُبع بمطبعة المحيط بالفجّالة، تأليف أخيه الشيخ كامل منصور ص 9 - 41): هذا الرجل أيضاً أشرقت النعمة في حياته، ونلخّص لك ما كتبه عنه أخوه الشيخ كامل منصور قال هو م. بن م. بن منصور، وُلد بمدينة سوهاج في شهر مارس سنة 1871. تلقّى علوم الدين على أيدي كبار رجال الدين. وبعد أن أتمّ علومه كان يصرف في العبادة أكثر ليله غارقاً في بحار البحث وراء الأسرار الإلهيّة. وفي سنة 1893 قام في ذهنه أن يبحث في أمر الدين المسيحيّ، واستأذن أستاذه في مجادلة المسيحيّين، فلم يوافقه على ذلك خوفاً على تلميذه من أن يقع في الخيلاء والكبرياء.

ولكنّه ابتدأ يناقش ويجادل رجال الدين. وكثيراً ما كانت تطول المناقشات على غير طائل، وفي ذات يوم قال له أحدهم «كلّ امرءٍ يطلب من ربّه الهداية، وأنا أنصحك أن تطلب من الله الإرشاد إلى الحقّ». فقابل هذا الكلام بنوع من الاستهزاء قائلاً له «وهل أنا أشكّ في عقيدتي؟ معاذ الله». إلاّ أنّه بعد مفارقته له دار في خلده ما طلبه منه هذا الرجل «أنا أنصحك أن تطلب من الله الإرشاد إلى الحقّ» وأخذت نعمة الروح القدس تعمل عملها في قلبه... وابتدأت مرحلة الشكّ حتّى لقد ظننا أنّه قد أُصيب بمرض عقليّ، فكان يبدو شاحب اللون ولقد عكف على قراءة الكتاب المقدّس مفتّشاً عن الحقّ الإلهيّ...

وبعد مدّة ظهرت على وجهه علامات السرور والبهجة. وما ذلك إلاّ لأنّ أنوار الفادي شملته وأشرقت على نفسه شمس البرّ.

لقد تجلّى له المسيح بمحبّته الفائقة وسموّ مبادئه وجمال تعليمه، فعرف أنّه وحده الطريق والحقّ والحياة، وأنّ الإنسان خاطئ وجاهل وعبد لا يخلّصه غير المسيح. وإن نسيت ذاكرتي أموراً كثيرة فلم أنسَ ولن أنسى الفرح العظيم الذي ملأ قلبه والبِشر الجليل الذي تلألأ به مُحيّاه، ثمّ الدموع التي بلّلت ملابسه من شدّة سروره عندما طلبتُ منه الإنجيل أوّل مرّة. والحقّ يُقال إنّي كنت في أوّل الأمر خجلاً به، وكنت طوراً أدعو الله من أجله ليرجع، وتارة كنت أبحث عن المشهورين بالعلم والذكاء لآخذهم إليه حتّى يُرجعوه، وأحياناً كنت ألجأ إلى بعض الأشرار ليهدّدوه. ولكنّي وجدته ثابتاً كالطود الشامخ في المسيح يسوع، مستعذباً في حبّه له كلّ عذاب. فكّرت طويلاً في ما هو سرّ ذلك؟ إنّي أعلم بيقين تامّ بأنّه لم تكن له غاية عالميّة، فقد بدا لعينيَّ واضحاً. فقابلني هذه المقابلة البهجة، ونشكر الله لأنّه كان سبباً في هداية كثيرين أولهم أنا إلى مجد الفادي.

أعظم برهان

إذ ينجذب الإنسان بعمل النعمة إلى حظيرة الإيمان لا يحتاج فيما بعد إلى دليل أو برهان منطقيّ لتثبيت حقائق الإيمان، إذ أصبح الدليل والبرهان في قلبه من داخل، ويرى الربّ في داخله وقد حوّله إلى رجل آخر، ولا يعود فيما بعد يبحث عنه خارج كيانه! فقد قال الفيلسوف الشهير أوغسطينس بعد أن قبل الإيمان «ها إنّي قد وجدتك وأدركتك. فيا لسعدي، ما أعظمه! ويا لحظّي، ما أسعده! كنت أفتّش عليك في أشياء خارجيّة ولكن هذا التفتيش لم ينفعني إذ وجدتك في نفسي وفي قلبي، وها أنا أمسكك وها أنا أراك» (إعترافات القدّيس أوغسطينس).

فالمؤمن يرى ويلمس الربّ في حياته التي غيّرها بالتمام، فحوّله من إنسان شهوانيّ عبد الخطيئة إلى إنسان روحانيّ محبّ للقداسة.. المؤمن يرى الربّ في قلبه الذي تطهّر من أدران الخطيّة «طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللّٰهَ» (متّى 5: 8).

إنّ الإيمان بعد عمل النعمة لا يصبح فيما بعد إيماناً عقليّاً بأمور غيبيّة يفتقر إلى أدلّة وبراهين، بل إيماناً اختباريّاً يجعل الذئب حملاً. وهذا هو أكبر دليل وأعظم برهان على صحّة الإيمان.

اختبار القدّيس موسى الإفريقيّ:

كان رجلاً وحشيّاً قاتلاً ورئيس عصابة وثنيّاً، ولكنّ النعمة بدأت ترسل أشعّتها إلى قلبه فذهب إلى شيخ قدّيس وقال له «قد سمعت أنّك عبد الله الصالح ومن أجل هذا هربت وأتيت إليك ليخلّصني الإله الذي خلّصك، فاخبرني وعرّفني عن الله». فسأله القدّيس «وماذا كان معبودك؟» أجابه «إنّي لا أعرف سوى الشمس إلهاً، لأنّي لمّا تطلّعت إليها وجدت أنّها أنارت المسكونة بضيائها، وكذلك إلى القمر والنجوم التي فيها أسرار عجيبة، وكذلك إلى البحر وقوّته. ولكن كلّ هذه جميعاً لم تشبع نفسي. وعرفت أنّ هناك إلهاً آخر لا أعرفه أعظم من كلّ هذه وقلت له: أيّها الربّ الإله الساكن في السماء، هادي الخليقة كلّها، اهدني إليك الآن، وعرّفني ما يُرضيك. لذلك أتيت إليك لتخبرني وتسأل الله عنّي حتّى لا يغضب عليّ لأجل شرّ أعمالي». (عن مخطوط المتحف القبطيّ ص 496).

فابتدأ الشيخ يعظه بكلام الله، وحدّثه عن الدينونة والخلاص ومحبّة الله للخطاة. وتكامل عمل النعمة في قلبه فأشرق الربّ في قلبه وسالت دموع التوبة ولمع وجهه بنور الإيمان، وأصبح موسى المتوحّش قدّيساً من أعظم رجال الإيمان.

من الذي غيّر هذا الذئب إلى حمل؟ إنّه عمل النعمة العجيب! ومَن الذي أفهمه الإيمان؟ لقد رأى الربّ في حياته ولمس يده الخالقة تغيّره بالتمام!

اختبار جبران:

نشأ جبران في بيت متعصّب، وأشرف الأب على تلقين ابنه أصول الدين. وما أن مات الأب حتّى تحلّل الشابّ من قيود الأخلاق وتوغّل في الإجرام، حتّى فكّر أهله في حلّ للمشكلة فأودعوه مدرسة داخليّة. وكان بالمدرسة طالب يدعى ميشيل وذاق ميشيل من جبران ألوان العذاب حتّى جاء يوم احتفال بالمدرسة وفكّر جبران إمعاناً في مضايقة ميشيل أن يكلّفه بحمل جميع الكراسي اللازمة، واستصدر بذلك أمراً من إدارة المدرسة. وذهب ليبحث عن ميشيل فلمحه يقفز من فوق سور المدرسة ويتوغّل في غابة بالقرب من السور، فظنّه هارباً من المسؤوليّة فتتبّعه، وإذ به يراه يدلف إلى موضع جعلت منه الأغصان المتشابكة شبه كوخ صغير، ومن خلف إحدى الأشجار وقف جبران متخفّياً ليستقصي سرّ هذا الكوخ!! وإذ به يرى ميشيل يوقد شمعة صغيرة ثمّ يركع على ركبتيه ويسمع صوته الخافت يغنّي (على حدّ تعبيره قبل أن يعرف معنى ذلك) ثمّ يراه يخرج مفكّرة (على حدّ تعبيره من جيبه ويقرأ فيها) وبعد أن انتهى من القراءة رآه يرفع وجهه إلى أعلى، ولاحظ انسكاب الدموع من عينيه وصوته مختنقاً بالبكاء... وبعد أن انتهى من ذلك أطفأ الشمعة وعاد إلى المدرسة، وجبران يتبعه من بعيد. وما أن دخل ميشيل المدرسة حتّى لحق به جبران وأمسك بكتفه وسأله «أين كنت؟» فأجاب: «كنت أعبد ربّي». قال له «كذبت، فقد رأيتك وتتبّعتك منذ أن قفزت من السور حتّى دخلت الكوخ، وأخذت تغنّي وتقرأ في نوتة ثمّ تبكي.. فإنّ هذا من علامات الجنون». فأجاب بهدوء «لست مجنوناً، فما كنت أغنّي، ولكنّي كنت أرنّم للربّ. وما كنت أقرأ من نوتة، بل في الإنجيل. وأخيراً صلّيت لربّي ليغفر إثمي ويعينني في حياتي».

فقال له «هل أستطيع أن أرى الإنجيل؟» فأخرجه له، ولكنّ جبران كان قد سمع من أبيه أنّ من يمسك إنجيل النصارى لا بدّ أن يصاب بشلل في يده أو خبل في عقله. ولكنّ المنظر الذي رآه جبران جذبه إلى معرفة سرّ هذه العبادة التي تحدو بالإنسان أن يدخل الغابة ليتعبّد. فأمسك الإنجيل بأطراف أصابعه حتّى إذا شعر بالشلل ألقاه ونجا من الخطر!! ولكنّه لم يشعر بشيء ممّا قيل له، فأخذ الإنجيل واستأذن من ميشيل أن يقرأه.

وانفرد جبران يقرأ الإنجيل طيلة الليل... ولكنّه لم يستطع أن يفهم شيئاً. وفي الفجر ذهب إلى ميشيل وأيقظه، وبدأ يسأل عمّا لم يفهمه. وابتدأ ميشيل يشرح له ولكن دون جدوى. فأغلق ميشيل الكتاب وقال له «سأذكر لك محتويات الإنجيل باختصار».

فالحقيقة الأولى هي أنّ الإنسان خاطئ، وأنا وأنت خطاة.

والحقيقة الثانية أنّ عقوبة خطايانا هي عذاب جهنّم الأبديّة.

والحقيقة الثالثة هي أنّ الله في محبّته أرسل المسيح ليفدينا من عقوبة الخطيّة، فصُلِب عوضاً عنّا.

والحقيقة الرابعة إن أنت آمنت بهذا وندمت على خطاياك يقبلك الربّ ويخلّصك من نار جهنّم الأبديّة.

كانت كلمات بسيطة ولكنّها ممسوحة بالنعمة وخارجة عن اختبار. وفي ذات اللحظة كانت يد الله تعمل في قلب جبران.. وكانت المعجزة، وأشرق وجه الفتى وقال «أنا أؤمن». وصلّيا معاً. وتوالت الأحداث والاختبارات في حياة جبران الشرس الأخلاق إلى جبران الحمل الوديع والخادم المبارك في كرم الربّ، وصار سبب بركة لنفوس كثيرة من أبناء الإيمان وغيرهم.

هذا هو عمل النعمة العجيب والبرهان الأعظم على صحّة إيماننا الأقدس. ليت الربّ يعمل فيك يا عزيزي القارئ لتصير ابناً للعليّ، وشاهداً أميناً للسيّد الذي أحبّنا وفدانا بدمه.

الخلاصة

لعلّك قد أدركت أيّها القارئ مفهوم الثالوث في الوحدانيّة الجامعة عندنا نحن المسيحيّين. ولعلّك قد تيقّنت أنّنا لا نعبد ثلاثة آلهة. حاشا! وإنّما نحن نؤمن بإله واحد قائم بذاته، ناطق بكلمته، حيّ بروحه. حلّ الكلمة في السيّدة العذراء مريم، وأخذ منها جسداً بشريّاً وهكذا تجسد الكلمة يسوع المسيح، الذي عاش على أرضنا وتمّم خلاصنا.

وإنّني أصلّي إلى الربّ ليشرق بنوره في قلبك، ليعلن لك هذا السرّ العجيب، لأنّ أمور الله لا يدركها أحد إلاّ روح الله، فليتك تطلب أنت أيضاً منه ليعلن لك عن ذاته. اطلب منه أن يغيّرك أوّلاً ويؤهّلك لقبول عمل النعمة في حياتك لتصير ابناً لله، وشريكاً للطبيعة الإلهيّة، وعندئذٍ ستدرك بالروح ما يعجز العقل عن إدراكه. الله معك. كن معافى.

مسابقة كتاب «الله واحد في الثالوث الأقدس»

أيها الأخ الكريم، إن ما يتفهمه المرء جيداً يعبّر عنه بوضوح، ويستطيع أن يقوله بسهولة.

اقرأ هذا الكتاب بتأنٍ وتمعّن. لتختبر معلوماتك وتحدد موقفك بدقة تجاه هذا الموضوع الخطير، اكتب اجابتك وافكارك عن الاسئلة التالية. نحن بانتظار اجوبتك.

  1. اذكر كيف يحق للمسيحيين القول: إنّ الله واحد.

  2. لم لا تعني أبوّة الله التناسل الجسدي، بل الأبوة الروحية؟

  3. كيف يشهد القرآن للوحدانية الإلهية في العقيدة المسيحية؟

  4. اذكر النصوص القرآنية الدالة على حقيقة الثالوث في الله الواحد.

  5. ماذا يعني اسم (الآب) في المفهوم المسيحي؟

  6. ماذا يعني القول: إنّ لله (ابن)؟

  7. من هو الروح القدس في الاعتقاد المسيحي؟

  8. أي نوع من الثالوث يرفضه القرآن والمسيحية؟

  9. من أين تعلم أن عقل الإنسان لا يستطيع إدراك جميع الأسرار تلقائياً؟

  10. ما هي الطرق والأساليب التي تساعدنا على إدراك جوهر الله؟

  11. لماذا يعلن الله ذاته للبشر؟

  12. لم بات ضرورياً أن يصير كلمة الله إنساناً؟

  13. كيف كشف الله عن نفسه للشيخ منصور؟

  14. كيف يصل المؤمن إلى اليقين في إيمانه بالله وبعمله الخلاصي؟

  15. اذكر أهم اختبار بالنسبة لك من اختبارات القديس موسى الإفريقي.

  16. اذكر الحقائق الأربع الهامة في اختبار جبران.

  17. دوّن رأيك الشخصي عن وحدانية الله الجامعة في ثالوثه القدوس.

الرجاء استخدام الاستمارة الخاصة بالموقع للاتصال بنا:

www.the-good-way.com/ar/contact

او يمكنك ارسال رسالة عادية الى:


The Good Way
P.O. BOX 66
CH-8486
Rikon
Switzerland